تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

التناصـف وحريـة الانتخـاب

كاتب المقال فتحـي قاره بيبـان - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


من المعروف أن النخبة الثقافية في تونس تعيش استقطابا بين مرجعيتين فكريتين إحداهما محلية إسلامية والأخرى أجنبية غربية. والمائلون للثقافة الغربية ليس لهم من حلول يطرحونها على مجتمعاتهم سوى استنساخ الأنماط الثقافية الغربية في التصور وأساليب الحياة وإسقاطها على مجتمعاتهم، حتى تصبح مشابهة للمجتمعات الغربية، معتقدين أنهم بذلك يحققون لها ما تصبو إليه من تطور وقوة. وهذا غير صحيح، فمراكز الدراسات الاجتماعية في العالم تثبت - اعتمادا على التجارب التي عرفتها مجتمعات العالم الثالث - أن بناء مجتمع قوي ومتطور لا يكون إلا بالاستناد إلى هويته القومية والروحية ومكوناتها الأساسية وهي الدين واللغة والتاريخ، وليس باستيراد قيم وأنماط حياة خارجية ليس لها في الواقع المحلي أي جذور. والتفاعل السليم مع ثقافة المجتمعات الأخرى لا يكون بالنسخ منها، بل يكون انطلاقا ‏من الثقافة المحلية التي يجب أن تكون مُحَكَّمة في قبول أو رفض ما يرد عليها من الخارج و تحديد طريقة التفاعل معه.

ويبدو أن ما وافقت عليه الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي بتونس في مرسومها المتعلق بانتخابات المجلس التأسيسي من إقرار ما يسمى بالتناصف في تركيبة هذا المجلس وفي القائمات الانتخابية يعكس بوضوح تغلّب تيار الفكر المائل للثقافة الغربية لدى أعضاء هذه الهيئة، ويطرح كثيرا من الأسئلة عن تمثيليتها للمجتمع التونسي ومعرفتها بواقعه!

والتناصف كلمة غير متداولة في لغتنا اليومية، أتحفتنا بها الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة. وهذه الكلمة ولدت في الغرب وفي مناخ فكري يرتبط بما عُـرف بالحركة النسوية التي برزت في نهاية القرن التاسع عشر. وهذه الحركة هي نتاج المجتمع الغربي وثقافته، ومن أهم أسباب نشأتها الأفكار المتطرفة التي كانت رائجة نحو المرأة في ذلك المجتمع. وقد انتقلت إلى عالمنا العربي و الإسلامي من خلال الغزو العسكري والثقافي وعرفت بحركة تحرير المرأة.

والحركة النسوية تستبطن تصورا للعلاقة بين الرجل والمرأة قائما على أساس الصراع بين الجنسين. وتركز على المطلبية النسائية لمزيد من تحسين أحوال المرأة. وتنظر إلى اقتسام المناصب والمنافع الاجتماعية على أساس الهوية الجنسية للفرد. وهذا التصور للأمور لا يصح في كل الأحوال.

فعلى سبيل المثال: في مجال الحصول على عمل أو منصب ما في المؤسسات الخاصة أو العامة، التي تقبل كل من الرجال والنساء، فإن القاعدة الأساسية التي تطبق هي الكفاءة وليس الهوية الجنسية للفرد.

وتحديد نسبة الرجال أو النساء في مؤسسات المجتمع الخاصة والعامة يفرضه الواقع وكفاءات الأفراد من الجنسين، ومن هم وهن أهل لأن تسند المسؤولية لهم ولهن، ولا تفرض هذه النسبة فرضا على المجتمع. وفي الحديث النبوي الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قال كيف إضاعتها يا رسول الله قال إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".

إن اللجنة العليا لتحقيق أهداف الثورة هي لجنة استشارية تقوم بدور مؤقت في مرحلة انتقالية حساسة تؤدى إلى انتخاب مجلس تأسيسي. ومن غير المناسب في هذه الفترة الدقيقة وما تعرفه البلاد التونسية من عدم استقرار وانفلات أمني تقديم مقترحات صلب مرسوم انتخابات المجلس التأسيسي تتضمن تغييرات جذرية غير معهودة في طريقة الانتخاب من شأنها أن تؤثر بشكل كبير على مجريات العملية الانتخابية وما ستسفر عنه، وقد يرتكز عليها البعض لاحقا لتبرير مطالبات اجتماعية جديدة تؤدي إلى مزيد من الصراعات والتوتر الاجتماعي.

وفضلا عن ذلك فإن هذه التغييرات الجذرية تتطلب وحدها قانونا خاصا بها لإقرارها. ففي فرنسا لم يقع إقرار التناصف إلا بقانون خاص صدر سنة 2000، وبعد عشرات السنين من النقاشات والمداولات والتجاذب بين مختلف الأطراف الاجتماعية. ولم ينجح المجتمع الفرنسي في تطبيق هذا القانون بصفة كاملة لحد اليوم.

وفي سنة 1982 أقر الناخبون الفرنسيون تعديلا قانونيا ينص على أن لا يتجاوز عدد المترشحين من نفس الجنس في القوائم الانتخابية نسبة % 75، إلا أن المجلس الدستوري الفرنسي ألغى هذا التعديل بحجة أن المواطنة لا يمكن تصنفيها حسب الجنس، ولا يمكن تقسيم المواطنين ضمن أصناف معينة تقوم على أساس الجنس أو السن أو غير ذلك.

إن انتخاب أعضاء المجلس التأسيسي هي عملية انتقاء يقوم بها الناخب على مسؤوليته وبكامل حريته لاختيار أفضل المترشحين لتمثيله في هذا المجلس. وهذا الانتقاء ينبني على أساس الكفاءة وثقة الناخب في من يختاره من المترشحين.

إن فرض التناصف بين الرجال والنساء في القائمات الإنتخابية وفي تركيبة المجلس التأسيسي يمثل تدخلا سافرا في العملية الانتخابية قبل وقوعها، وتحديدا مسبقا للصورة النهائية التي سيكون عليها المجلس التأسيسي. وهو يصادر إرادة وحرية المترشحين والناخبين على حد سواء ويستنقص من وعيهم وتحملهم لمسؤوليتهم. وهذا كله يطعن في مصداقية العملية الانتخابية والتمشي الديمقراطي برمته.

إن حرية الترشح والانتخاب يجب أن تكون حرية تامة، غير مشروطة بنسب محددة قائمة على تصنيف الأفراد حسب الجنس وكونهم ذكورا أو إناثا، أو غير ذلك من التصنيفات. فممارسة هذه الحرية في الترشح والانتخاب هي وحدها التي تحدد نسب الرجال والنساء بين المترشحين والمنتخَبين سواء كانت بالتناصف أو بعدم التناصف. ولن يكون لنسبة الرجال أو النساء في المجلس التأسيسي أي أهمية أو تأثير يذكر على قيامه بواجبه مادامت هذه النسبة تعكس الإرادة الحرة للناخبين وليست مفروضة عليهم. فالمحدد الأخير في ذلك هي إرادة الشعب من خلال ممارسته لحريته ضمن الواقع الذي يعيش فيه. ومصادرة هذا الإرادة هي مصادرة لثورة الشعب التونسي التي قامت لترجع السيادة له، وتقضي على من يريدون التسلط على مصيره، ولمن يريدون فرض تصوارتهم في العملية الديمقراطية دون الرجوع إلى الشعب.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الإنتخابات، التناصف، لجنة حماية الثورة، الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 20-04-2011  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  حياتنـا معين لا ينضب
  المرجع في فقه الدين
  التطـــرّف العدوانـــي
  الديمقراطيـة وإسنـاد الأمـر إلى أهلـه
  تكويـن وانتخـاب الكفـاءات للحكـم
  نـقــد النظــام الحـزبـــي
  الأحـزاب السياسيـة وعـودة العصبيّـة
  أولويـة الفقـه السياسـي
  وهـــم الـديمقراطيـــة
  هـل الأحـزاب السياسيـة ضروريـة؟
  مسؤوليـة المسلميـن في أحـداث سـوريا
  وزيـر العـدل والـمرسوم المنظـم لمهنـة المحامـاة
  التناصـف وحريـة الانتخـاب
  نحو استعمال أمثل للتلفــزة
  نحو تكامل اقتصادي عربي جديد
  سَبيلُ المسلمينَ لمعرفةِ الدِين
  كـرة الـقـدم و جمهورهـا
  اللغـة الوطنيـة و مواقـع الانترنـت في تونس‏
  لماذا يُخاطب أبناء تونس بغير لغتهم ؟
  اختيار اللــغة في تونس !؟

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د. مصطفى يوسف اللداوي، عصام كرم الطوخى ، إياد محمود حسين ، د. ضرغام عبد الله الدباغ، د - غالب الفريجات، د. جعفر شيخ إدريس ، فاطمة حافظ ، صفاء العراقي، كمال حبيب، د. محمد مورو ، د - محمد بنيعيش، د. طارق عبد الحليم، د. أحمد محمد سليمان، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د. محمد عمارة ، رافد العزاوي، عبد الله زيدان، العادل السمعلي، محرر "بوابتي"، د- جابر قميحة، محمد العيادي، د. خالد الطراولي ، رافع القارصي، د. الحسيني إسماعيل ، د.ليلى بيومي ، إسراء أبو رمان، د - شاكر الحوكي ، محمد شمام ، د - صالح المازقي، منجي باكير، صلاح المختار، د- هاني السباعي، كريم السليتي، د - محمد بن موسى الشريف ، عدنان المنصر، أنس الشابي، أحمد النعيمي، سامح لطف الله، صفاء العربي، إيمان القدوسي، هناء سلامة، د - الضاوي خوالدية، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د - مضاوي الرشيد، د. أحمد بشير، كريم فارق، أحمد بن عبد المحسن العساف ، أحمد ملحم، فاطمة عبد الرءوف، أحمد بوادي، محمد الطرابلسي، حميدة الطيلوش، عمر غازي، أ.د. مصطفى رجب، يحيي البوليني، ابتسام سعد، عبد الله الفقير، حمدى شفيق ، د- محمود علي عريقات، عواطف منصور، جاسم الرصيف، بسمة منصور، د. نانسي أبو الفتوح، ماهر عدنان قنديل، منى محروس، شيرين حامد فهمي ، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، محمود طرشوبي، علي الكاش، د. عادل محمد عايش الأسطل، حسن الطرابلسي، حاتم الصولي، فتحي الزغل، صالح النعامي ، عبد الغني مزوز، سيدة محمود محمد، طلال قسومي، الهادي المثلوثي، رضا الدبّابي، صلاح الحريري، فهمي شراب، محمود فاروق سيد شعبان، سوسن مسعود، فراس جعفر ابورمان، فتحي العابد، د - محمد عباس المصرى، فوزي مسعود ، الشهيد سيد قطب، مراد قميزة، محمود سلطان، المولدي الفرجاني، د - أبو يعرب المرزوقي، معتز الجعبري، د. صلاح عودة الله ، مجدى داود، محمد الياسين، د . قذلة بنت محمد القحطاني، خالد الجاف ، محمد أحمد عزوز، د. نهى قاطرجي ، سلوى المغربي، مصطفي زهران، الناصر الرقيق، سفيان عبد الكافي، د- محمد رحال، سلام الشماع، فتحـي قاره بيبـان، د. كاظم عبد الحسين عباس ، رحاب اسعد بيوض التميمي، أبو سمية، د. عبد الآله المالكي، د. الشاهد البوشيخي، الهيثم زعفان، د - محمد سعد أبو العزم، محمد اسعد بيوض التميمي، سامر أبو رمان ، يزيد بن الحسين، عبد الرزاق قيراط ، سيد السباعي، رأفت صلاح الدين، حسن الحسن، أشرف إبراهيم حجاج، رمضان حينوني، علي عبد العال، محمد إبراهيم مبروك، د - المنجي الكعبي، إيمى الأشقر، سحر الصيدلي، د- هاني ابوالفتوح، عراق المطيري، أحمد الغريب، نادية سعد، مصطفى منيغ، محمود صافي ، صباح الموسوي ، د - احمد عبدالحميد غراب، رشيد السيد أحمد، جمال عرفة، وائل بنجدو، د. محمد يحيى ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، أحمد الحباسي، عزيز العرباوي، حسني إبراهيم عبد العظيم، ياسين أحمد، حسن عثمان، خبَّاب بن مروان الحمد، د.محمد فتحي عبد العال، محمد تاج الدين الطيبي، محمد عمر غرس الله، سعود السبعاني، تونسي، د - مصطفى فهمي،
أحدث الردود
ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة