تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

حياتنـا معين لا ينضب

كاتب المقال فتحـي قاره بيبـان - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


حياتنا: تلك الفترة الزمنيّة التي تتفاوت مدّتها بين إنسان وآخر ونقضيها فوق كوكبنا الأرضي هذا هي أغلى ما عندنا، وهي فرصتنا الوحيدة التي تتاح لنا لننعم بسعادة الوجود أو لنشقى به ولو على درجات وبنسب متفاوتة. والإنسان هو محور الوجود والعامل الفعّال فيه. والحياة هي التي تنعكس عليها رسالته التي خلق لها، وهي مهما اختلفت صورها عبر الأماكن والأزمان نتيجة عمله وإنتاجه ونشاطه في هذا الكون.

وهناك حقيقتان كثيرا ما غفل عنهما الغافلون؛ الحقيقة الأولى: تتعلّق بقيمة الإنسان في هذا الوجود والرسالة العظيمة التي يحملها وقدراته الجبارة على تسخير الطبيعة لفائدته وعلى الإبداع والخلق والإنشاء بما قد لا يطاوله خيال؛ والحقيقة الثانية: تتعلق بقيمة الحياة البشرية وثرائها وغنائها بأوجه النشاطات والأعمال والمشاريع والإنجازات والتي لا تكاد تقع تحت حصر، ممّا يجعل من هذه الحياة موطنا ثريّا يكاد لا ينضب معينه ولا تنعدم خيراته.

وبالنسبة للحقيقة الأولى قلّ من الناس من وعاها وعمل بها فنظر إلى نفسه وسعى في استكشاف قواها واستغلال ما أودعه الله فيها من قدرات على الخلق والإبداع وتجاوز ما قد يبدو لأول وهلة من قبل المستحيل تحقيقه، فنفض عن نفسه مركّبات النقص والضعف والتخاذل وانطلق مؤمنا بنفسه وبما خلقه الله فيه ممّا يجعله سيّدا في هذا العالم، ويمكّنه من تغيير مجرى التاريخ البشري ومن فرض الوجود الإنساني في آفاق الكون. ونرى ذلك من خلال الإنتاج الهزيل والمردود الضعيف الذي يقدّمه كثير من الناس في حياتهم واقتصارهم طيلة سنين وجودهم على عملهم اليومي العادي وعلى أوجه أخرى من النشاطات الحياتية العاديّة التي لا تتطلّب بذل جهود تتناسب في واقع الأمر مع ما يكمن في القدرة البشرية من إمكانيات وقوى.

والسبب في ذلك الاستكانة والرضا بالمنتوج الهزيل الذي لا يحصل سوى من بذل الجهد الهيّن البسيط الذي لا يتطلع نحو تحصيل المعالي وإثراء الحياة البشرية. ومردّ هذه الاستكانة عصور الانحطاط والاستعمار والحكم اﻻستبدادي وما فرضه على الطاقات البشرية من تضييق في مجالات الخلق والإنشاء، وتبعيّـة حضارية عطّـلت قوى الإنتاج المحلية عن التطور والنموّ. ولكن هذه المخلفات التاريخية التي تركت في كثير من الناس نفسيّة لا تطمح إلى ما فوق الثرى ولا تؤمن بنفسها وتثق بقواها يجب أن تزول بزوال أسبابها، وعلينا أن نزرع في شبابنا الإيمان بأنفسهم وبقدرتهم على إنجاز ما قد يبدو من قبل المستحيل طالما كان المنطلق صلبا والغاية والاتّجاه قويمين.

وبالنسبة للحقيقة الثانية علينا أن نعي أن الحياة ليست كما فهمها كثير من الناس فاقتصروا على اعتبارها عملا يوميا ينجز ولقمة تُتناول لضمان العيش وأمورا دنيوية أخرى لا تؤدي في مجملها سوى لحصر الحياة في إطار ضيّق يجعلها حياة جافة هزيلة بائسة لا تليق بالإنسان الذي حمل الأمانة التي أشفقت منها السماوات والأرض. وإنمّا الحياة بإمكانها أن تكون ثريّة وبهيجة إلى حدّ بعيد. وبإمكان الإنسان أن يجعل منها موطنا لا ينفك عطاء وخلقا وإبداعا، وذلك بما ينبع من مسارنا فيها من نشاطات نمارسها وأعمال نقوم بها وهوايات نقبل عليها ومشاغل نمضي أوقاتنا فيها كلّها تنبع من استغلال طاقاتنا البشرية التي تجعل من كل صحراء حياتيّة قاحلة جنّة خضراء تنبع بالخيرات والبركات.

فعلينا أن نعمل في هذا الاتجاه مؤمنين أنه مهما بلغت طموحاتنا ففي الحياة مجال لتحقيقها. والحياة تشبه قصرا منيفا يكاد لا يحدّه حدّ، قد حوى من البدائع والمباهج والبركات ما لا يحصيه أحد، ولكن يلفّه ظلام كثيف، وهو ظلام الجهل والتقاعس والتخاذل، ولكن كلما سرنا في دروبه وخضنا غماره مضيئين شموع النور التي تطرد ما يحفّ به من ظلمات تكشّفت لنا بدائعه وعجائبه كأحسن وأكمل ما يكون. يقول ابن قيّم الجوزية: «قيمة المرء على مطلوبه ومتى صحتّ النيّة وعلت الهمّة ارتفع صاحبها... فعلوّ همّة المرء عنوان فلاحه وسفول همّته عنوان حرمانه». فينبغي أن نكون أصحاب همّة عالية نتطلّع إلى الأعلى دائما لأنفسنا ولمجتمعنا ولأمّتنا. ويقول الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز: «إنّ لي نفسا توّاقة كلّما نالت مرتبة تاقت إلى أعلى منها».

فعلينا أن نضع نصب أعين شبابنا هاتين الحقيقتين المتعلقتين بقيمة الإنسان وإمكانياته وثراء الحياة البشرية حتى يتّسع نطاق نظرته للحياة فيتطلّع إلى إخصابها بأن يجعل منها حياة متنوّعة غزيرة خصبة وذلك بإقدامه على الخلق والإبداع والعمل النبيل، وهو بذلك يحوّل حياته إلى حياة كريمة بهيجة تليق بآدميّـته.



 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تأملات، خواطر، الحياة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 11-11-2017  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  المطالعـــة وجـودة الكتـــاب
  حياتنـا معين لا ينضب
  المرجع في فقه الدين
  التطـــرّف العدوانـــي
  الديمقراطيـة وإسنـاد الأمـر إلى أهلـه
  تكويـن وانتخـاب الكفـاءات للحكـم
  نـقــد النظــام الحـزبـــي
  الأحـزاب السياسيـة وعـودة العصبيّـة
  أولويـة الفقـه السياسـي
  وهـــم الـديمقراطيـــة
  هـل الأحـزاب السياسيـة ضروريـة؟
  مسؤوليـة المسلميـن في أحـداث سـوريا
  وزيـر العـدل والـمرسوم المنظـم لمهنـة المحامـاة
  التناصـف وحريـة الانتخـاب
  نحو استعمال أمثل للتلفــزة
  نحو تكامل اقتصادي عربي جديد
  سَبيلُ المسلمينَ لمعرفةِ الدِين
  كـرة الـقـدم و جمهورهـا
  اللغـة الوطنيـة و مواقـع الانترنـت في تونس‏
  لماذا يُخاطب أبناء تونس بغير لغتهم ؟
  اختيار اللــغة في تونس !؟

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
فتحي الزغل، محمد عمر غرس الله، محمد اسعد بيوض التميمي، د.محمد فتحي عبد العال، د. أحمد بشير، صلاح المختار، محمد شمام ، أنس الشابي، أحمد النعيمي، د- هاني ابوالفتوح، جمال عرفة، د - محمد بن موسى الشريف ، منجي باكير، د - المنجي الكعبي، عبد الله زيدان، د - الضاوي خوالدية، د. أحمد محمد سليمان، الناصر الرقيق، حسن عثمان، د. صلاح عودة الله ، إسراء أبو رمان، صباح الموسوي ، د - أبو يعرب المرزوقي، سحر الصيدلي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، يزيد بن الحسين، محمد تاج الدين الطيبي، محمود صافي ، حاتم الصولي، محمود فاروق سيد شعبان، محمد الطرابلسي، مصطفي زهران، فاطمة عبد الرءوف، محمود سلطان، خبَّاب بن مروان الحمد، د. طارق عبد الحليم، د - مضاوي الرشيد، سلوى المغربي، رافع القارصي، فراس جعفر ابورمان، حسني إبراهيم عبد العظيم، صالح النعامي ، محمد العيادي، د. جعفر شيخ إدريس ، خالد الجاف ، ماهر عدنان قنديل، معتز الجعبري، جاسم الرصيف، مصطفى منيغ، عبد الله الفقير، د. محمد عمارة ، حمدى شفيق ، صلاح الحريري، د. عبد الآله المالكي، د. نانسي أبو الفتوح، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د - محمد عباس المصرى، الهيثم زعفان، فهمي شراب، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د.ليلى بيومي ، طلال قسومي، سيد السباعي، إياد محمود حسين ، د - غالب الفريجات، رضا الدبّابي، د - محمد بنيعيش، سفيان عبد الكافي، أحمد بوادي، عراق المطيري، عزيز العرباوي، رمضان حينوني، أحمد الغريب، عواطف منصور، سلام الشماع، أبو سمية، كريم السليتي، مراد قميزة، وائل بنجدو، سامح لطف الله، نادية سعد، د- هاني السباعي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، فتحي العابد، سعود السبعاني، ابتسام سعد، علي الكاش، د- محمود علي عريقات، كريم فارق، د - صالح المازقي، د. خالد الطراولي ، حسن الطرابلسي، أحمد ملحم، فتحـي قاره بيبـان، كمال حبيب، د. عادل محمد عايش الأسطل، هناء سلامة، علي عبد العال، د. كاظم عبد الحسين عباس ، أشرف إبراهيم حجاج، ياسين أحمد، د. محمد يحيى ، عبد الغني مزوز، سيدة محمود محمد، عصام كرم الطوخى ، د. الحسيني إسماعيل ، شيرين حامد فهمي ، د. الشاهد البوشيخي، د. نهى قاطرجي ، يحيي البوليني، عبد الرزاق قيراط ، رأفت صلاح الدين، د - محمد سعد أبو العزم، محمد إبراهيم مبروك، د. ضرغام عبد الله الدباغ، محمد الياسين، رحاب اسعد بيوض التميمي، حميدة الطيلوش، د . قذلة بنت محمد القحطاني، سوسن مسعود، رشيد السيد أحمد، تونسي، صفاء العراقي، د - احمد عبدالحميد غراب، فوزي مسعود ، محرر "بوابتي"، صفاء العربي، المولدي الفرجاني، د. مصطفى يوسف اللداوي، سامر أبو رمان ، د- جابر قميحة، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، فاطمة حافظ ، أحمد الحباسي، رافد العزاوي، د - شاكر الحوكي ، الشهيد سيد قطب، حسن الحسن، منى محروس، عدنان المنصر، بسمة منصور، مجدى داود، أ.د. مصطفى رجب، الهادي المثلوثي، د- محمد رحال، عمر غازي، إيمى الأشقر، د. محمد مورو ، إيمان القدوسي، العادل السمعلي، محمود طرشوبي، محمد أحمد عزوز، د - مصطفى فهمي،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة