البدايةالدليل الاقتصادي للشركات  |  دليل مواقع الويبالاتصال بنا
 
 
 
المقالات الاكثر قراءة
 
تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات
   عام حطّة

تهديدات معلنة ومبطنة لمجلة الأحوال الشخصيّة التونسيّة

كاتب المقال أنس الشابي - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي
 المشاهدات: 399


 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


حققت دولة الاستقلال الكثير من المكاسب التي تخصّ الأسرة على رأسها مجلة الأحوال الشخصيّة بما ورد فيها من أحكام وفّرت الظروف المثلى لتربية الأبناء من ناحية وحفظ كرامة المرأة من ناحية أخرى، ومنذ صدورها إلى يوم الناس هذا لم تتوقف الحركات التي تخلط الدين بالسياسة عن التهجّم عليها والدعوة إلى إلغائها، وبما أن هذا الطلب لا يمكن أن يمرّ وسوف يجد معارضة من قبل المجتمع المدني لأنه يمثل نكوصا وتراجعا عن المكتسبات، التجأ خصومها إلى محاولة إلغائها عبر المطالبة بإلغاء بعض فصولها فتارة يدعون إلى تعدّد الزوجات وأخرى يشيعون بأن الطلاق حقّ للرجل ونقله إلى المحكمة كفر بشرع الله وأخرى ينشرون بين الناس أن التبني كما نصّت عليه م أش حرام، ولأن الدفاع عن المجلة اليوم يستلزم معرفة الأرضيّة التي يقف عليها الخصوم والأسس التي بني عليها خطابهم المناوئ فقد اتبعت الحركة الإسلاميّة الخطة التالية في إظهار معارضتها لها بحسب الظرف السياسي، يظهر ذلك في:

1) في سنواتها الأولى لم تتجرأ الحركة الإخوانية على إعلان معارضتها للمجلة لأنها كانت خطا أحمر بالنسبة للزعيم لذا تعمّدت القدح في الأرضية الفكريّة التي صدرت عنها وفي التشكيك في خطاب دعاة تحرير المرأة، فعلت ذلك بشكل متخفّ ومتباعد في الزمن من ذلك أن مجلة المعرفة نشرت سنة 1979 نصّا لمحمّد الصالح النيفر ادّعى فيه أن كتاب الطاهر الحداد عن المرأة وتحريرها طبعه القسّ سلام وروّجه الآباء البيض أي أن دعوة تحرير المرأة ليست إلا نبتا كنسيّا دعا إليه ورعاه الصليبيّون وهو ما يعني أن الحداد كافر ومرتدّ وجب طرده من الملّة واستتابته مستشهدا في ذلك بقول لعبد الحميد ابن باديس(1)، أما راشد الغنوشي الذي تحدّث عن المرأة في كتابين له فإنه لم يذكر الطاهر الحدّاد إلا مرّة واحدة وفي معرض الشّتم قال: "والتهجّم على العراء والاختلاط بين الجنسين وعلى عمل المرأة المأجور خارج البيت وعلى كتابات الحدّاد كانت تلك أهمّ القضايا التي شغلت الأدبيّات الإسلاميّة في المسألة النسائيّة"(2).

2) بسبب مرض الزعيم واحتداد الصراع حول خلافته سمح الوزير الأوّل محمد المزالي في إطار جمع الأنصار حوله قلت سمح لحركة الاتجاه الإسلامي من النشاط وطبع وترويج المنشورات والظهور العلني بصفاتهم حيث تجرّأت في تلك الفترة وشكّـكت في مجلة الأحوال الشخصيّة علنا، ففي ندوة صحفيّة عقدتها الحركة في 6 جوان 1985 بمناسبة إحياء ذكرى تأسيسها تحدث مورو عن م أش بحضور الغنوشي قال: "من هي جماهير الشعب التي قرّرت عام 1957؟، من قرّر في مجلة الأحوال الشخصيّة وفرضها على المجتمع التونسي؟، هو فرد من طرف واحد فرض القضية على المجتمع... ودعوتنا كإسلاميّين إلى تكوين مجلس وطني للإنكباب على هذه القضية التي يتآكل جراءها كلّ المجتمع... خاصة وأن النظام فرض علينا أن نعتبر قضية مجلة الأحوال الشخصيّة مفصولا فيها انتهت وتمّت، في تونس لا يتجرّأ أحد على رفع عقيرته بالدعوة إلى مراجعة هذه المجلة لماذا؟ إذا كانت هذه المجلة تقدميّة خلي الشعب يؤيّدها ويؤيّدها التقدميّون"(3) وقد كان لنشر هذا الموقف الداعي إلى الاستفتاء على م أش الوقع الشديد لخطورته حيث واجهته النخبة وسفّهته فما كان من الحركة إلا العودة إلى صنيعها بالتكذيب والقول بأن الكلام أخرج عن سياقه وهو ما دفع بمجلة الموقف إلى النشر الحرفي لِما جاء في الندوة، لم يكن عبد الفتاح مورو فيما ذكر إلا الناقل الوفيّ لِما كتب رئيس الحركة سنة 1984 في وثيقة من وثائقهم السرية التي نشرت فيما بعد، قال: "ومن هنا فإن خطورة هذه المجلة كما أكدنا في موضع آخر لا تكمن أساسا في بعض نصوصها التي أُسقطت على المجتمع إسقاطا بدون دراسة متأنّية (مثل إباحة التبني)... وإنما تكمن خطورتها أساسا في الموجة التي صاحبتها وسبقتها ولحقتها وساهمت هي في إلهاب نارها أعني موجة التغريب"(4) مختتما ما ذكر بقوله: "إن المجلة البورقيبية المعروفة بمجلة الأحوال الشخصية كانت من خلال ما حفّ بها من أجواء استجابة لا وطنيّة لمطالب وطنيّة"(5)، وفي نفس المعنى يقول الجورشي: "إن كلّ المكاسب تقريبا التي تحصلت عليها المرأة في مجتمعاتنا لم تكن نتيجة نضالات خاضتها هي من بدايتها إلى نهايتها لم تكن تتويجا لصراع سابق ولكن كانت هدية من القطاعات المثقفة والمتأثرة بالغرب والتي وجدت نفسها في موقع المسؤولية والقرار في المجتمع"(6) وبيّن مما ذكر أن عداء الحركة الإسلامية لمجلة الأحوال الشخصيّة يصدر أساسا عن قناعة بأنها ليست إلا نتاجا غربيا استوردته النخبة التي قادت الحركة الاستقلاليّة ومن ثم عادته يقول الجورشي في هذا المعنى: "إن تمسكنا بالخط القانوني العام الذي تضمّنته مجلة الأحوال الشخصية ينبع من أرضية ثقافيّة وسياسيّة مغايرة لأرضيّة السلطة وخطابها"(7) وغاب عنهما أن مسألة تحرّر المرأة كانت مشغلا من مشاغل النخبة المستنيرة حتى قبل صدور كتاب الحداد من ذلك أن الشيخ عبد العزيز الثعالبي في لمحة ذكيّة رفض تعدّد الزوجات استنادا إلى الأحكام الشرعية ذاتها فعند حديثه عن الميراث تعرّض إلى الحكمة من إقرار نصيب ثابت للزوجة كأن يكون الربع أو الثمن تقتسمه مع غيرها في حالة التعدّد ولم يفرض لهنّ تعالى أنصبة بحسب عددهن، فنصيب الزوجة واحد وإن تعدّدت قال الشيخ: "الحكمة ظاهرة لِمن يتدبّر المقاصد الإلاهية وهي تعليمنا وإرشادنا إلى الأصل الذي يجب أن نجري عليه في الزوجيّة وهو أن يكون للرجل امرأة واحدة وإنما أباح للرجل أن يتزوّج اثنتين إلى أربع على المعتمد بشرطه المضيّق... لأن التعدّد في نظر الشارع من الأمور النادرة غير المقصودة فلم يراعه في أحكامه، والأحكام إنما توضع لِما هو الأصل الذي عليه العمل في الغالب، والنادر لا حكم له"(8)، ورغم أن م أش مستمدّة أساسا من اللائحة التي أعدّها الشيخ محمد العزيز جعيط أيام كان وزيرا للعدل وصدرت بعد موافقته وموافقة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور وهو ما ينفي عنها مخالفة أحكام الأحوال الشخصيّة الإسلامية فإن الحركة لم تتوقف عن معاداتها والتشهير بها إلى يوم الناس هذا بقصد إلغائها تمهيدا لأخونة المجتمع، تلك هي الأرضية الفكرية التي تصدر عنها الحركة ونجدها مبثوثة في ثنايا منشوراتهم ومنشورات حلفائهم، أما ما جاء على لسان الغنوشي بعد تغيير السابع من نوفمبر من أن المجلة: "مندرجة ضمن الاجتهاد داخل المنظومة الفقهية الإسلاميّة"(9) فلا يعتدّ به إذ لا علاقة له بحقيقة موقفه وموقف حركته من أهم منجز لدولة الاستقلال، بعد سنة 2011 عادت الحركة إلى إظهار معاداتها للمرأة وللمجلة من ذلك أنها وضعت في مشروع دستور 2012 أن المرأة مكمّلة للرجل ولم تتوقّف عن محاولات التراجع عن حقوق المرأة تارة من خلال تصريحات منتسبيها وتارة أخرى عبر حلفائها من سلفيّين وانتهازيّين وغيرهما، غير أنها في كلّ الأحوال لم تتمكّن من المساس بالمجلة وإن أفسدت بعض الدوائر المحيطة والمتمّمة للرعاية بالمرأة والأسرة كتنظيم النسل الذي أُخرج من اهتمامات من تسلّموا الحكم بعد 2011 وإنهاك الاتحاد الوطني للمرأة وغيره من الجمعيّات التي تهتم بالمرأة الريفيّة.

بقي الأمر على حاله طوال العشرية الماضية حيث بقيت حركات وجمعيات الخلط بين الدين والسياسة تحاول أخونة المجتمع عبر تدمير كلّ المكتسبات التي تحققت لفائدة الأسرة في مقابل الدفاع المستميت للقوى المدنيّة لردّ غائلة تتار العصر وهمّجه، إلى أن وصلنا إلى مرحلة حكم 25 جويلية 2021 التي تميّزت بغياب أدبيّات تشرح وتوضّح ما عليه الحكم وما السياسات التي ينوي انتهاجها واكتفى بإصدار دستور جديد معتمدا في كل ذلك الغموض، غير أن المتابعة اللصيقة لِما يصدر خصوصا عن رئيس الجمهورية من تعليقات أو فلتات لسان كفيلة بتوضيح حقيقة الحكم وانتمائه للفضاء الإسلامي الحركي باستناده إلى نفس المصادر التي تنهل منها حركة النهضة وما شابهها بحيث يصبح الخلاف بينهما في الدرجة وليس في المضمون كما أن المصطلحات المستعملة لديهما مختلفة ولكنها تؤدي نفس المعاني وهو ما سيتضح في الأمثلة كالتالي:

1) يعلم الجميع أن شعار التنظيم الدولي للإخوان المسلمين يتلخص في شعار تطبيق الشريعة وهو الهدف المركزي الذي يسعى إلى تطبيقه عبر فروعه، وبما أن هذا الشعار يحيل إلى ما وقع في السودان وأفغانستان وإيران وبوكو حرام وغيرها من المناطق التي تحكمها الشريعة اتجه حكم 25 جويلية إلى استعمال لفظ أقلّ فظاظة وغلظة وهو تحقيق مقاصد الإسلام في ظنّ منها أن مثل هذا المقترح سوف يمرّ دون اعتراض غير أن القوى المدنيّة تفطّنت إلى هذا الفخّ الذي نُصب للقضاء على كلّ مكتسبات تونس الحديثة وهو ما دفع صاحبه إلى إضافة نظام ديمقراطي تطبّق فيه المقاصد وهو كلام يضرب بعضه بعضا ولا يستقيم عند العقلاء لأن الديمقراطية حكم المجموع لتحقيق المصلحة العامة أما المقاصد فهي نصوص تطبّق دون اعتبار لعوامل الزمان والمكان والتطوّر الحضاري لأنه ليس هنالك مقاصد خارج النصوص، ومن الجدير بالملاحظة أن مسألة المقاصد لم تجد حظها في بلادنا إلا لدى ما يسمّى اليسار الإسلامي الذي اشتهر بالتلبيس على خلق الله بحيث يختلق مصطلحات جديدة على الأذن للتخفيف من شناعة القديمة فالتكفير يغيب في خطابهم ليحضر مصطلح الداخل الثقافي لوصف المؤمنين والخارج الثقافي لوصف الكفرة(10) وكذا يصبح تطبيق الشريعة تحقيقا لمقاصد الإسلام وفي هذا المعنى يقول الجورشي: "فالمقاصد اليوم ليست مجرد تعليل أصولي للأحكام الشرعيّة وإنما يجب أن تكون معالم لاختيارات حضاريّة ومجتمعيّة كبرى تقيّد الممارسة التشريعيّة وتعبّئ كل طاقات الأمة تحقيقا لمصالحها الحيويّة والاستراتيجيّة"(11) وانتبهوا مليّا إلى قوله تقيّد الممارسة التشريعية أي أن كلّ ما يتعلق بما ينظم الحياة داخل المجتمع يجب أن يكون مقيّدا بالمقاصد التي هي الشريعة، وهو ما يعني أن من مهام الدولة أن تنفّذ كلّ ما جاء في المدوّنة الفقهيّة من رجم وقطع للأيدي والأرجل بخلاف وأحكام أهل الذمة والإماء وغيره من الأحكام التي تجاوزها العصر ولم تعد موجودة إلا في بعض البلدان التي تعيش خارج العصر وخارج التاريخ كأفغانستان والسودان أيام النميري والترابي وإيران، والمستفاد ممّا ذكر أن حكم 25 جويلية تخفّى وراء مصطلح المقاصد حتى يمرّر تطبيق الشريعة.

2) في مداخلاته في بعض المناسبات يكشف الرئيس عن انتمائه إلى فضاء الإسلام الحركي دون تحديد لجهة ما، من ذلك إشادته بشخصيات لم نعرف لها إضافة في تطوير الفكر الإسلامي بل اشتهرت بأنها تستنسخ القديم في أكثر صوره تطرّفا ويبسا، ففي استقباله حفظة القرآن ذكر رئيس الدولة أن أوّل من تحدّث عن الحرية في الإسلام هو الشيخ الخضر حسين والحال أن محاضرة الشيخ التي ألقاها في جمعيّة قدماء الصادقيّة سنة 1906 لم تكن سوى استنساخا لِما جاء في كتب الفقه القديمة بخصوص الشورى والأموال والأعراض وغيرها ولا علاقة لها بمفهوم الحرية التي نتداولها اليوم ويُقصد بها الحقوق والواجبات التي للمواطن وعليه في مجتمع تحكمه القوانين والانتخابات التي تضمن مشاركة الشعب في الحكم، هذا المعنى مغيّب تماما لدى القدامى واللّبس يحدث عند استعمال المصطلح فالقدامى يستعملون الحرية مقابل الاستعباد ولدى المعاصرين ينصرف المعنى إلى الحقوق السياسيّة والاجتماعيّة، والمتأمّل في حصيلة مدوّنة الشيخ الخضر يلحظ أنه سلفي متطرّف غاية في التطرّف، يدلّ على ذلك معارضته لأي محاولة للتجديد الديني أو الثقافي فقد نشر ردّا على كتاب طه حسين عن الشعر الجاهلي كما نشر ردّا على كتاب علي عبد الرازق عن الإسلام وأصول الحكم صدّره بإهداء إلى الملك فؤاد الأوّل ملك مصر الذي كان يطمح لأن يصبح خليفة بعد إلغاء الخلافة العثمانية فضلا عن أن تنحيته من مشيخة الأزهر كانت بسبب معارضته توحيد القضاء في مصر والإبقاء على القضاء الشرعي، أما الشخص الثاني الذي استشهد به الرئيس فهو الشيخ البشير النيفر ففي مقابلة له مع رئيسة الحكومة قبل الاستفتاء ظهر الرئيس وبيده المجلة الزيتونية مفتوحة على مقال عنوانه "فصل الدين عن الحكومة"(12) للشيخ البشير النيفر الجدّ للأب لاحميدة النيفر رئيس جمعية رابطة تونس للثقافة والتعدّد التي ينشط ضمنها نوفل شقيق الرئيس وهذه المقالة كتبها صاحبها ردّا على من رفع شعار العلمانية واللائكية سنة 1955 في الفترة التي يتم فيها الاستعداد لإرساء النظام الجمهوي جاء فيها: " فتكون الغاية التي تنتهي إليها مطمئن القلب أن لا خطر يهدّد أحدا من الناس ولا مصلحة من المصالح العامّة والخاصة أن تبقى الحكومة الإسلامية على صبغتها الحقيقية آخذة بزمام السلطتين الدينيّة والمدنيّة، بل الخير كل الخير أن تبقى على جمعها الحميد"، مثل هذا الكلام ابن وقته والظروف التي قيل فيها وليس هنالك من داع للاستشهاد به خصوصا من طرف رئيس الدولة إلا إذا كان هذا الأخير يحمل تقديرا وإعجابا بما ورد فيه علما وأن الشيخ البشير في كل مقالاته وعددها محدود لم يحدث أن خرج عن المتون أو جاء بفكرة مخالفة لِما استقرّ عليه المتشددون من السلف، والذي تهمّنا الإشارة إليه أن الاستشهاد بهذا النوع من الخطابات المغرق في الرجعية والتكلّس مكوّن من مكوّنات برنامج لم يصرّح به الرئيس ولا نعلم حقيقته بالتفصيل إلى الآن إلا من خلال شذرات تظهر في بعض الأحيان في ثنايا مقوله، من ذلك أنه في حديث له مع جزائرية لمّا ذهب إلى جامع الزيتونة للصلاة ذكر لها أن الهواري بومدين درس في جامع الزيتونة قائلا عنه:"مشى نحّاوه للأسف" وهو ما يحمل موقفا معترضا على توحيد التعليم الذي باشرته دولة الاستقلال ومحبذا للإبقاء على تعليم ديني خارج المنظومة التعليمية الرسمية.

3) منذ تصريحه الشهير لجريدة الشارع المغاربي في 11 جوان 2019 أعرب رئيس الدولة عن نتف من مواقفه من بعض القضايا ففيما يخصّ الأحزاب اعتبر أن دورها انتهى وأن الشعب سينتظم بأشكال جديدة وهو ما ترجمه بعد وصوله إلى الرئاسة إلى موقف معاد للأحزاب جميعها باستثناء العقديّة منها كحزب النهضة وحزب التحرير الذي عقد مؤتمره تحت حمايته ولكنه حاصر في نفس الوقت الحزب الدستوري الحر بمنعه من إظهار اعتراضه على ما يحصل، وهو في ذلك يلتقي مع الغنوشي الذي يصف الأحزاب المخالفة له عقديّا بالأحزاب المذمومة أي أحزاب الشيطان في حين يسمي حزبه بحزب الله(13)، أما بالنسبة للجمعيّات الدينيّة المسماة خيريّة أو تعليميّة فإنها تجد هي الأخرى كلّ الرعاية والحماية من طرف حكم 25 جويلية ولا أدلّ على ذلك من الحماية المتواصلة لبؤرة القرضاوي والامتناع عن فتح ملف تمويل هذه الجمعيات التي زكمت روائح الفساد المالي فيها الأنوف فضلا عن ارتكابها جرائم كالتسفير إلى بؤر التوتر، وفي هذا يلتقي الرئيس مع ما يدعو إليه اليسار الإسلامي، ففي رسالة وجهها احميدة النيفر إلى الرئيس ابن علي بعد تغيير السابع من نوفمبر أورد بعض الاقتراحات من بينها: "التشجيع على قيام هيئات ونواد غير سياسية (جمعيات خيريّة / اجتماعيّة / ثقافيّة)"(14)، وبيّن ممّا ذكر أن موقف الرئيس من الأحزاب والجمعيّات يصبّ في خانة محاصرة القوى المدنيّة الرافضة للخلط بين الدين والسياسة مقابل تشجيع دعاة الخلط أيا كان انتماؤهم السياسي المعلن لأن كلّ الصيد عندها في جوف الفراء.

4) روّج جماعة اليسار الإسلامي للتشيّع الفارسي في بلادنا عن طريق مجلتهم التي خصّصت أعدادا كاملة للموضوع كما أن مكتبة الجديد التابعة لهم دأبت على ترويج المنشورات الشيعيّة السياسيّة حتى عن طريق التصوير وذلك لاشتراكهما في الإيمان بالتقية التي أحسن رموز هذا التنظيم استخدامها ليحصلوا على التراخيص القانونية لمجلة ومنتدى وحتى إلى دخول ديوان وزير التربية لإصلاح مادة التربية الإسلاميّة في عهد محمد الشرفي، هذا الدور الذي مورس سابقا يعود اليوم من بوابة الرابطة ففي الأشهر الماضية عرف الوطن بعض النشاطات للشيعة الفرس بعضها تمّ في بيت الحكمة خلال السنة الماضية حيث استدعي ميرزائي وهو ليس بعالم دين ولو لبس العمّة بل صاحب مواقف سياسيّة بعضها يهمّ الشأن التونسي إذ سبق له أن نصح على صفحته الإسلاميّين بأن يستعدّوا للسجون كما حصل لجماعتهم في مصر، ومكمن الخطورة فيما حدث أن الدعوة:

* صدرت عن احميدة النيفر زعيم رابطة التعدّد القريبة من رئاسة الجمهورية ورئيس قسم الدراسات الإسلامية في بيت الحكمة.
* تمت برعاية من مؤسّسة بيت الحكمة التابعة لرئاسة الحكومة ممّا يضفي على محاضرة ميرزائي وزيارته طابعا رسميّا، ويؤشر من ناحيتنا على أن اختراقا فارسيّا تمّ لواحدة من مؤسّسات الدولة التابعة لرئاسة الحكومة.
بعد أن تم منع مجلة 15/21 من الصدور بقي منتدى الجاحظ ينشط على استحياء وغاب اليسار الإسلامي عن الساحة باستثناء صدور بعض المقالات أو عقد ندوات محدودة إلى أن وصلنا إلى سنة 2011 التي عرفت هجمة تتار العصر على الدولة والمجتمع، أيامها عاد اليسار الإسلامي إلى الحياة فأنشأ نسخة جديدة منه سمّاها "رابطة تونس للثقافة والتعدّد" تحصلت على الرخصة القانونية سنة 2012 أما الهيئة التأسيسيّة فتشمل احميدة النيفر الذي انشق سابقا عن حركة الاتجاه الإسلامي وعاد إليها مشاركا في مؤتمرها العاشر في اللجان وفي الصفوف الأولى وبن عيسى الدمني عضو المكتب التنفيذي للاتجاه الإسلامي والمنسلخ عنه بعد جريمة باب سويقة ضمن مجموعة عبد الفتاح مورو والعائد إليه في المؤتمر العاشر ونوفل سعيد شقيق الرئيس وأحد قدامى اليسار الإسلامي والكاتب في مجلتهم والمحاضر في الرابطة فيما بعد، والمستفاد ممّا ذكر أن رابطة التعدّد بحكم قربها من رئيس الجمهورية وانتمائها للفضاء الديني الحركي وتشعّب علاقاتها مع الفئات المثقفة والمسيّسة تلعب دورا كبيرا في تخفيف حدّة العداء للإسلاميين وتلميع صورة الحكم من ناحية ومن ناحية أخرى تحافظ على المكاسب التي تحققت للإسلام السياسي كالاندساس في أجهزة الدولة وتكوين أذرع إعلامية ومالية لخدمته وهو ما أبقى عليه حكم 25 جويلية رغم ادعائه بأنه بصدد مقاومة الفساد، وفي تقديرنا أن المحافظة على مجلة الأحوال الشخصية وغيرها من مكتسبات الاستقلال يجب أن تضع في الاعتبار أن ما يتهدّد وجود الدولة وبقاءها ما زال حاضرا في أروقة الحكم وإن تغيرت الأسماء ولكن المسميّات ذاتها، فالحذر كل الحذر من الطبعة الجديدة للفرع المحلي للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين ممثلة في رابطة التعدّد ومن ذراعها ممثلا في حكم 25 جويلية 2021.

-----------
الهوامش
1) مجلة المعرفة العدد4 السنة 5 عام 1979، ص9.
2) "المرأة بين القرآن وواقع المسلمين" راشد الغنوشي، مطبعة تونس قرطاج، دون تاريخ، ص35.
3) مجلة الموقف العدد64 السبت 10 أوت 1985 ص30.
4) "المرأة المسلمة في تونس بين توجيهات القرآن وواقع المجتمع التونسي" راشد الغنوشي، دار القلم للنشر والتوزيع الكويت 1993، ط2 ص139 و140.
5) المصدر السابق ص148 و149.
6) مقال "المرأة بين التراكمات التاريخي والاغتراب عن الواقع" جريدة الرأي بتاريخ 31 مارس 1983.
7) مقال "علاقة الجنسين لا زالت متأزمة" مجلة حقائق، العدد73 بتاريخ 5 جويلية 1985 ص25.
8) "محاضرات في تاريخ المذاهب والأديان" الشيخ عبد العزيز الثعالبي، تقديم ومراجعة حمادي الساحلي، دار الغرب الإسلامي بيروت 1985، ص250.
9) جريدة الصباح بتاريخ 17 جويلية 1988.
10) مجلة 15/21، العدد الثالث فيفري 1983، ص12 وما بعدها.
11) مقال "مقاصد الشريعة بين محمد الطاهر ابن عاشور وعلال الفاسي، المهمّة لا تزال مطروحة" صلاح الدين الجورشي، مجلة الاجتهاد، السنة 3 العدد 9، خريف 1990، ص209.
12) منشور في المجلة الزيتونية المجلد التاسع الجزأين 5 و6 وأعاد حفيده احميدة نشره مؤخرا في كتاب "العالم والزعيم، المؤسسة الدينية في تونس: سنوات الاحتضار" نشر نماء للبحوث والدراسات، القاهرة وبيروت 2022، ص108 وما بعدها.
13) الحريات العامة في الدولة الإسلامية ص290.
14) مجلة 15/21، العدد15 سنة 1988، ص4.




 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، مجلة الأحوال الشخصيّة، قيس سعيد، راشد الغنوشي،

 





تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 6-06-2023  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  تهديدات معلنة ومبطنة لمجلة الأحوال الشخصيّة التونسيّة
  أدعو الدولة إلى تأجيل أداء فريضة الحج هذا العام رعاية لله في هذا الوطن
  عن منع كتاب وإغلاق جناح في معرض الكتاب أنس الشابي الرّقيب الأسبق للكتاب في وزارتي الثقافة والداخليّة
  القُرعة
  الخلافة مطمح مشترك بين النهضة وقيس سعيد وحزب التحرير...
  في أوجه التشابه بين الرئيسين زين العابدين بن علي وقيس سعيد
  المسكوت عنه في كتاب "دولة الغنيمة" للطيب اليوسفي
  خرق الدستور
  عن أزمة اليسار في تونس
  عن قيس سعيد والزيتونة
  الغنوشي وعائلته من قصور الحكم إلى أروقة المحاكم: الأسباب والمسبّبات
  شيء من تاريخ مصطفى بن جعفر
  الخاسر الأكبر من 25 جويلية هو صانعها
  في دور احميدة النيفر حليف نوفل سعيّد ماضيا وحاضرا ومستقبلا
  ماذا تبقى من قرارات 25 جويلية 2021؟
  أوّل خرق لدستور 2022
  رسالة إلى عناية السيّد رئيس الجمهورية
  حزب النهضة ومجلة الأحوال الشخصية
  قيس سعيد، محمد الشرفي، احميدة النيفر جدلية سياسية تاريخية لفهم الحاضر
  في عدميّة توظيف عبد الباري عطوان
  حصيلة مسيرة الغنوشي
  عن الفصل الخامس مجدّدا
  مصريّون في تونس وتونسيّون في مصر
  عن الدين في دستور قيس سعيد
  خطاب قيس سعيد الإسلامي في ميزان النقد
  تعدّدت الألسنة والخطاب واحد
  حول كتاب الأستاذ نجيب الشابي: "المسيرة والمسار ما جرى وما أرى" مواقف وآراء تحتاج إلى تصويب
  ماذا وراء تهكم واستهزاء الغنوشي بقيس سعيد؟
  الغنوشي يتهم قيس سعيد بالتشيع
  في وجوه الشبه بين قيس سعيد وراشد الغنوشي

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
رضا الدبّابي، حاتم الصولي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، كريم السليتي، د - محمد بن موسى الشريف ، د. عبد الآله المالكي، د- هاني ابوالفتوح، أنس الشابي، محمد الطرابلسي، محمد العيادي، الناصر الرقيق، د- محمود علي عريقات، محمد يحي، ياسين أحمد، أ.د. مصطفى رجب، أحمد ملحم، عمر غازي، إيمى الأشقر، رمضان حينوني، محمود فاروق سيد شعبان، محمد اسعد بيوض التميمي، أحمد بوادي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د. صلاح عودة الله ، نادية سعد، مصطفي زهران، أحمد النعيمي، سعود السبعاني، محمود طرشوبي، عبد الله الفقير، حسني إبراهيم عبد العظيم، يحيي البوليني، صلاح الحريري، عبد الغني مزوز، د. خالد الطراولي ، سفيان عبد الكافي، رافد العزاوي، أشرف إبراهيم حجاج، جاسم الرصيف، صفاء العربي، د. طارق عبد الحليم، د. أحمد محمد سليمان، د - شاكر الحوكي ، صلاح المختار، العادل السمعلي، عواطف منصور، خبَّاب بن مروان الحمد، صالح النعامي ، رحاب اسعد بيوض التميمي، فهمي شراب، إسراء أبو رمان، سامر أبو رمان ، رافع القارصي، طلال قسومي، سلام الشماع، المولدي الفرجاني، د. عادل محمد عايش الأسطل، د.محمد فتحي عبد العال، د. أحمد بشير، د - صالح المازقي، علي عبد العال، فتحي الزغل، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، مصطفى منيغ، كريم فارق، د- محمد رحال، عمار غيلوفي، د - عادل رضا، فتحي العابد، عراق المطيري، سليمان أحمد أبو ستة، وائل بنجدو، خالد الجاف ، رشيد السيد أحمد، د - المنجي الكعبي، فوزي مسعود ، د- جابر قميحة، محمود سلطان، عبد الرزاق قيراط ، محمد عمر غرس الله، د. ضرغام عبد الله الدباغ، سلوى المغربي، د. مصطفى يوسف اللداوي، منجي باكير، الهيثم زعفان، عزيز العرباوي، حميدة الطيلوش، سامح لطف الله، أبو سمية، محمد شمام ، حسن الطرابلسي، د - الضاوي خوالدية، ضحى عبد الرحمن، صفاء العراقي، عبد الله زيدان، فتحـي قاره بيبـان، حسن عثمان، أحمد الحباسي، د. كاظم عبد الحسين عباس ، إياد محمود حسين ، د - محمد بنيعيش، محرر "بوابتي"، ماهر عدنان قنديل، د - مصطفى فهمي، مجدى داود، صباح الموسوي ، الهادي المثلوثي، مراد قميزة، محمد الياسين، محمد أحمد عزوز، سيد السباعي، علي الكاش، يزيد بن الحسين، تونسي،
أحدث الردود
ما سأقوله ليس مداخلة، إنّما هو مجرّد ملاحظة قصيرة:
جميع لغات العالم لها وظيفة واحدة هي تأمين التواصل بين مجموعة بشريّة معيّنة، إلّا اللّغة الفر...>>


مسألة الوعي الشقي ،اي الاحساس بالالم دون خلق شروط تجاوزه ،مسالة تم الإشارة إليها منذ غرامشي وتحليل الوعي الجماعي او الماهوي ،وتم الوصول الى أن الضابط ...>>

حتى اذكر ان بوش قال سندعم قنوات عربيه لتمرير رسالتنا بدل التوجه لهم بقنوات امريكيه مفضوحه كالحره مثلا...>>

هذا الكلام وهذه المفاهيم أي الحكم الشرعي وقرار ولي الأمر والمفتي، كله كلام سائب لا معنى له لأن إطاره المؤسس غير موجود
يجب إثبات أننا بتونس دول...>>


مقال ممتاز...>>

تاكيدا لمحتوى المقال الذي حذر من عمليات اسقاط مخابراتي، فقد اكد عبدالكريم العبيدي المسؤول الامني السابق اليوم في لقاء تلفزي مع قناة الزيتونة انه وقع ا...>>

بسم الله الرحمن الرحيم
كلنا من ادم وادم من تراب
عندما نزل نوح عليه السلام منالسفينه كان معه ثمانون شخصا سكنو قريه اسمها اليوم هشتا بالك...>>


استعملت العفو والتسامح في سياق انهما فعلان، والحال كما هو واضح انهما مصدران، والمقصود هو المتضمن اي الفعلين: عفا وتسامح...>>

بغرض التصدي للانقلاب، لنبحث في اتجاه اخر غير اتجاه المنقلب، ولنبدا بمسلمة وهي ان من تخلى عن مجد لم يستطع المحافظة عليه كالرجال، ليس له الحق ان يعامل ك...>>

مقال ممتاز...>>

برجاء السماح بإمكانية تحميل الكتب والمراجع...>>

جل الزعماء العرب صعدوا ،بطرق مختلفة ،تصب لصالح المخطط الانتربلوجي العسكري التوسعي الاستعماري،ساهموا في تبسيط هدم حضارة جيرانهم العربية او الاسلامية عم...>>

مقال ممتاز
لكن الاصح ان الوجود الفرنسي بتونس لم يكن استعمارا وانما احتلال، فرنسا هي التي روجت ان وجودها ببلداننا كان بهدف الاعمار والاخراج من ح...>>


الاولى : قبل تحديد مشكلة البحث، وذلك لتحديد مسار البحث المستقل عن البحوث الاخرى قبل البدء فيه .
الثانية : بعد تحديد مشكلة البحث وذلك لمعرفة الا...>>


بارك الله فيكم...>>

جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة