البدايةالدليل الاقتصادي للشركات  |  دليل مواقع الويبالاتصال بنا
 
 
 
المقالات الاكثر قراءة
 
تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات
   عام حطّة

المدرسة التونسية تستصرخ الإصلاح

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   
 المشاهدات: 204



ظهرت نتائج الدورة الأولى من امتحانات الثانوية العامة (البكالوريا) في تونس، وكانت النتائج في مجملها طيبة إذ قاربت الـ50%، وستكون في دائرة الـ60% بعد دورة التدارك. نتائج متقاربة مع معدلات السنوات الفارطة أي أنها بلا مفاجآت من حيث الكم. توزعت الأفراح والأحزان بين أسر كثيرة وسيدخل الناجحون معركة التوجيه الجامعي لاختيار المرغوب من بين الممكنات وهذه معركة قاسية تجعل التوريث الاجتماعي للمهن قانونًا أقوى من كل قوانين الفيزياء.

والتوريث الاجتماعي يتضح أكثر عندما ننظر في توزيع نسب النجاح بين المناطق حيث وكالعادة أو بلا مفاجآت كانت النتائج المرتفعة في الولايات الساحلية من الجنوب إلى الشمال، بينما انخفضت إلى حد التردي في ولايات الشمال صعودًا من توزر إلى جندوبة (وهي الخط الملاصق لحدود الجزائر). سننظر فيما نراه أسباب هذه الفوارق التي هي نتيجة فوارق وستكرس فوارق أخرى تجعل من تونس مقسومة بين مورثي الغنى والنجاح ومورثي الفقر.

الثانوية العامة تذكر بالشرخ الاجتماعي الجهوي
تونس مقسومة طوليًا بين جهتين: الخط الساحلي متطور نسبيًا ويوفر فرص عمل وحياة ودراسة للأغلبية من السكان وهو منطقة جاذبة للسكان بما يؤدي دومًا إلى اشتداد الانخرام الديموغرافي، يقابله الخط الشمالي (من الساحل إلى الصحراء) ويعتبر المنطقة الأغنى طبيعيًا ومنجميًا، لكنه منطقة خالية من الفرص وطاردة للسكان.

هذه الفوارق موروثة منذ زمن قديم وقد كرستها دولة الاستقلال من خلال نمط تنمية غير متوازن، وعمقته انحرافات سياسية بعضها جهوي عصبي ما قبل الدولة الحديثة، وقد كان كل سياسي مر بتونس يعرف هذه الحقيقة الموضوعية ويعد بعلاج الفوارق وترميم البنيان، لكن الجميع فشل في ذلك. لقد صارت الثانوية العامة موعدًا سنويًا للتذكير بأن تونس مقسومة طوليًا. يتذكر الجميع الفوارق بالمناسبة والبعض يتأسف له لكن لم يجر علاج الأمر بعد.

لقد تفطنت الثورة إلى عمق الفوارق وفرض دستور 2014 مبدأ الميز الإيجابي بتعديل الإنفاق العام بين المناطق، لكن ماكينة الأمر الواقع غلبت طموحات الثورة فصار دستور 2014 ومبادؤه التعديلية أمنية مستحيلة.

يلح البعض على أن ساكنة الشمال كسالى ويحتقرون العمل وبالتالي فإن الفقر لم يظلمهم، وهذا تبرير عنصري تعميمي وكسول ولا يقوم عليه دليل موضوعي، فالشمال غني بثرواته لكن نمط التنمية غير المتوازن فرض الفارق وكرسه وهو يضاعفه باستمرار، إذ يتحول الساحل إلى قاطرة، بينما يتحول الشمال إلى مقطورات ويسود الآن بين ساكنة الشمال أن النزوح إلى الشريط الساحلي بشكل فردي كفيل بتخفيف الإقصاء الاجتماعي، فالألقاب العائلية للناجحين في منطقة الساحل تكشف أن النازحين تتحسن فرصهم بالنزوح.

التوريث الاجتماعي يعمق الإقصاء
قانون التوريث الاجتماعي كما حلله لنا بيار بورديو في عمله الأشهر “الورثة” يشتغل في تونس بكفاءة (نختصره في جملة ابن الطبيب يكون طبيبًا وابن عامل البناء يرث مهنة والده). يشتغل القانون بصرامة، فقد صار هناك توريث مهن في تونس، فالمداخيل المحترمة لطبيب أو صيدلي تسمح له بدعم دراسة وريثه بالدرس الخاص حيث يتوافر أيضًا كادر تعليمي أفضل ممن يقبل العمل في مناطق الشمال.

وإذ يتوافر المدرس الجيد وتتوافر التمويلات الخاصة، فإن فرصة التعليم تتحسن فتكون النتيجة جيدة وتنتهي بمزيد من التوريث، وعلى سبيل المثال فإن مهنة الصيدلة (وهي مبينة على تكوين علمي متين) تنتقل في غالب الحالات من الآباء إلى الأبناء والقلة من غيرهم ممن يتخرج بشهادة دكتوراه في الصيدلة لا يمكنها فتح صيدلية في خريطة تقاسمها الصيادلة الكبار أي المورثون. ويجري الأمر نفسه على الطب والطب المتخصص وطب العيون وصانعي النظارات فقد صارت مهنًا تورث، ولا نتوافر على رقم للدعم لكن أسماء الأطباء والصيادلة تكفي لمن يرغب في التدقيق.

إن نجاح شاب أو شابة من الشمال بمعدل يؤهله لتعليم الطب أمر نادر أقرب إلى المعجزة وعليه أن يبذل جهدًا مضاعفًا ليفوز بفرصة مع طالب ولد بجوار كلية الطب وتعد له أمه عشاءه ويقرأ من مكتبة والديه مراجع الطب المكلفة.

القانون التونسي عادل على الورق وليس هناك تنصيص على أي مزية لجهة على أخرى، لكن خريطة توزيع الكليات والجامعات المتخصصة منذ الاستقلال تكشف ميزًا قاسيًا تحول مع الوقت إلى سبب للمزيد من الإقصاء والفصل بين المناطق، والمتخرج من الكليات (السامية) يرفض لاحقًا العمل (الخاص أو العام) بالجهات المفقرة وعلى مريض هذه الجهات أن يسافر إلى الطبيب لا العكس.

يفاقم هذا الأمر ثقافة عنصرية تفشت بين الجهات والقطاعات تنتج الوصم الاجتماعي التحقيري بما يوسع الشرخ بين بلدين في خريطة واحدة (مناطق لإنتاج الأطباء وأخرى لإنتاج الخادمات أو في أفضل الحالات سكرتيرات الأطباء)، وتعجز المدرسة عن علاجه.

المدرسة التونسية تستصرخ الإصلاح
ما نتائج الثانوية العامة إلا مؤشرًا من ضمن مؤشرات كثيرة تنبئ عن وصول المدرسة التونسية لنهاية عهد النجاحات السعيدة وهي تستصرخ من يصلح التعليم برمته ضمن إصلاح اجتماعي شامل، لقد بلغ المجتمع مرحلة السعادة بتصدير نخبة الناجحين إلى الجامعات الأجنبية حيث يستكملون دراسات عليا ثم تسرقهم مجتمعات الغرب برواتب عالية فلا يعودون ويفتقر البلد في كل سنة إلى نخبته من الأطباء والمهندسين وحتى الممرضين (وهذا موضوع آخر يحتاج نصوصًا كثيرة). مصعد اجتماعي نعم لكنه يوفر نخبته لمجتمعات أخرى فيترقى الأفراد ويفقر المجتمع، فيضاف ذلك إلى انقساماته الداخلية ويؤذن أمره بزوال.

في الأثناء نتابع أخبار السياسة ونسمع خطابات المتقدمين لمنصب الرئاسة في أجواء غير ديمقراطية، لكن ما يهم في هذه اللحظة أن إصلاح المدرسة التونسية يأتي جملة عارضة في برامجهم، فكأنهم غير معنيين به.

ثمة عناصر فخر كثيرة في تاريخ المدرسة التونسية، لكن الوقوف عند هذه الجملة الراضية عن نفسها صار عائقًا في طريق إصلاح المدرسة وقد وجب النظر إلى حقيقة عارية، لقد توقفت المدرسة التونسية عن إنتاج العدالة الاجتماعية وبناء اللحمة الوطنية وهي في لحظتها سبيل لخلاص فردي وتوشك شهادتها أن تتحول إلى مجرد وثيقة للحصول على فيزا هروب، أما الواقعون من غربال الثانوية العامة فمصيرهم زوارق الموت إلى شمال المتوسط.

فاتني أن أذكر أن إصلاح التعليم كان شعارًا من أهم شعارات الثورة ومطالبها الحيوية، وقد حصلت الردة عنه إلى انقلاب يظن بالناس سوءًا حتى وهم صامتون.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، إمتحانات، باكالوريا،

 





تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 27-06-2024   المصدر: نون بوست

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
يحيي البوليني، الناصر الرقيق، صالح النعامي ، صباح الموسوي ، كريم السليتي، سيد السباعي، محمد العيادي، حميدة الطيلوش، الهيثم زعفان، رضا الدبّابي، د - المنجي الكعبي، د. مصطفى يوسف اللداوي، محمود فاروق سيد شعبان، علي عبد العال، رشيد السيد أحمد، أحمد النعيمي، د- محمد رحال، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د - محمد بنيعيش، فتحي الزغل، د - شاكر الحوكي ، جاسم الرصيف، حسن عثمان، محمد الطرابلسي، أبو سمية، علي الكاش، فوزي مسعود ، رافد العزاوي، سعود السبعاني، محمد شمام ، د. خالد الطراولي ، عراق المطيري، صفاء العراقي، مراد قميزة، عواطف منصور، أحمد بن عبد المحسن العساف ، محمد اسعد بيوض التميمي، محرر "بوابتي"، صفاء العربي، نادية سعد، فهمي شراب، ماهر عدنان قنديل، د. صلاح عودة الله ، عمر غازي، سلوى المغربي، منجي باكير، أ.د. مصطفى رجب، د. أحمد بشير، محمود سلطان، د - الضاوي خوالدية، د. عادل محمد عايش الأسطل، د - مصطفى فهمي، محمد عمر غرس الله، حسني إبراهيم عبد العظيم، طلال قسومي، عبد الرزاق قيراط ، د- محمود علي عريقات، د - عادل رضا، سليمان أحمد أبو ستة، د. كاظم عبد الحسين عباس ، أحمد بوادي، سلام الشماع، إياد محمود حسين ، مصطفى منيغ، سفيان عبد الكافي، محمود طرشوبي، رافع القارصي، إسراء أبو رمان، مصطفي زهران، فتحـي قاره بيبـان، وائل بنجدو، إيمى الأشقر، د - محمد بن موسى الشريف ، كريم فارق، محمد الياسين، مجدى داود، الهادي المثلوثي، أنس الشابي، عبد الله زيدان، د. ضرغام عبد الله الدباغ، سامح لطف الله، د. طارق عبد الحليم، صلاح الحريري، حسن الطرابلسي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، صلاح المختار، أشرف إبراهيم حجاج، عبد الغني مزوز، د- هاني ابوالفتوح، د. عبد الآله المالكي، رمضان حينوني، د. أحمد محمد سليمان، فتحي العابد، العادل السمعلي، د.محمد فتحي عبد العال، عمار غيلوفي، عزيز العرباوي، أحمد الحباسي، عبد الله الفقير، ياسين أحمد، حاتم الصولي، محمد أحمد عزوز، د- جابر قميحة، المولدي الفرجاني، أحمد ملحم، خبَّاب بن مروان الحمد، سامر أبو رمان ، رحاب اسعد بيوض التميمي، محمد يحي، خالد الجاف ، تونسي، د - صالح المازقي، يزيد بن الحسين، ضحى عبد الرحمن،
أحدث الردود
ما سأقوله ليس مداخلة، إنّما هو مجرّد ملاحظة قصيرة:
جميع لغات العالم لها وظيفة واحدة هي تأمين التواصل بين مجموعة بشريّة معيّنة، إلّا اللّغة الفر...>>


مسألة الوعي الشقي ،اي الاحساس بالالم دون خلق شروط تجاوزه ،مسالة تم الإشارة إليها منذ غرامشي وتحليل الوعي الجماعي او الماهوي ،وتم الوصول الى أن الضابط ...>>

حتى اذكر ان بوش قال سندعم قنوات عربيه لتمرير رسالتنا بدل التوجه لهم بقنوات امريكيه مفضوحه كالحره مثلا...>>

هذا الكلام وهذه المفاهيم أي الحكم الشرعي وقرار ولي الأمر والمفتي، كله كلام سائب لا معنى له لأن إطاره المؤسس غير موجود
يجب إثبات أننا بتونس دول...>>


مقال ممتاز...>>

تاكيدا لمحتوى المقال الذي حذر من عمليات اسقاط مخابراتي، فقد اكد عبدالكريم العبيدي المسؤول الامني السابق اليوم في لقاء تلفزي مع قناة الزيتونة انه وقع ا...>>

بسم الله الرحمن الرحيم
كلنا من ادم وادم من تراب
عندما نزل نوح عليه السلام منالسفينه كان معه ثمانون شخصا سكنو قريه اسمها اليوم هشتا بالك...>>


استعملت العفو والتسامح في سياق انهما فعلان، والحال كما هو واضح انهما مصدران، والمقصود هو المتضمن اي الفعلين: عفا وتسامح...>>

بغرض التصدي للانقلاب، لنبحث في اتجاه اخر غير اتجاه المنقلب، ولنبدا بمسلمة وهي ان من تخلى عن مجد لم يستطع المحافظة عليه كالرجال، ليس له الحق ان يعامل ك...>>

مقال ممتاز...>>

برجاء السماح بإمكانية تحميل الكتب والمراجع...>>

جل الزعماء العرب صعدوا ،بطرق مختلفة ،تصب لصالح المخطط الانتربلوجي العسكري التوسعي الاستعماري،ساهموا في تبسيط هدم حضارة جيرانهم العربية او الاسلامية عم...>>

مقال ممتاز
لكن الاصح ان الوجود الفرنسي بتونس لم يكن استعمارا وانما احتلال، فرنسا هي التي روجت ان وجودها ببلداننا كان بهدف الاعمار والاخراج من ح...>>


الاولى : قبل تحديد مشكلة البحث، وذلك لتحديد مسار البحث المستقل عن البحوث الاخرى قبل البدء فيه .
الثانية : بعد تحديد مشكلة البحث وذلك لمعرفة الا...>>


بارك الله فيكم...>>

جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة