البدايةالدليل الاقتصادي للشركات  |  دليل مواقع الويبالاتصال بنا
 
 
 
المقالات الاكثر قراءة
 
تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

تونس: لا ديمقراطية في وجود فرنسا ونخبها

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   
 المشاهدات: 74



حلاوة الحديث الفرنسي التي تملأ الكتب وتفيض من الأكاديميات عن الديمقراطية ما زالت تخدع الكثيرين، فقد خدعت أجيالًا كثيرةً منذ قرنين وكأن ضحايا هذه الخديعة لا يتعلمون من نكباتهم، لن نستعيد فظائع الاحتلال الفرنسي لكن سنمر إلى القرن الواحد والعشرين حين تدخلت فرنسا بكل ما أتيح لها من وسائل في تجارب بناء الديمقراطية في شمال إفريقيا وخربتها وأعادت إلى الحكم النخب التي ربتها على هواها في الجامعات الفرنسية، ورغم بشاعة ما ارتكبته فإنها لا تزال تروج لخطاب ديمقراطي وتزعم مساعدة الديمقراطيين على بناء تجاربهم.

فرنسا بلد معتدٍ
كان ذلك واضحًا من تحريض عسكر الجزائر على إلغاء نتائج انتخابات عام 1989 وفرض حكومات بشخصيات فرانكفونية تولت محق الإسلاميين وردم التجربة التعددية، وفي أثناء ثورة الربيع العربي وقفت فرنسا مع نظام بن علي في تونس حتى الساعات الأخيرة وعرضت الدعم بالمال والسلاح، وبعد أن ركب الطائرة هاربًا من شعبه رفضت فرنسا استقبال طائرته وطردته من سمائها، ثم وجدناها ترسل حكومةً جاهزةً من شخصيات ربتها في مؤسساتها وجامعتها لتحل محل حكومة بن علي.

في مصر كانت من أول الدول التي أعلنت ترحيبها بالانقلاب ودعمته سياسيًا في أوروبا وأسكتت الأصوات المنافقة التي تعيش من خطاب التنديد بالعسكر، ولا تزال تخرب في ليبيا، فقد دخلت على مسار الثورة الليبية منذ انطلاقها وحاولت تجييرها لمصلحتها وكانت نيتها في إخفاء علاقتها مع القذافي هي ما وجه تدخلها العسكري على الميدان، ولاحقًا كانت تقف علنًا مع حكومات طرابلس التي تحركت تحت شرعية الأمم المتحدة، فيما خبراؤها العسكريون ينظمون صفوف عسكر حفتر، وقد قبض على بعضهم هاربًا عبر التراب التونسي بعد سقوط قاعدة الوطية في يد حكومة طرابلس، ولا تزال تخرب الوضع الليبي حتى تحصل شركاتها قسط الأسد من نفط ليبيا.

في عمليات ترتيب الوضع السياسي الجارية الآن في المتوسط وفي ظل تعاظم الدور التركي وتأثير تنسيق الموقف السياسي بين الولايات المتحدة والأتراك خاصة في ترتيبات وضع تونس وليبيا، نزلت فرنسا بنصف حكومتها في الجزائر لتقطع الطريق على أي ترتيبات لا تضمن لها وجودها في الجزائر ولا تضمن حقها في ممرات الطاقة والمعادن من إفريقيا.

وما يثير الاستغراب في كل هذا ليس ما ترغب فيه فرنسا، بل في سرعة استجابة حكومات بلدان شمال إفريقيا لرغباتها، وهنا ينكشف عمق الاختراق الفرنسي للنخب بكل تصنيفاتها، لقد احتلت فرنسا النخب منذ مرحلة الاحتلال العسكري وهي لا تزال تحكم مستعمراتها القديمة دون أي كلفة، فالنخب المتفرنسة تتكفل بإلحاق دولها وشعوبها بفرنسا، وهذا شكل جديد من الاحتلال لم يصنع مثله أي بلد أوروبي مارس الاحتلال خارج حدوده.

احتلال العقول اختصاص فرنسي
كل الاحتلالات نسيت تقريبًا وإن كانت تركت لغتها في مستعمراتها (مثل المستعمرات الإنجليزية في آسيا)، لكن فرنسا تركت أكثر من اللغة، لقد ربت نخبًا تخدمها بعقولها وإراداتها ومواقعها وهي تحظى بدعمها منذ إعلان الاستقلالات الشكلية في الخمسينيات، وقد اشتغلت طويلًا حتى قبل خروجها العسكري على برامج التعليم وبرامج الثقافة لزرع نموذج فرنسي في كل عقل يقترب منها بلغتها، فهي توفر منح الدراسات الجامعية في الاختصاصات التي تريد وهي مانحة الدعم المالي للمنتجات الثقافية وتعتبر نخبة السينما التونسية نموذجًا مثاليًا لدراسة عمليات صناعة النخب التابعة المخلصة لمن مولها.

إن فرنسا هي من يضع النخب المتفرنسة في مواقعها، لذلك لا غرابة في أن تكون وزارات التعليم والثقافة دومًا تحت إشرافها (من المدارس الابتدائية إلى الجامعات) وكل من استوزر فيها لم يتوان في خدمة اللغة والثقافة الفرنسية، لذلك فهي تفشل في ليبيا فتستخدم قوتها العسكرية المباشرة، فالليبيون لم يدخل ثقافتهم لفظ فرنسي لذلك ظلت عقولهم مستقلة عن هذا النموذج.

بهذه النخب تحكم فرنسا مستعمراتها القديمة ومنها تونس والجزائر وبلدان إفريقية كثيرة دخلت الآن مرحلة التمرد على فرنسا بعد اكتشافها مقدار الخراب الذي جرته التبعية لفرنسا، لقد دخلت إفريقيا مرحلة حساب الزمن المتبقي لفرنسا على ترابها ولا نراه يطول.

ماذا عن الديمقراطية في تونس؟
لن تبنى تجربة ديمقراطية في تونس في وجود فرنسا ونخبها، فقد كان من حسن ظن ثوار 17 ديسمبر/كانون الأول أن تقدموا ضد بن علي دون أن يعرفوا حقيقة النظام الذي ورثه عن بورقيبة والآن وبعد 12 سنة من العذاب في طريق الديمقراطية تتضح الصورة، لقد خربت فرنسا التجربة وإذا كانت هناك نية أو عزيمة لإعادة إطلاق عملية بناء ديمقراطي فيجب أن تتجه ضد فرنسا ونفوذها عبر ضرب نخبها في مواقع القرار التي يحتلونها بأمر منها أحيانًا أو بدعم مباشر وغير مباشر أحيانًا أخرى.

سيكون هذا قانون سوسيولوجي: السير في طرق الديمقراطية في مستعمرات فرنسا يبدأ أولًا بالتحرر النهائي من الثقافة الفرنسية والنخب التابعة لهذه الثقافة قبل التحرر من العسكر، قبل التحرر الاقتصادي وجب التحرر الثقافي بعملية تصفية جذرية بوسائل الثورات للنخب التي زرعتها فرنسا في شرايين مستعمراتها القديمة، وهي للصدف الغريبة كلها نخب حداثية ويسارية لا تفهم من اليسار إلا خدمة رأس المال الفرنسي في بلدنها.

هذا ما لم يحدث وما كان له أن يحدث زمن إعلان السعادة بخروج الجيوش من المستعمرات، لقد قامت النخب المتفرنسة بما لم تقم به الجيوش، لقد وضعت بلدانها تحت النير الفرنسي راضية وسعيدة.

سبب فشل الثورة التونسية في إرساء نموذج ديمقراطي حتى الآن ليس فقر البلد، بل تدخل فرنسا ونخبتها التي فرضت على الثورة كل المعارك الخاطئة ومكنت للنقابة بجائزة نوبل فكسرت مسار الخلاص الاقتصادي بمطلبية تعجز دونها أقوى الموازنات، والوضع الكارثي الذي يعيشه البلد بعد الانقلاب هو صناعة فرنسية بامتياز.

كم كان لفرنسا من نفوذ وتأثير في انقلاب قيس سعيد؟ ليس لدي تفاصيل استخبارتية لكن الانقلاب باق حتى اللحظة بسند فرنسي وقد يجد منافذ للبقاء بتدخلات فرنسية في الجوار الدولي لحمايته من فشله الداخلي.

نختصر ونختم: من يرغب في بناء تجربة ديمقراطية سليمة وقادرة على البقاء والنجاح والتطور، فليحارب فرنسا ونخبها أولًا ثم يفكر في بناء الديمقراطية، فبلد مر برأسه يد النخاس الفرنسي هو بلد محتل دومًا، ولا يمكن بناء أي تجارب ديمقراطية تحت الاحتلال.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، إنقلاب قيس سعيد، فرنسا، منظومة فرنسا،

 





تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 4-11-2022   المصدر: نون بوست

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
الهيثم زعفان، رافع القارصي، رافد العزاوي، د.محمد فتحي عبد العال، د. طارق عبد الحليم، د. عادل محمد عايش الأسطل، إسراء أبو رمان، فتحـي قاره بيبـان، عمار غيلوفي، د. أحمد بشير، د - المنجي الكعبي، عراق المطيري، رحاب اسعد بيوض التميمي، د. خالد الطراولي ، فتحي الزغل، سامح لطف الله، مصطفى منيغ، د - مصطفى فهمي، محمود سلطان، د. ضرغام عبد الله الدباغ، د - عادل رضا، علي عبد العال، صلاح الحريري، د- محمود علي عريقات، محمد الطرابلسي، أ.د. مصطفى رجب، حميدة الطيلوش، كريم السليتي، سامر أبو رمان ، مراد قميزة، د- هاني ابوالفتوح، رمضان حينوني، طلال قسومي، رضا الدبّابي، ياسين أحمد، الناصر الرقيق، د. عبد الآله المالكي، د. أحمد محمد سليمان، حاتم الصولي، فتحي العابد، مجدى داود، عبد الرزاق قيراط ، عبد الله الفقير، صباح الموسوي ، عمر غازي، خبَّاب بن مروان الحمد، عبد الله زيدان، حسن عثمان، الهادي المثلوثي، محمد العيادي، د - صالح المازقي، حسني إبراهيم عبد العظيم، أحمد ملحم، سفيان عبد الكافي، محمد شمام ، أحمد النعيمي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، ضحى عبد الرحمن، د. مصطفى يوسف اللداوي، محمد أحمد عزوز، يزيد بن الحسين، تونسي، محرر "بوابتي"، صالح النعامي ، نادية سعد، فهمي شراب، د - الضاوي خوالدية، كريم فارق، سليمان أحمد أبو ستة، د - محمد بن موسى الشريف ، محمد عمر غرس الله، د - شاكر الحوكي ، المولدي الفرجاني، إياد محمود حسين ، أحمد بن عبد المحسن العساف ، إيمى الأشقر، سيد السباعي، صفاء العراقي، خالد الجاف ، فوزي مسعود ، جاسم الرصيف، العادل السمعلي، عواطف منصور، محمد الياسين، صفاء العربي، منجي باكير، أحمد الحباسي، علي الكاش، د. صلاح عودة الله ، أنس الشابي، مصطفي زهران، ماهر عدنان قنديل، محمد اسعد بيوض التميمي، سعود السبعاني، أبو سمية، وائل بنجدو، يحيي البوليني، رشيد السيد أحمد، سلوى المغربي، أحمد بوادي، صلاح المختار، محمد يحي، أشرف إبراهيم حجاج، حسن الطرابلسي، عبد الغني مزوز، محمود فاروق سيد شعبان، محمود طرشوبي، د - محمد بنيعيش، د- محمد رحال، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، سلام الشماع، د- جابر قميحة، عزيز العرباوي، د. كاظم عبد الحسين عباس ،
أحدث الردود
مقال ممتاز...>>

لغويا يجب استعمال لفظ اوثان لتوصيف مانحن بصدده لان الوثن ماعبد من غير المادة، لكني استعمل اصنام عوضها لانها اقرب للاذهان، وهذا في كل مقالاتي التي تتنا...>>

تاكيدا لمحتوى المقال الذي حذر من عمليات اسقاط مخابراتي، فقد اكد عبدالكريم العبيدي المسؤول الامني السابق اليوم في لقاء تلفزي مع قناة الزيتونة انه وقع ا...>>

بسم الله الرحمن الرحيم
كلنا من ادم وادم من تراب
عندما نزل نوح عليه السلام منالسفينه كان معه ثمانون شخصا سكنو قريه اسمها اليوم هشتا بالك...>>


استعملت العفو والتسامح في سياق انهما فعلان، والحال كما هو واضح انهما مصدران، والمقصود هو المتضمن اي الفعلين: عفا وتسامح...>>

بغرض التصدي للانقلاب، لنبحث في اتجاه اخر غير اتجاه المنقلب، ولنبدا بمسلمة وهي ان من تخلى عن مجد لم يستطع المحافظة عليه كالرجال، ليس له الحق ان يعامل ك...>>

مقال ممتاز...>>

برجاء السماح بإمكانية تحميل الكتب والمراجع...>>

جل الزعماء العرب صعدوا ،بطرق مختلفة ،تصب لصالح المخطط الانتربلوجي العسكري التوسعي الاستعماري،ساهموا في تبسيط هدم حضارة جيرانهم العربية او الاسلامية عم...>>

مقال ممتاز
لكن الاصح ان الوجود الفرنسي بتونس لم يكن استعمارا وانما احتلال، فرنسا هي التي روجت ان وجودها ببلداننا كان بهدف الاعمار والاخراج من ح...>>


الاولى : قبل تحديد مشكلة البحث، وذلك لتحديد مسار البحث المستقل عن البحوث الاخرى قبل البدء فيه .
الثانية : بعد تحديد مشكلة البحث وذلك لمعرفة الا...>>


بارك الله فيكم...>>

جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة