البدايةالدليل الاقتصادي للشركات  |  دليل مواقع الويبالاتصال بنا
 
 
 
المقالات الاكثر قراءة
 
تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات
   عام حطّة

النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين
أصولها، أسبابها ونتائجها/3

كاتب المقال علي الكاش - العراق / النرويج    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي
 المشاهدات: 456


 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


3. هل هناك حقا حضارة فارسية قبل الإسلام؟
العراق كما هو معروف هو مهد العلوم والمعارف والحضارات، بل العراق بلا جدال هو قبلة العالم الثقافية، وتأتيه طلبة العلم والمعرفة من شتى أنحاء العالم، لتنهل من المعارف التي تركها السلف. فهل ما كان في بلاد فارس من علوم ومعارف يوازيها؟ وهل كان طلاب العلم يرتادون بلاد فارس للدراسة؟
الجواب: كلا بالطبع!

إن بعض الحضارات التأريخية لا يعني إنها حضارات علوم وفنون وآداب ومعارف ونهضة علمية، فالحضارة الرومانية مثلا هي حضارة حربية وليست مدنية أساسها الحروب والاحتلال والتوسع. وهذا ما يقال أيضا عن الحضارة الفارسية التي سبقت الإسلام ويتشدق بها الفرس باطلا وزيفا، فلا توجد حضارة فارسية حقيقية في أي من العلوم والمعارف باستثناء الجانب الحربي والتوسع والاستيطان وبعض العمران وتنظيم الدواوين. وحتى العمران فهو محدد الأفق. لاحظ في العراق لا يوجد من معالم العمران الفارسي غير إيوان كسرى. في حين كان المعمار الكبير في العراق حيث الجنائن المعلقة ومعالم نينوى ومنارتها الحدباء وبابل وأور، ووصل العمران أعظمه في زمن الخلافة العباسية من خلال تخطيط مدن بغداد وسامراء وقصور الخلفاء المميزة، التي جسدها الشعراء في أشعارهم. قال علي بن الجهم في قصر الجعفري الذي بناه المتوكل ويقارنه بهندسة الروم والفرس:
وما زلت أسمع أنّ الملوك * تبني على قـدر أقدارها
وأعلم أنّ عــقول الرجال * يقضى عليهـــــا بآثارها
فلما رأينا الإمــــــــــــام * رأينا الخلافـــة في دارها
بدائع لـــــــم ترها فارس * ولا الروم في طول أعمارها
وللروم ما شيّد الأولون * وللفرس آثار أحرارهـــــا
وكنا نحسّ لــها نخـــــــوة * فطامنت نخوة جبّارها
وأنشأت تحتج للمسلمــــين * على ملحديها وكفّارها
صحون تسافر فيها العيون * إذا ما تجلّت لأبصارها
وقبة ملك كأنّ النجـــــــوم * تفضي إليها بأسرارهــا
تخرّ الوفــــــــود لها سجّدا * سجود النصارى لكبّارها
لها شرفات كأنّ الربيـــــع * كساها الرياض بأنوارها
وأروقة شطرها للرخــــام * وللتبر أكرم أشطارهــا
إذا رمقت تستبين العــيون * منها منابت أشفارهــــا
لو أنّ سليمان أدّت لــــــه * شياطينه بعض أخبارها
لأيقنّ أنّ بني هاشـــــــــم * يقدّمها فضل أخطارهــا
فلا زالت الأرض معمورة * بعمرك تأخير أعمارها (كتاب البلدان للهمداني/369).
كما قال الحسين بن الضحاك في سرمرى من شعر طويل:
سكنّ إلى خير مسكونة * تقسمها راغب من أمم
مباركة شاد بنيانها * بخير المواطن خير الأمم
كأنّ بها نشر كافوره * لبرد ثراها وطيب النسم
وقوله:
كلّ البلاد لسرّمرّى شاهــد * أنّ المصيف بها كفصل سواها
فيحاء طاب مقيلها ومبيتها * وغدوّها ورواحها وضحاها

حضارة الفرس الحقيقية ولدت عندما حلٌ الإسلام محل المجوسية، فنبغ الآلاف من العلماء والأدباء الفرس في شتى أنواع العلوم والمعارف، اي ان الفضل للإسلام وليس للمجوسية. وعندما يزعم البعض بأن الإسلام قضى على الحضارة الفارسية فذلك وهم يحاولون تحويله إلى حقيقة لغرض تشويه صورة الإسلام، وتحميله مسؤولية تدمير حضارتهم المزعومة، علاوة على سبغ السلبيات على الإسلام بدلا عن الإيجابيات التي تحققت لهم من خلال الفتح العظيم. لا يجوز لمسلم حقيقي أن يماش هذا الرأي الخاطئ والمجحف، انه نكران لجميل الإسلام على الفرس.

يحاول الفرس صقل وتلميع المجوسية باعتبارها حضارة زاهية دمرها الغزو الإسلامي. الحقيقة أن هذ المسألة تخص تشويه صورة الإسلام عموما، وتشويه صورة عمر الفاروق خصوصا. وهذا ما يتجلى في تراثهم الذي ينال من الفاروق، بل ان كتابهم المقدس (الشاهنامة) يكيل للعرب الشتائم وينعتهم باسوا النعوت كما سنوضح فيما بعد. وهذه الشاهنامة هي قرآن الفرس الحقيقي.

قال التوحيدي" للفرس السياسة والآداب والحدود والرسوم، وللرّوم العلم والحكمة، وللهند الفكر والرويّة والخفّة والسّحر والأناة، وللتّرك الشجاعة والإقدام، وللزّنج الصبر والكدّ والفرح، وللعرب النّجدة والقرى والوفاء والبلاء والجود والذّمام والخطابة والبيان". (الإمتاع والمؤانسة1/72).

وقال القاضي أبو حامد المرورّوذيّ" لو كانت الفضائل كلّها بعقدها وسمطها، ونظمها ونثرها، مجموعة للفرس، ومصبوبة على رؤوسهم، ومعلّقة بآذانهم، وطالعة من جباههم، لكان لا ينبغي أن يذكروا شأنها، وأن يخرسوا عن دقّها وجلّها، مع نيكهم الأمهات والأخوات والبنات فإن هذا شيء كريه بالطباع، وضعيف بالسّماع، ومردود عند كل ذي فطرة سليمة، ومستبشع في نفس كل من له جبلّة معتدلة". (الإمتاع والمؤانسة1/80). وهذا ما سنفصله لاحقا.

كما قال الجاحظ" زعم الفرس أنّ أوّل شيء يؤدّبونه به السجود للملك؛ قالوا : خرج كسرى أبرويز ذات يوم لبعض الأعياد، وقد صفّوا له ألف فيل، وقد أحدق به وبها ثلاثون ألف فارس، فلما بصرت به الفيلة سجدت له، فما رفعت رأسها حتى جذبت بالمحاجن وراطنها الفيّالون. وقد شهد ذلك المشهد جميع أصناف الدوابّ: الخيل فما دونها، وليس فيها شيء يفصل بين الملوك والرعيّة، فلما رأى ذلك كسرى قال: ليت أنّ الفيل كان فارسيّا ولم يكن هنديّا". (كتاب الحيوان7/123).

وأضاف الجاحظ" يزعم زرادشت، وهو مذهب المجوس، أنّ الفأرة من خلق الله، وأنّ السّنّور من خلق الشّيطان، وهو إبليس، وهو أهرمن. فإذا قيل له: كيف تقول ذلك والفأرة مفسدة، تجذب فتيلة المصباح فتحرق بذلك البيت والقبائل الكثيرة، والمدن العظام، والأرباض الواسعة، بما فيها من النّاس والحيوان والأموال، وتقرض دفاتر العلم، وكتب الله، ودقائق الحساب، والصّكاك، والشّروط؛ وتقرض الثّياب، وربّما طلبت القطن لتأكل بزره فتدع اللّحاف غربالا، وتقرض الجرب، وأوكية الأسقية والأزقاق والقرب فتخرج جميع ما فيها؛ وتقع في الآنية وفي البئر، فتموت فيه وتحوج النّاس إلى مؤن عظام؛ وربّما عضّت رجل النّائم، وربّما قتلت الإنسان بعضّتها. والفأر بخراسان ربّما قطعت أذن الرّجل. وجرذان أنطاكية تعجز عنها السّنانير، وقد جلا عنها قوم وكرهها آخرون لمكان جرذانها، وهي التي فجرت المسنّاة، حتى كان ذلك سبب الحسر بأرض سبأ؛ وهي المضروب بها المثل، وسيل العرم ممّا تؤرخ بزمانه العرب. والعرم: المسنّاة. وإنما كان جرذا. وتقتل النّخل والفسيل، وتخرّب الضّيعة، وتأتي على أزمّة الركاب والخطم، وغير ذلك من الأموال. والنّاس ربما اجتلبوا السّنانير ليدفعوا بها بوائق الفأر- فكيف صار خلق الضّارّ المفسد من الله، وخلق النّافع من الضّرر من خلق الشيطان؟! والسّنّور يعدى به على كلّ شيء خلقه الشّيطان من الحيّات، والعقارب، والجعلان، وبنات وردان، والفأرة لا نفع لها، ومؤنها عظيمة. قال: لأنّ السّنّور لو بال في البحر لقتل عشرة آلاف سمكة! فهل سمعت بحجّة قطّ، أو بحيلة، أو بأضحوكة، أو بكلام ظهر على تلقيح هرة، يبلغ مؤن هذا الاعتلال؟! فالحمد لله الذي كان هذا مقدار عقولهم واختيارهم". (كتاب الحيوان4/407). كما قال الجاحظ" أمّا الأكاسرة من الفرس فكانوا لا يعدّون النّاس إلّا عبيدا، وأنفسهم إلّا أربابا". (كتاب الحيوان6/353) وناقض قوله" ليس الذي كان فيه آل ساسان وأنوشروان وجميع ولد أزد شير بن بابك كان من الكبر في شيء. تلك سياسة للعوامّ، وتفخيم لأمر السّلطان، وتسديد للملك". (الرسائل الأدبية/140).

علق د. علي ابو ملحم على قول الجاحظ المتناقض مع آرائه السابقة بقوله" القول ان ملوك آل ساسان لم يعرفوا التعظيم، والكبر غير صحيح. لقد احاطوا ملكهم بالأبهة والاجلال واسرفوا في ذلك حتى اصبحوا مضرب الأمثال. ويبدو ان بعض النساخ الميالين للشعوبية حرفوا قول الجاحظ".
من جهة أخرى ذكر ابو الطيب الحسيني القنوجي وهو من بخارى" أما الفرس فكان شأن هذه العلوم العقلية عندهم عظيما ولقد يقال: إن هذه العلوم إنما وصلت إلى يونان منهم حين قتل إسكندر دارا وغلب على مملكته واستولى على كتبهم وعلومهم إلا أن المسلمين لما افتتحوا بلاد فارس وأصابوا من كتبهم كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب يستأذن في شأنها وتنقيلها للمسلمين. فكتب إليه عمر رضي الله عنه: أن اطرحوها في الماء فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله تعالى بأهدى منه وإن يكن ضلالا فقد كفانا الله تعالى فطرحوها في الماء أو في النار فذهبت علوم الفرس فيها". (أبجد العلوم1/379).

ثم نقض قوله، فقال" كانت الفرس نقلت في القديم شيئا من كتب المنطق والطب إلى اللغة الفارسية فنقل ذلك إلى العربي عبد الله بن المقفع وغيره وكان خالد بن يزيد بن معاوية يسمى: حكيم آل مروان فاضلا في نفسه له همة ومحبة للعلوم خطر بباله الصنعة فأحضر جماعة من الفلاسفة فأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اليوناني إلى العربي وهذا أول نقل كان في الإسلام". (أبجد العلوم1/380).

كما ذكر احمد زكي صفوت" قدم النعمان بن المنذر على كسرى وعنده وفود الروم والهند والصين؛ فذكروا من ملوكهم وبلادهم، فافتخر النعمان بالعرب، وفضلهم على جميع الأمم، لا يستثنى فارس ولا غيرها، فقال كسرى -وأخذته عزة الملك- يا نعمان، لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأمم، ونظرت في حالة من يقدم علي من وفود الأمم؛ فوجدت للروم حظًا في اجتماع ألفتها، وعظم سلطانها، وكثرة مدائنها، ووثيق بنيانها، وأن لها دينًا يبين حلالها وحرامها، ويرد سفهيها، يقيم جاهلها، ورأيت الهند نحوًا من ذلك في حكمتها وطبها، مع كثرة أنهار بلادها وثمارها، وعجيب صناعتها، وطيب أشجارها، ودقيق حسابها، وكثرة عددها، وكذلك الصين في اجتماعها، وكثرة صناعات أيديها، وفروسيتها وهمتها في آلة الحرب، وصناعة الحديد، وأن لها ملكًا يجمعها، والترك والخزر على ما بهم من سوء الحال في المعاش، وقلة الريف والثمار والحصون، وما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن والملابس، لهم ملوك تضم قواصيهم، وتدبر أمرهم، ولم أر للعرب شيئًا من خصال الخير في أمر دين ولا دنيا، ولا حزم ولا قوة، ومع أن مما يدل على مهانتها وذلها، وصغر همتها محلتهم التي هم بها مع الوحوش النافرة، والطير الحائرة، يقتلون أولادهم من الفاقة، ويأكل بعضهم بعضًا من الحاجة، قد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ومشاربها ولهوها ولذاتها؛ فأفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الإبل، التي يعافها كثيرة من السباع، لثقلها، وسوء طعمها، وخوف دائها، وإن قرى أحدهم ضيفًا عدها مكرمة، وإن أطعم أكلة عدها غنيمة، تنطق بذلك أشعارهم، وتفتخر بذلك رجالهم، ما خلا هذه التنوخية التي أسس جدى اجتماعها، وشد مملكتها، ومنعها من عدوها؛ فجرى لها ذلك إلى يومنا هذا، وإن لها مع ذلك آثارًا ولبوسًا، وقرى وحصونًا، وأمورًا تشبه بعض أمور الناس -يعني اليمن- ثم لا أراكم تستكينون على ما بكم من الذلة والقلة والفاقة والبؤس حتى تفتخروا وتريدوا أن تنزلوا فوق مراتب الناس، قال النعمان: أصلح الله الملك. حق2 لأمة الملك منها أن يسمو فضلها، ويعظم خطبها، وتعلو درجتها؛ إلا أن عندي جوابًا في كل ما نطق به الملك، في غير رد عليه، ولا تكذيب له؛ فإن أمنني من غضبه نطقت به، قال كسرى: قل فأنت آمن. قال النعمان: أما أمتك أيها الملك؛ فليست تنازع في الفضل، لموضعها الذي هي به: من عقولها وأحلامها، وبسطه محلها، وبحبوحة عزها، وما أكرمها الله به من ولاية آبائك وولايتك. وأما الأمم التي ذكرت، فأي أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها. قال كسرى بماذا؟ قال النعمان: بعزها، ومنعتها، وحسن وجوهها، وبأسها، وسخائها، وحكمة ألسنتها، وشدة عقولها، وأنفتها، ووفائها. فأما عزها ومنعتها؛ فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوخوا البلاد، ووطدوا الملك وقادوا الجند، لم يطمع فيهم طامع، ولم ينلهم نائل، حصونهم ظهور خيلهم، ومهادهم الأرض، وسقوفهم السماء، وجنتهم السيوف، وعدتهم الصبر، إذ غيرها من الأمم إنما عزها من الحجارة والطين وجزائر البحور. وأما حسن وجوها وألوانها، فقد يعرف فضلهم في ذلك على غيرهم: من الهند المنحرفة، والصين المنحفة، والترك المشوهة، والروم المقشرة.

الفرس والأنساب
وأما أنسابها وأحسابها؛ فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيرًا من أولها، حتى إن أحدهم ليسأل وراء أبيه دنيا؛ فلا ينسبه ولا يعرفه، وليس أحد من العرب إلا يسمي آباءه أبًا فأبًا، حاطوا بذلك أحسابهم، وحفظوا به أنسابهم، فلا يدخل رجل في غير قومه، ولا ينتسب إلى غير نسبه، ولا يدعى إلى غير أبيه. وأما سخاؤها؛ فإن أدناهم رجلًا، الذي تكون عنده البكرة والناب، عليها بالغه في حمولة وشبعه وريه، فيطرقه الطارق، الذي يكتفي بالفلذة، ويحتري بالشبة؛ فيعقرها له، ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الذكر. وأما حكمة ألسنتهم؛ فإن الله تعالى أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم، وحسنه ووزنه وقوافيه، ومع معرفتهم الأشياء، وضربهم للأمثال، وإبلاغهم في الصفات، ما ليس لشيء من ألسنة الأجناس ثم خيلهم أفضل الخيل، ونساؤهم أعف النساء، ولباسهم أفضل اللباس، ومعادنهم الذهب والفضة، وحجارة جبالهم الجزع. ومطاياهم التي لا يبلغ على مثلها سفر، ولا يقطع بمثلها بلد فقر. وأما دينها وشريعتها؛ فإنهم متمسكون به، حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينه أن لهم أشهرًا حرمًا، وبلدًا محرمًا، وبيتًا محجوجًا، ينسكون فيه مناسكهم، ويذبحون فيه ذبائحهم، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه، وهو قادر على أخذ ثأره، وإدراك رغمه منه؛ فيحجزه كرمه، ويمنعه دينه عن تناوله بأذى وأما وفاؤها، فإن أحدهم يلحظ اللحظة، ويومئ الإيماءة، فهي ولث وعقدة، لا يحلها إلا خروج نفسه، وإن أحدهم يرفع عودًا من الأرض فيكون رهنًا بدينه، فلا يغلق رهنه، ولا تخفر3 ذمته، وإن أحدهم ليبلغه أن رجلًا استجار به وعسى أن يكون نائيا عن داره. فيصاب، فلا يرضى حتى يفنى تلك القبيلة التي أصابته، أو تفنى قبيلته، لما أخفر من جواره، وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث، من غير معرفة ولا قرابة، فتكون أنفسهم دون نفسه، وأموالهم دون ماله. وأما قولك أيها الملك يئدون أولادهم، فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار، وغيرة من الأزواج. وأما قولك إن أفضل طعامهم لحوم الإبل على ما وصفت منها، فما تركوا ما دونها إلا احتقارًا لها، فعمدوا إلى أجلها وأفضلها، فكانت مراكبهم وطعامهم، مع أنها أكثر البهائم شحومًا، وأطيبها لحومًا، وأرقها ألبانًا، وأقلها غائلة4، وأحلاها مضغة، وإنه لا شيء من اللحمان يعالج ما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها عليه. وأما تحاربهم وأكل بعضهم بعضًا، وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم، فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفًا، وتخوفت نهوض عدوها إليها بالزحف، وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد، يعرف فضلهم على سائر غيرهم، فيلقون إليهم أمورهم، وينقادون لهم بأزمتهم، وأما العرب فإن ذلك كثير فيهم، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكًا أجمعين، مع أنفتهم من أداء الخراج والوطث بالعسف.

وأما اليمن التي وصفها الملك؛ فإنما أتى جد الملك إليها الذي أتاه، عند غلبة الحبش له، على ملك متسق، وأمر مجتمع؛ فأتاه مسلوبًا طريدًا مستصرخًا، ولولا ما وتر به من يليه من العرب؛ لمال إلى مجال، ولوجد من يجيد الطعان، ويغضب للأحرار من غلبة العبيد الأشرار". فعجب كسرى لما أجابه النعمان به، وقال: إنك لأهل لموضعك من الرياسة في أهل إقليمك، ثم كساه من كسوته، وسرحه إلى موضعه من الحيرة" . (جمهرة خطب العرب1/53).

لماذا يدعي الكثير بأنهم من العرب؟
الحقيقة ان الكثير من القوميات كانت تتسمى بالعرب بسبب علو منزلتهم مقارنة ببقية القوميات، ذكر النهشلي القيرواني" الترك يدعون أنهم من اليمن، ويزعمون أن تبع الأكبر لما ارتحل عن غسان أنزل بها خلقاً عظيما من أهل اليمن، فافترقوا في البلاد، وصار بعضهم إلى أن نزل آستانة. والأكراد يزعمون أنهم من قيس بن هوزان، والأدرية يزعمون أنهم من العرب. وكان بابك يدعى أنه من خزاعة. تدعى أنهم من بني أمية، وأنه لما ظهرت دولة بني العباس هرب قوم من أمية فتزوجوا فيهم، وولدوا لهم الأولاد، على أنهم على دين اليهود". (الممتع في صنعة الشعر/345).

هل أصل الاكراد عرب؟
قال المازني الحموي" أنكر جماعة من ملوك بنى أيوب النسبة إلى الأكراد، وقالوا: إنما نحن عرب، نزلنا عند الأكراد وتزوجنا منهم. وادعى بعضهم النسب إلى بنى أمية". (مفرج الكروب في أخبار بني أيوب1/3). وقال ابو الفداء" الكرد من الفرس، ومنازلهم جبال شهرزور، وقيل: إِن الكرد من العرب، ثم تنبطوا. وقيل: إِنهم أعراب العجم". (المختصر في أخبار البشر1/83)
وذكر نشوان الحميري" كُرْد : جيلٌ من الناس، يقال إِنهم من الأزد ، قال الشاعر:
لعمرك ما كُرْدٌ من ابناء فارسٍ ولكنه كرد بن عمرو بن عامر
وقال آخر:
لعمرك ما كرد بن عمرو بن عامر * ولكن خالط العُجْمَ فاعتجم
وقج نَسَبَتْهم الشعراءُ إِلى اليمن، ثم إِلى الأزد. وقيل: إِن الكُرْد : اسم عربي مشتق من المكاردة ، وهي المطاردة". (شمس العلوم9/96). (الجمهرة2/638).

من حمق الفرس
قال البيهقي" حكي عن أبي عباد الكاتب أنه قال: كنت يوماً عند المأمون فدعا بالغداء وكان يستنزل من قام من مجلسه عند ذكر الطعام ويقول: هذا من أخلاق اللئام، فقدّموا إليه بطيخاً على أطباق جدد فجعل يقوّر بيده ويذوق البطيخة فإذا حمد حلاوتها قال: ادفع هذه بسكينتها إلى فلان. فقال لي وقد دفع إلي بطيخة كانت أحلى من الشهد المذاب: يا أبا عباد بم تستدل على حمق الرجل؟
قلت: يا أمير المؤمنين أما عند الله فعلامات كثيرة وأما عندي فإذا رأيت الرجل يحب الشاهلوج ويبغض البطيخ علمت أنه أحمق.
قال: وهل تعرف صاحب هذه الصفة؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين الرستمي أحد من هذه صفته.
قال: فدخل الرستمي على أمير المؤمنين، فقال له المأمون: ما تقول في البطيخ الرمشيّ؟
قال: يا أمير المؤمنين يفسد المعدة ويلطخها ويُرقّها، يرخي العصب ويرفع البخار إلى الرأس.
قال: لم أسألك عن فعله إنما سألتك أشهي هو؟ قال: لا. قال: فما تقول في الشاهلوج؟ قال: سماه كسرى سيد أجناسه. قال: فالتفت المأمون إليّ وقال: الرجل الذي كنا في حديثه أمس من تلامذة كسرى في الحمق". (المحاسن والمساوىء/252).


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

بحوث، الفرس، العرب، إيران، الصفويون، الشعوبية،

 





تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 21-12-2023  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  بمناسبة يوم الغدير: هل يغلق اهل السنة المساجد والجوامع
  مبحث حول محاورة بين كتاب عن أصل الكرد
  يوم الغدير: عندما تتحول الأساطير والبدع إلى حقائق دامغة /3 ـ 3
  يوم الغدير: عندما تتحول الاساطير والبدع الى حقائق دامغة/2 ـ 3
  يوم الغدير: عندما تتحول الاساطير والبدع الى حقائق دامغة/1ـ 3
  هل ايران فعلا محاصرة؟
  إشكال الصدر على الله تعالى يثير الحيرة
  الحيرة بين عيد الغدير ورزية الخميس
  العراق قبل وبعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 دراسة مقارنة بحياد تام 2ـ 2
  العراق قبل وبعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 دراسة مقارنة 1ـ 2
  كيف تفكك مجتمعا ما وتدمر حاضره ومستقبله؟
  نفس الطاس، نفس الحمام التعاون مع الاحتلال
  لماذا لا توجد مراسم عاشوراء وغيرها من الطقوس في بلاد فارس؟
  عمر الفاروق في عيون الشرق والغرب 2 ـ 2
  عمر الفاروق في عيون الشرق والغرب 1 ـ 2
  النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين أصولها، أسبابها ونتائجها/13 الأخيرة
  النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين أصولها، أسبابها ونتائجها/12 ما قبل الأخيرة
  النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين أصولها، أسبابها ونتائجها/11
  النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين أصولها، أسبابها ونتائجها/10
  النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين أصولها، أسبابها ونتائجها/9
  النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين أصولها، أسبابها ونتائجها/8
  النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين أصولها، أسبابها ونتائجها/7
  الجسد يقصف الروح في أربيل
  ­النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين أصولها، أسبابها ونتائجها/6
  النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين أصولها، أسبابها ونتائجها/5
  النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين أصولها، أسبابها ونتائجها/4
  النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين أصولها، أسبابها ونتائجها/3
  النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين أصولها، أسبابها ونتائجها/2
  النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين أصولها، أسبابها ونتائجها/1
  هادي العامري واوهام المدمنين

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د. ضرغام عبد الله الدباغ، عبد الله زيدان، عزيز العرباوي، د - محمد بن موسى الشريف ، د. أحمد بشير، علي الكاش، عمر غازي، د. عادل محمد عايش الأسطل، سيد السباعي، مصطفي زهران، د - صالح المازقي، محمد العيادي، سامح لطف الله، محمد يحي، صالح النعامي ، د. صلاح عودة الله ، إسراء أبو رمان، نادية سعد، محرر "بوابتي"، عراق المطيري، يحيي البوليني، د- محمود علي عريقات، إيمى الأشقر، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، جاسم الرصيف، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د. طارق عبد الحليم، فوزي مسعود ، سليمان أحمد أبو ستة، صباح الموسوي ، د. عبد الآله المالكي، خبَّاب بن مروان الحمد، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د - مصطفى فهمي، محمد عمر غرس الله، رضا الدبّابي، علي عبد العال، محمد اسعد بيوض التميمي، طلال قسومي، رمضان حينوني، أبو سمية، أ.د. مصطفى رجب، رافد العزاوي، حسني إبراهيم عبد العظيم، فهمي شراب، يزيد بن الحسين، الناصر الرقيق، رحاب اسعد بيوض التميمي، محمود فاروق سيد شعبان، إياد محمود حسين ، صفاء العربي، حاتم الصولي، مراد قميزة، أحمد بوادي، محمد الطرابلسي، العادل السمعلي، محمد شمام ، كريم السليتي، د- محمد رحال، د. خالد الطراولي ، سلوى المغربي، د- هاني ابوالفتوح، عبد الله الفقير، صلاح المختار، د. مصطفى يوسف اللداوي، محمود سلطان، فتحي العابد، د - محمد بنيعيش، سامر أبو رمان ، د - شاكر الحوكي ، ماهر عدنان قنديل، محمد الياسين، مصطفى منيغ، وائل بنجدو، عمار غيلوفي، محمد أحمد عزوز، فتحي الزغل، حسن الطرابلسي، عواطف منصور، فتحـي قاره بيبـان، د- جابر قميحة، خالد الجاف ، مجدى داود، حسن عثمان، د. أحمد محمد سليمان، عبد الرزاق قيراط ، الهيثم زعفان، أحمد الحباسي، د - عادل رضا، المولدي الفرجاني، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د - الضاوي خوالدية، أنس الشابي، صلاح الحريري، د.محمد فتحي عبد العال، سلام الشماع، تونسي، رافع القارصي، أحمد ملحم، منجي باكير، سفيان عبد الكافي، ضحى عبد الرحمن، د - المنجي الكعبي، صفاء العراقي، كريم فارق، حميدة الطيلوش، عبد الغني مزوز، محمود طرشوبي، أحمد النعيمي، الهادي المثلوثي، رشيد السيد أحمد، ياسين أحمد، سعود السبعاني، أشرف إبراهيم حجاج،
أحدث الردود
ما سأقوله ليس مداخلة، إنّما هو مجرّد ملاحظة قصيرة:
جميع لغات العالم لها وظيفة واحدة هي تأمين التواصل بين مجموعة بشريّة معيّنة، إلّا اللّغة الفر...>>


مسألة الوعي الشقي ،اي الاحساس بالالم دون خلق شروط تجاوزه ،مسالة تم الإشارة إليها منذ غرامشي وتحليل الوعي الجماعي او الماهوي ،وتم الوصول الى أن الضابط ...>>

حتى اذكر ان بوش قال سندعم قنوات عربيه لتمرير رسالتنا بدل التوجه لهم بقنوات امريكيه مفضوحه كالحره مثلا...>>

هذا الكلام وهذه المفاهيم أي الحكم الشرعي وقرار ولي الأمر والمفتي، كله كلام سائب لا معنى له لأن إطاره المؤسس غير موجود
يجب إثبات أننا بتونس دول...>>


مقال ممتاز...>>

تاكيدا لمحتوى المقال الذي حذر من عمليات اسقاط مخابراتي، فقد اكد عبدالكريم العبيدي المسؤول الامني السابق اليوم في لقاء تلفزي مع قناة الزيتونة انه وقع ا...>>

بسم الله الرحمن الرحيم
كلنا من ادم وادم من تراب
عندما نزل نوح عليه السلام منالسفينه كان معه ثمانون شخصا سكنو قريه اسمها اليوم هشتا بالك...>>


استعملت العفو والتسامح في سياق انهما فعلان، والحال كما هو واضح انهما مصدران، والمقصود هو المتضمن اي الفعلين: عفا وتسامح...>>

بغرض التصدي للانقلاب، لنبحث في اتجاه اخر غير اتجاه المنقلب، ولنبدا بمسلمة وهي ان من تخلى عن مجد لم يستطع المحافظة عليه كالرجال، ليس له الحق ان يعامل ك...>>

مقال ممتاز...>>

برجاء السماح بإمكانية تحميل الكتب والمراجع...>>

جل الزعماء العرب صعدوا ،بطرق مختلفة ،تصب لصالح المخطط الانتربلوجي العسكري التوسعي الاستعماري،ساهموا في تبسيط هدم حضارة جيرانهم العربية او الاسلامية عم...>>

مقال ممتاز
لكن الاصح ان الوجود الفرنسي بتونس لم يكن استعمارا وانما احتلال، فرنسا هي التي روجت ان وجودها ببلداننا كان بهدف الاعمار والاخراج من ح...>>


الاولى : قبل تحديد مشكلة البحث، وذلك لتحديد مسار البحث المستقل عن البحوث الاخرى قبل البدء فيه .
الثانية : بعد تحديد مشكلة البحث وذلك لمعرفة الا...>>


بارك الله فيكم...>>

جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة