د - أحمد إبراهيم خضر
من كتـــــّاب موقع بوّابــتي المشاهدات: 11575
يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط
سم الله الرحمن الرحيم، والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا محمد وعلى آله وصحْبه وسلم.
هذا هو إصدارنا السادس من سلسلة "مختارات من كتب التراث الإسلامي"، استَخرَجنا مادَّة هذا الموضوع بتصرُّف من كتاب: "الجواب الكافي لِمَن سأل عن الدواء الشافي"؛ للإمام أبي عبدالله محمد بن أبي بكر، الشهير بابن قيِّم الجوزيَّة، الذي طبعَتْه دار الندوة الجديدة ببيروت عام 1407هـ - 1987م
اخترنا هذا الموضوع بالذات؛ لسببين مهمَّين:
الأول: انتشار هذا الداء الخطير حولَ العالم، وما نجم عنه من أمراضٍ لم يَنجَحِ الطبُّ ولا غير الطبِّ في أنْ يجدَ لها عِلاجًا حاسمًا حتى الآن.
الثاني: توجيهُ الانتباه إلى أنَّ علماء الإسلام الأجلاَّء قد تعرَّضوا له وبحثوه؛ ومن ثَمَّ يمهِّد هذا الإصدار الطريق لِمَن يريد مزيدًا من معالجته في ضوء تراثنا الإسلامي المرتبط بعقيدتنا الإسلاميَّة، وليس في ضوء المعالَجات الغربية، التي وصَل الأمر فيها إلى حَدِّ إقرار البرلمانات هناك بزواج الرجل من الرجل، ثم تكثيف البحوث الطبيَّة نحو إيجاد الوسائل التي يمكن بها إشْباع هذه اللذَّة المحرَّمة مع الحيلولة دون الإصابة بالأمراض الناتجة عنها.
نسأَلُه - تعالى - أنْ يقبلَ منَّا هذا العمل، وأن يجعَلَه في مِيزاننا يوم العرْض عليه.
أولاً: في اللواط وعقوبته:
ليس في المعاصي مفسدةٌ أعظم من مفسدة اللواط، وهى تَلِي مفسدةَ الكفر، وربما كانت أعظمَ من مفسدة القتل؛ ولهذا كانت عقوبة اللواط من أعظم العُقوبات في الدُّنيا والآخِرة.
ذهَب أبو بكرٍ الصدِّيق، وعلي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد، وعبدالله بن الزبير، وعبدالله بن عباس، وجابر بن زيد، وغيرهم من جمهور الأئمَّة، والإمام أحمد في أصحِّ الروايتين عنه، والشافعي في أحد قولَيْه - إلى أنَّ عقوبته أغلَظُ من عُقوبة الزنا، وهي عُقوبة القتل، مُحصَنًا كان أو غير مُحصَن.
لم يبتلِ اللهُ - سبحانه وتعالى - بهذه الكبيرة قبلَ قوم لوطٍ أحدًا من العالَمين، وعاقبَهُم عُقوبةً لم يُعاقِبْ بها أحدًا غيرهم، وجمَع عليهم من أنْواع العقوبات بين الهلاك، وقلب دِيارهم عليهم، والخسف بهم، ورجمهم بالحجارة من السَّماء، فنكل بهم نَكالاً لم ينكله أمَّةً سواهم؛ وذلك لعِظَمِ مَفسَدة هذه الجريمة التي تَكاد تميدُ الأرض من جَوانِبها إذا حدَثتْ عليها، وتهرب الملائكة إلى أقْطار السموات والأرض إذا شاهَدُوها؛ خشيةَ نزول العذاب على أهْلها فيُصِيبهم معهم، وترفع الأرض صوتَها بالشَّكوى إلى ربِّها - تبارك وتعالى - وتَكاد الجِبال تزولُ عن أماكنها بسببها.
قتْلُ المفعول به خيرٌ له من الفِعل فيه:
فإنَّه إذا فُعِل فيه قُتِلَ قتلاً لا تُرجَى الحياة معه، بخِلاف قتله، فإنَّه قد يكون مظلومًا أو شهيدًا، والدليل على هذا أنَّ الله - سبحانه - جعَل حدَّ القاتل بيد الولي، إنْ شاء قتَل وإنْ شاء عفَا، بينما حتَّم قتل اللوطي حدًّا كما أجمع عليه أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودلَّت عليه سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة الصريحة التي لا مُعارِض لها، بل عمل عليها أصحابُه وخُلَفاؤه الراشدون - رضي الله عنهم أجمعين.
حرق اللوطي:
قد ثَبَتَ عن خالد بن الوليد - رضِي الله عنه - "أنَّه وجد في بعض نواحي العرب رجلاً يُنكَح كما تُنكَح المرأة، فكتب إلى أبي بكرٍ الصدِّيق - رضِي الله عنه - فاستَشار أبو بكرٍ الصدِّيق الصحابة - رضِي الله عنهم - فكان عليُّ بن أبي طالب أشدهم قولاً فيه فقال: ما فعل هذا إلا أمَّة من الأمم واحدة، وقد علمتم ما فعل الله بها، أرى أنْ يحرق بالنار، فكتب أبو بكرٍ إلى خالد فحرقه".
إلقاء اللوطي من أعلى بناءٍ ثم رميه بالحجارة:
قال عبدالله بن عباس: "ينظر أعلى بناء في القرية فيُرمَى اللوطي منها مُنكبًّا، ثم يُتبع بالحجارة"، وأخَذ عبدالله بن عباس هذا الحدَّ من عُقوبة الله لقوم لوط، وابن عباس هو الذي روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن وجَدتُموه يعمَلُ عملَ قوم لوطٍ، فاقتُلوا الفاعل والمفعول به)).
لعن الرسول - صلى الله عليه وسلم - اللوطي ثلاث مرَّات:
ثبَت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: ((لَعَنَ الله مَن عَمِلَ عملَ قوم لوط، لَعَنَ الله مَن عَمِلَ عَمَلَ قوم لوط، لَعَنَ الله مَن عَمِلَ عَمَلَ قوم لوط))، ولم يأتِ عنه - صلى الله عليه وسلم - لعنة الزاني ثلاث مرَّات في حديث واحد، وقد لعن جماعةً من أهل الكبائر فلم يَتجاوَز بهم في اللعن مرَّة واحدة، وكرَّر لعن اللوطيَّة وأكَّد ذلك ثلاث مرات، واتَّفق أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قتْله، لم يختلفْ فيه منهم رجلان؛ ولكن اختلفت أقوالهم في صِفة قتْله.
فاحشة اللواط أشدُّ من فاحشة الزنا، وهو جامعٌ لمعاني الفاحشة:
مَن تأمَّل قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ﴾ [الإسراء: 32]، وقوله في اللواط: ﴿ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأعراف: 80]، تبيَّن له أنَّ هناك تفاوتًا بينهما؛ فالله - عزَّ وجلَّ - نكَّر الفاحشة في الزنا؛ أي: هو فاحشة من الفواحش، ولكنَّه - تعالى - عرَّفها في اللواط؛ وهذا يعني: أنَّ اللواط جامعٌ لمعاني اسم الفاحشة، وأكَّد - سبحانه - فُحش اللواط بأنَّه لم يعمَلْها أحدٌ من العالَمين قبلهم فقال: ﴿ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأعراف: 80]، ثم زاد في التأكيد بأنْ صرَّح ما تشمئزُّ منه القلوب، وترفُضه الأسماع، وتنفر منه الطباع أشد نفرة، وهو أنْ يفعل الرجل في رجلٍ مثله ينكحه كما تُنكَح الأنثى، فقال: ﴿ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ ﴾ [الأعراف: 81].
الدافع للواط والفرق بينه وبين النكاح المشروع:
نبَّه - تعالى - إلى أنَّ دوافع اللوطيين ليست إلا لمجرَّد الشهوة، لا للحاجة التي يميلُ بها الذكر للأنثى من قضاء الوطر، ولذَّة الاستمتاع، وحُصول المودة والرحمة التي تَنسَى المرأة لها أبوَيْها وتذكُر زوجها، وحُصول النسل الذي حفظ هذا النوع الذي هو أشرف المخلوقات، وتحصين المرأة وقَضاء وطرها، وحُصول علاقة المصاهرة التي هي أخت النسب، وقِيام الرجال على النساء، وخروج أحب الخلق إلى الله من جماعهنَّ؛ كالأنبياء والأولياء والمؤمنين، ومُكاثَرة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بأمَّته، إلى غير ذلك من مصالح النكاح.
والمفسدة التي في اللواط تُخالِف ذلك كلَّه؛ إذ لا يمكن حصرُها، ولا يعلَمُ تفصيلَها إلا الله.
اللوطيَّة عكَسُوا فِطرةَ الله التي فطر عليها الرجال:
عكَس اللوطيَّة فطرة الله التي فطَر الله عليها الرجال، وقلبوا الطبيعة التي ركَّبها الله في الذُّكور، وهي شهوة النساء دون الذكور، فقلبوا الأمر وعكسوا الفطرة والطبيعة، فأتوا الرجال شهوةً من دون النساء؛ ولهذا قلب الله - سبحانه - عليهم دِيارهم فجعل عاليَها سافلَها، وكذلك قلوبهم، ونكسوا في العذاب على رؤوسهم.
اللوطيَّة مُسرِفون ومُفسِدون وظالمون وفاسقون:
أكَّد الله - سبحانه - قُبْحَ فِعل اللوطيَّة بأنْ حكَم عليهم بالإسراف، وهو مجاوزة الحد، فقال: ﴿ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴾ [الأعراف: 81]، ولم يأتِ مثلُ ذلك أو قريب منه في الزنا، وأكَّد - سبحانه - ذلك عليهم بقوله: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ ﴾ [الأنبياء: 74]، ثم أكَّد - سبحانه - الذمَّ عليهم بوصفين في غاية القُبح، فقال: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ ﴾ [الأنبياء: 74]، وسمَّاهم مُفسِدين في قول نبيهم: ﴿ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [العنكبوت: 30]، وسمَّاهم ظالمين في قول الملائكة لإبراهيم - عليه السلام -: ﴿ إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ ﴾ [العنكبوت: 31]، ولَمَّا جادَل فيهم خليلُه إبراهيمُ الملائكةَ وقد أخبَرُوه بإهلاكهم، قيل له: ﴿ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴾ [هود: 76].
خبث اللوطية وتمرُّدهم على الله:
جاء اللوطيَّة نبيَّهم لوطًا لَمَّا سمعوا بأنَّه قد طرَقَه ضيوفٌ من أحسن البشر صورًا، وأقبلوا إليه يُهَروِلون، فلمَّا رآهم قال لهم: ﴿ يَا قَوْمِ هَؤُلاَءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ [هود: 78].
ففدَى ضيوفَه ببناته يُزوِّجهم بهم؛ خوفًا على نفسه وضُيوفه من العار الشديد، فقال: ﴿ يَا قَوْمِ هَؤُلاَءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴾ [هود: 78]، فردُّوا عليه ردَّ جبَّار عنيد: ﴿ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴾ [هود: 7]، فنفث نبيُّ الله نفثةَ مصدورٍ خرجتْ من قلب مكروب، فقال: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ [هود: 80].
هلاك اللوطية كان ما بين السحر وطلوع الفجر:
كشَف رُسُلُ الله للوطٍ عن أنفسهم، وأعلَموه أنهم ممَّن لا يوصل إليهم ولا إليه بسببهم، فلا تخفْ منهم ولا تعبأ بهم، وهوِّن عليك، فقالوا: ﴿ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ﴾ [هود: 81] وبشَّروه بما جاؤوا به من الوعد له، ولقومه من الوعيد المصيب، فقالوا: ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ﴾ [هود: 81]، فاستَبطَأ نبيُّ الله - عليه السلام - موعد هَلاكهم وقال: أريدُ أعجل من هذا؟ فقالت الملائكة: ﴿ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ [هود: 81]، فما كان بين إهلاك أعداء الله ونجاة نبيِّه وأوليائه إلا ما بين السَّحَرِ وطُلوع الفجر، وإذ بدِيارهم قد اقتُلِعت من أصْلها، ورُفِعت نحو السماء، حتى سمعت الملائكة نُباح الكلاب ونهيق الحمير، وأمَر الله جبريل بأنْ يقلبها عليهم كما أخبر عن ذلك في محكم التنزيل، فقال - عزَّ مِن قائل -: ﴿ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ ﴾ [هود: 82]، فجعلهم آيةً للعالمين، وموعظة للمتَّقين، ونكالاً وسَلَفًا لِمَن شارَكهم في أعمالهم من المجرِمين، أخذَهُم الله - تعالى - على غرةٍ وهم نائمون، وجاءَهُم بأسُه وهم في سَكرتهم يعمَهُون، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، فقُلِبت تلك اللذَّات آلامًا فأصبحوا بها يُعذَّبون.
الرد على القائلين بأنَّ اللواط معصيةٌ لم يجعل الله فيها حدًّا معينًا:
إنَّ المبلِّغ عن الله - عزَّ وجلَّ - حدَّ لها القتلَ حتمًا، وما شرَعَه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما شرَعَه عن الله؛ ومن ثَمَّ القول بأنَّ حدَّها غير معلوم بالشرع باطل.
الردُّ على مَن قاسَ إتيان الذكور بإتيان الميتة أو البهيمة؛ على أساس أنَّه إتْيان في محلٍّ لا تشتَهِيه الطباع:
1- هذا قِياس فاسدٌ مردودٌ بسنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإجماعِ الصحابة كما ذكَرنا.
2- أنَّ قياس إتيان الأمرد الجميل الذي فِتْنتُه تربو على كلِّ فتنة على إتْيان امرأة ميتة أو بهيمة من أفسد القياس؛ لأنَّ حبَّ الأمرد يكون قد أسر وسلب قلب عاشِقِه، واستَولَى على فِكرِه ونفسِه، وهذا لا يتحقَّق في البهيمة.
3- أنَّ هذا مردودٌ عليه بزنا الأم والبنت والأخت؛ لأنَّ النفرة الطبيعيَّة عنه قائمة، مع أنَّ الحدَّ فيه من أغلظ الحدود، وهو القتْل، سواء كان مُحصَنًا أو غير مُحصَن.
فعن ابن عباسٍ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن وقَع على ذات محرمٍ، فاقتلوه))، ورُفِع إلى الحجاج رجلٌ اغتصب أخته على نفسها، فقال: أحبسوه وسَلُوا مَن هاهنا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألوا عبدالله بن مطرف، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((مَن تخطَّى حرم المؤمنين، فخطوا وسطه بالسيف))، وهذا دليلٌ على أنَّ مَن لا يُباح إتيانُه بحالٍ حدُّه هو القتل، وزنا الأم والابنة وذوات المحارم ومَن لا يُباح إتيانه بحالٍ، حدُّه هو القتل كاللوطي.
وللفُقَهاء في الزاني بالبهيمة ثلاثةُ أقوال:
أحدها: أنه يُؤدَّب ولا حدَّ عليه.
الثاني: حُكمُه حكم الزاني؛ يُجلَد إنْ كان بكرًا، ويُرجَم إنْ كان مُحصَنًا.
الثالث: أنَّ حكمه حكم اللوطي؛ إمَّا أنْ يُقتَل، أو يكون حدُّه كالزاني.
والذين قالوا: حدُّه القتل احتجُّوا بما رواه أبو داود من حديث ابن عباسٍ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن أتى بهيمةً فاقتُلوه واقتلوها معه))، والذي لا شَكَّ فيه أنَّ الزاجر الطبيعي عن إتْيان البهيمة أقوى من الزاجر الطبيعي عن التلوُّط، وليس القول هنا أنهما أمران متساويان في طِباع الناس؛ ومن ثَمَّ فإنَّ إلحاق أحدهما بالآخَر من أفسد القياس.
الرد على مَن قاس إتيان الذكور بسحاق النساء، والقول بأنَّ تلوُّط الإنسان بمملوكه جائز:
قياسُ إتيان الذكور بسحاق النِّساء من أفسَدِ القياس؛ لأنَّه لا إيلاجَ في السحاق، ونظيرُه مُباشَرة الرجل للرجل من غير إيلاج، على أنَّه قد جاء في بعض الآثار المرفوعة: ((إذا أتَتِ المرأةُ المرأةَ فهما زانيتان))، ولكن لا يجبُ الحدُّ بذلك؛ لعدم الإيلاج، وإنْ أُطلِق عليهما اسم الزنا العام كزنا العين والرجل والفم.
وقد أجمَعَ المسلمون على أنَّ حكم التلوُّط مع المملوك كحُكمِه مع غيره، ومَن ظَنَّ أنَّ تَلوُّط الإنسان بمملوكه جائز، واحتجَّ على ذلك بقوله - تعالى -: ﴿ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ [المؤمنون: 6]، وقاسَ ذلك على أمَتِه المملوكة، فهو كافر، يُستَتاب كما يُستَتاب المرتدُّ، فإنْ تابَ وإلا ضُرِبت عُنقُه، وتلوُّط الإنسان بمملوكه كتلوُّطه بمملوكِ غيرِه في الإثم والحُكم.
ثانيًا: دواء اللواط:
هل من دَواءٍ لهذا الداء العُضال؟
الجواب: نعم، فما أنزل الله من داءٍ إلا جعَل له دواءً، عَلِمَه مَن عَلِمَه، وجَهِلَه مَن جَهِلَه.
إنَّ هذا الداء يتعلَّق بالقلب، وعلاجه يكون من طريقين:
أحدهما: حسْم مادَّته قبل حُصوله: (بغضِّ البصر، واشتغال القلب بما يصدُّه عن الوُقوع في الفاحشة).
والثاني: قلعها بعد نزوله: (بتطبيق الحدِّ الشرعي).
وكلا الأمرين يكون يسيرًا على مَن يسَّرَه الله عليه، ويتعذر على مَن لم يُعِنه الله؛ لأنَّ الأمور كلَّها بيديه.
والطريق الذي يمنَعُ من حُصول هذا الداء يأخُذ سَبِيلين:
السبيل الأول: غض البصر؛ فإنَّ النظرة سهمٌ من سِهام الشيطان، وفي غضِّ البصر عدَّة منافع:
1- أنَّه امتثالٌ لأمر الله الذي هو غاية العبد في دُنياه وفي آخِرته، فليس للعبد في دُنياه وآخِرته أنفع من امتثال أوامر ربِّه - تبارك وتعالى - فالذي يسعَدُ في الدُّنيا والآخِرة هو مَن يمتَثِل أوامرَ الله، ومَن يشقى في الدُّنيا والآخرة هو الذي يُضيِّع أوامرَ الله.
2- أنَّه يمنَعُ من وُصول سهْم الشيطان المسموم الذي قد يكونُ فيه هَلاكُه إلى قلبه.
3- أنَّه يورث القلب أنسًا بالله ويجمَعُه عليه، أمَّا إطلاق البصر فإنَّه يُغرِق القلبَ ويُشتِّته ويُبعِده من الله، وليس على القلب شيءٌ أضر من إطلاق البصر، فإنَّه يُورِث الوحشة بين العبد وربِّه.
4- أنَّه يُقوِّي القلب ويفرحه، كما أنَّ إطلاق البصر يُضعِفه ويحزنه.
5- أنَّه يُلبِس القلب نورًا كما أنَّ إطلاقه يُلبِسه ظُلمة؛ ولهذا ذكَر الله - سبحانه - آية النور عقيب الأمر بغضِّ البصر؛ قال - تعالى -: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ [النور: 30].
ثم قال إثْر ذلك: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ [النور: 35]؛ أي: مثَل نوره في قلْب عبده المؤمن الذي امتَثَل أوامرَه واجتنب نواهيَه، وإذا استنارَ القلب أقبلَتْ وُفودُ الخيرات إليه من كلِّ ناحية، كما أنَّه إذا أظلَمَ أقبلتْ سحائب البلاء والشر عليه من كلِّ مكان؛ من بدع وضلالة، واتِّباع هَوًى، واجتناب هُدًى، وإعراضٍ عن أسباب السعادة، واشتغالٍ بأسباب الشقاوة، فإنَّ ذلك إنما يكشفه له النورُ الذي في القلب، فإذا نفد ذلك النور بقي كالأعمى الذي يمشي صاحبُه في الظلام.
6- أنَّه يورث فِراسةً صادقة يميز بها بين الحق والباطل، والصادق والكاذب، ويقول أهل العلم في ذلك: مَن عمَّر ظاهره باتِّباع السنَّة، وباطنَه بدوام المراقبة، وغضَّ بصَرَه عن المحارم، وكفَّ نفسَه عن الشهوات، والتَزَم الحلالَ - لم تُخطِئْ له فراسة.
والله - سبحانه - يَجزِي العبدَ على عمله بما هو من جنس عمله، ومَن ترَك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، فإذا غضَّ بصره عن محارم الله، عوَّضه الله بأنْ يُطلِق نور بصيرته عوضًا عن حبْس بصرِه لله، ويفتَح عليه باب العلم والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة التي تنالُ ببصيرة القلب، وهذا عكس ما وصَف الله به اللوطيين من العَمَهِ الذي هو ضدُّ البصيرة؛ فقال - تعالى -: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [الحجر: 72]، فوصَفَهُم بالسكرة التي هي فَساد العقل، والعَمَهِ الذي هو فَساد البصيرة.
7- أنَّه يُورِث القلب ثَباتًا وشجاعةً وقوةً، فيجمع الله له بين سُلطان النصرة والحجَّة، وسلطان القدرة والقوَّة، كما في الأثَر: "الذي يُخالِف هَواه يَفرَق (يخاف) الشيطان من ظلِّه"، وعكس هذا تجدُ في المتَّبِع لهواه؛ من ذلِّ النفس ووضاعتها، ومَهانتها وخسَّتها وحَقارتها ما جعَلَه الله - سبحانه - فيمَن عَصاه، وقد جعَل الله - سبحانه - العزَّ قرين طاعته، والذلَّ قرين معصيته؛ فقال - تعالى -: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [المنافقون: 8]، وقال - تعالى -: ﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 139].
والإيمان قول وعمل، ظاهر وباطن، قال - تعالى -: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر: 10]؛ أي: مَن كان يريد العزَّة، فليطلبها بطاعة الله وذِكره من الكلم الطيب والعمل الصالح، وفي دعاء القنوت ((إنَّه لا يذلُّ مَن والَيْتَ، ولا يعزُّ مَن عادَيْتَ))، ومَن أطاعَ الله فقد والاه فيما أطاعه فيه، وله من العزِّ بحسب طاعته، ومَن عَصاه فقد عاداه فيما عَصاه فيه، وله من الذلِّ بحسب معصيته.
8- أنَّه يسدُّ على الشيطان مدخَلَه إلى القلب، فإنَّه يدخُل مع النظرة وينفذ معها إلى القلب أسرع من نُفُوذ الهواء في المكان الخالي، فيمثل له صورة المنظور إليه، ويزيِّنها ويجعلها صنمًا يعكف عليه القلب، ثم يَعِدُه ويُمنِّيه ويُوقِد على القلب نار الشهوة، ويُلقِي عليه حطَب المعاصي التي لم يكنْ يتوصَّل إليها بدون تلك الصورة؛ فيصير القلب في اللهب، فمن ذلك اللهب تلك الأنفاس التي يجدُ فيها وهج النار، وتلك الزفرات والحرقات، فإنَّ القلب قد أحاطَتْ به النِّيران من كلِّ جانب، فهو في وسطها كالشاة في وسط التنُّور؛ ولهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات للصور المحرَّمة أنْ جَعَلَ الله لهم في البرزخ تنُّورًا من نارٍ أُودِعت أرواحهم فيه إلى يوم حشر أجْسادهم، كما أراها الله - تعالى - لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - في المنام في الحديث المتَّفق على صحَّته.
9- أنَّه يُفرِّغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتِغال بها، وإطلاق البصر يُنسِيه ذلك ويَحُول بينه وبينها، فينفَرِط عليه أمرُه، ويقَع في اتِّباع هَواه وفي الغَفلة عن ذِكر ربه، قال - تعالى -: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28]، وإطلاق النظر يُوجِب هذه الأمور الثلاثة بحسبه.
10- أنَّ بين العين والقلب منفذًا وطريقًا يُوجِب انتقال أحدهما عن الآخَر، يصلح لصلاحه، ويفسد بفَساده، فإذا فسد القلبُ فسَد النظر، وإذا فسَد النظر فسَد القلب، وكذلك في جانب الصلاح، فإذا خربت العين وفسدت، خرب القلب وفسد، وصار كالمزبلة التي هي محلُّ النجاسات والقاذورات والأوساخ، فلا يَصلُح لسكنى معرفة الله ومحبَّته والإنابة إليه والأنس به والسرور بقُربه فيه، وإنما يسكن فيه أضدادُ ذلك.
السبيل الثاني: اشتغال القلب بما يصدُّه عن الوقوع في الفاحشة، ويحولُ بينه وبين الوقوع فيها:
النفس لا تترك محبوبًا إلا لمحبوبٍ أعلى منه، أو تخشى مكروهًا لو حدث لها سيكون أضرَّ عليها من فَوات هذا المحبوب، والمقصود هنا أنْ يكون القلب محبًّا لله - تعالى - إذ لا يمكن أنْ يجتمع للقلب حبُّ المحبوب الأعلى وحبُّ ما دونه، بل هما ضدَّان لا يَتلاقيان، بل لا بُدَّ أن يُخرِج أحدُهما الآخَر، فمَن كانت قوَّة حبِّه كلها للمحبوب الأعلى الذي محبَّةُ ما سواه باطلةٌ وعذابٌ على صاحبها، صرَفَه ذلك عن محبَّة ما سواه، والمحبَّة الصادقة تقتَضِي توحيد المحبوب وألاَّ يشرك بينه وبين غيره في محبَّته، ومن أعرض عن محبَّة الله وذكره والشوق إليه، ابتلاه بمحبَّة غيره، فيُعذِّبه بها في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخِرة، فإمَّا أنْ يعذِّبه بمحبَّة الأوثان، أو بمحبَّة الصلبان، أو المردان، أو بمحبَّة النساء، أو محبَّة العشراء والإخوان، أو محبَّة ما دُون ذلك ممَّا هو في غاية الحقارة والهوان، فالإنسان عبدُ محبوبِه كائنًا مَن كان، كما قيل:
أَنْتَ القَتِيلُ بِكُلِّ مَنْ أَحْبَبْتَهُ *** فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ فِي الهَوَى مَنْ تَصْطَفِي
أنَّ هذا الداء يتعلَّق بالقلب وليس بداءٍ عضوي، ودواؤه إنما يكونُ بعلاج القلب وإصلاحه وإصلاح إرادته؛ حتى يعودَ إلى فطرته التي فُطِر عليها، فتصلح أفعاله كما يصلح البدن بصحَّته وصلاحه ويعود إلى حاله الطبيعي.
ومع الإقرار بفاعليَّة سُبُلِ الوقاية من هذا الداء؛ كالحثِّ على الزواج، ومقاومة ما من شأنه أنْ يُثِير الغرائز المحرَّمة، والاهتمام بالأطفال وتربيتهم على الأخلاق الفاضلة، ومُراقَبة تحرُّكاتهم مُراقَبةً تامَّة، ومعرفة مَن يُصاحِبون ومَن يُخالِطون، وتنبيههم بكافَّة الطرق والوسائل التي تَقِيهم من الوقوع في حَبائِل اللوطيين ولو بالطريق المباشر، وغير ذلك، فإنَّ علماء المسلمين ركَّزوا على الطريقين اللذين ذكَرناهما، وهما: حسْم مادَّته قبل حُصوله (بغضِّ البصر، واشتغال القلب بما يصدُّه عن الوقوع في الفاحشة)، وقلع مادَّته بعد نزوله (بتطبيق الحد الشرعي على مُمارِسيه)، ولعلَّ هذا الجانب هو أقوى جوانب عِلاج هذا الداء، والغَفلة عنه هي السبب في تفشِّيه وانتشاره، ولا اعتبارَ عندنا لما يسمُّونه في الغرب بِمُراعاة الجوانب النفسيَّة والاجتماعيَّة للوطيين، إنَّ مراعاة هذه الجوانب أوصلَتْهم إلى تكوين أندية خاصَّة بهم وبالسحاقيَّات؛ فقويت شوكتهم وأصبحوا قوَّة يعمَلُ المرشَّحين للرِّئاسة حسابها، أو ورقة يلعبون بها في الانتخابات.
وصلَّى الله وسلَّم على سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
______________________________________
الناشر : طائر العلم للنشر والتوزيع :جدة.المملكة العربية السعودية : أودع فى مكتبة الملك فهد الوطنية ردمك (4-14-801-9960)
د - أحمد إبراهيم خضر
دكتوراة في علم الاجتماع العسكري
الأستاذ المشارك بجامعات القاهرة، والأزهر، وأم درمان الإسلامية، والملك عبد العزيز سابقا.
اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة: