تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

سكوتلاندا لا تنفصل... درس في المصلحيّة

كاتب المقال فتحي الزغل - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


للمرّة الثّانية، يختار السّكوتلانديّون في استفتاء الثّامن عشر من سبتمبر الجاري البقاء ضمن المملكة المتّحدة أو ما يعرف أكثر عندنا ببريطانيا . المملكة الّتي تضمّ أربعة دول أقاليم أو مقاطعات أو قوميّات هي انقلترا و ويلز و إيرلندا الشّماليّة و اسكتلندا.

و قبل أن ألج في موضوع هذه المقالة الرّئيس، أرى أن أنهي إليك قارئي بعض المعلومات التّاريخية و الجغرافيّة و الجيوسياسيّة لهذه المقاطعة و أقصد سكوتلندا، حتى تتّضح الصّورة التي سأعلّق عليها فيما يلحق من رأي.

فدولة سكوتلاندا هي مملكة تحكمها عائلة ستيوارت كانت مستقلّة إلى حدود سنة 1707 عندما أبرمت مع انقلترا ما يسمّى بقانون الوحدة. و هو القانون الّذي أوجد بريطانيا الفدراليّة المعروفة. و تحتلّ سكوتلاندا الجزء الشّمالي من بريطانيا على كامل الجزيرة المثلّثة التي تظهر في خريطة البلد من فوق بمساحة تقارب الثّمانين ألف كم2 يقطنها حوالي الخمسة ملايين ساكن موزّعين على مدنها الكبيرة كالعاصمة أدنبره و غلاسكو و على جلّ الجزر المتاخمة للجزيرة الأمّ و الّتي يقارب عددها السبعين. و يتديّن أغلبهم بالدّين المسيحي و لا يدين ثلثهم بأيّ دين، و يعتبر الإسلام ثاني دين في هذا البلد بما يقارب المائة ألف مسلم.

و قد اختار السّكوتلانديّون منذ أيّام في استفتاء وصلت نسبة المشاركة فيه بين المسجّلين في قوائم النّاخبين 86 بالمائة، البقاء تحت التّاج البريطاني. وذلك بفارق خمسة بالمائة من الأصوات. إذ كانت الـ "لا" و هي التي تعني رفض الانفصال قد حصدت 55 بالمائة من إجمالي الأصوات. بعد فترة حملة انتخابيّة استثنائيّة حبلى بالنّشاطات و الفعاليّات شارك فيها الأحزاب الثّلاثة الأولى في هذا البلد بكلّ ماكيناتها و قوّتها البشريّة لدعم رفض الانفصال.

و حسب تقديري، فإنّ اختيار الشّعب السكوتلاندي لهذا الخيار، ينبع أساسا من رؤيته لمصلحته و لمصلحة بلاده، إذا ما نزّلنا استفتاء السكوتلانديون على استقلالهم في سياق الاستفتاءات العديدة التي شهدها العالم على الأقل في العقدين الأخيرين، حيث أنّنا نجد أنّ نتيجته مخالفة لها. و التي نتذكر بعضها مثل تلك التي حدثت في تيمور الشّرقيّة في أندونيسيا أو في القرم في أكرانيا أو في جنوب السّودان في السّودان، وهو ما يشكّل لوحده ظاهرة تلفت نظر الدّارس و المحلّل.
فالسّكوتلانديون قد صوّتوا لخيار مصلحتهم أوّلا و أخيرا في هذا الاستفتاء. و غلّبوا تلك المصلحة على ما يمكن أن يكون فطريّا لدى البشر من عصبيّة للعرقيّة و توقٍ للتّفرّد ضمن العرق و الجغرافيا لدى كلّ الشّعوب و المجتمعات البشريّة. و هي النّزعة الّتي تبدأ فرديّة ذاتيّة لها جذور في كلّ شخص و حيوان، و تنتهي جماعيّة لها تمظهرات في كلّ مجموعة بشريّة أو حيوانيّة، إذا ما وُجِد القاسم المشترك بين أعضائها، مهما يكن هذا القاسم. سواء كان لغة أو تاريخا أو أرضا أو دينا أو حتّى عرقا...
و مخالفة الغريزة لم تكن، لولا درجة الوعي الشّخصي، و الوعي الجماعي الّذي اكتسبه السكوتلانديون ليقرّروا مصيرهم. لأنّهم يعرفون أنّ الانفصال عن المملكة المتحدة سينتزع منهم مزايا و مستحقّات و منافع قد تستوجب منهم العمل لسنوات أو لعقود قادمة ليحققّوها لذاتهم في حال انفصالهم، خاصّة و أنّ البيئة الاقتصاديّة العالميّة الرّاهنة تتّسم بالتّقلّب، و بصعوبات جمّة في نسب النّمو الّتي تعاني من أجلها كلّ الشّعوب.

فالمواطن السكوتلاندي مثله مثل أيّ مواطن بريطاني، يعيش ضمن منظومة اقتصاديّة اجتماعيّة تصنّف الرّابعة أو الثّالثة عالميّا، و لذلك فهو يدرك جيّدا أنّه بانفصاله عن البلد الأمّ سيخسر ذلك التّصنيف نهائيا أو على الأقل لفترة مستقبليّة قد تكون طويلة نسبيًّا. هذا إلى جانب خسارته لصفة المملكة المتّحدة في الرّقعة الدّولية و ما تتمتّع به من قوّة و عراقة بين الأمم، في محيطها الأوربّي كما في محيطها الدّولي .

كما لا يفوت أيّ ملاحظ للشّأن البريطاني الدّاخلي و ما تبنّته الحملة الرّافضة للانفصال من وعود و رؤى قطعها السّياسيون على أنفسهم لإقناع السكوتلانديون بالبقاء ضمن المملكة المتّحدة ، و الّتي أعتبرها في حدّ ذاتها مكسبا عظيما جدّا إذا ما تحقّقت، و بل و تتعدّى أهمّيتها الشعب السكوتلاندي لبقيّة شعوب الدّولة البريطانيّة ..... و كأنّ السكوتلانديين بذلك قد حرّكوا مقبض المصلحة لفائدتهم باستفتائهم كما لفائدة زملائهم الّذين يكوّنون معهم المملكة المتّحدة. فهم قد اقتلعوا وعودا بتوسيع اللاّمركزية في مقاطعتهم، و تدعيم استقلاليّة قرارهم في عديد المجالات الّتي تبقى أهمّها الضّرائب، و كلّ ما هو بعلاقة بالاقتصادي من حياتهم، عصب حياة كلّ الشّعوب بدون استثناء في نظري.

و عليه فإنّ التّصويت بالبقاء ضمن الدّولة الأمّ يمكن أن يكون درسا في البراغماتية السّياسية لكلّ الشّعوب، و خاصة الأقلّيات منها. تلك الّتي تضع لنفسها هدفا واحدا لعقود كاملة... و هو الاستقلال و لا غير الاستقلال، تخرجه للعالم في أشكال نضاليّة لتجلب به الرأفة و الرحمة. دون أن تفكّر يوما واحدا فقط في مدى امتلاكها لعوامل المحافظة على ذلك الاستقلال... هذا إن وقع.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

سكوتلندا، أنقلترا، الإنفصال، الإستفتاء، الوحدة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 23-09-2014  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  إلى متى تنفرد الإدارة في صفاقس بتأويل خاصّ لقوانين البلاد 2؟
  "التوافق" في تونس بين ربح الحزب وخسارة الثورة
  "ترامب"... رحمة من الله على المسلمين
  حكاية من الغابة... حكاية اللئيم و الحمير
  بقرة ينزف ضرعـــها دما
  تعليقا على مؤتمر النهضة... رضي الشيخان ولم يرض الثّائر
  بعد مائة يوم على الحكومة... إلى أين نحن سائرون؟
  الغرب و الشّرق و "داعش" و "شارلي"
  "الإرهاب و مسألة الظّلم" ج3
  "الإرهاب و مسألة الظّلم" ج2
  "الإرهاب و مسألة الظّلم" ج1
  كيف تختار الرّئيس القادم؟
  قراءة في الانتخابات البرلمانية التونسية
  سكوتلاندا لا تنفصل... درس في المصلحيّة
  قراءة في النّسيج الانتخابي التّونسي
  "أردوغان" رئيسا لتركيا... تعازي غلبت التهاني
  "غزّة" و الإسلاميّون
  الانتخابات الفضيحة
  أُكرانيا و مصر و نفاق الغرب
  رئيسٌ آخر و حكومة جديدة.... قراءة في ما بعد الحدث
  بيان بخصوص رفض الأطبّاء العمل في المناطق الدّاخليّة
  بيان بخصوص إضراب القضاة
  سلطتنا التّنفيذيّة وعلامات الاستفهام
  سلطتنا القضائيّة و علامات الاستفهام
  الدّيمقراطية والبانديّـــة
  الحمار و الإرهابُ و هيبة الدّولــــــــة
  ثورة بلدي... قشّةٌ في بحر
  صحّ النّوم يا "ترويكا"
  الاقتصاد في الإسلام - ج7
  الاقتصاد في الإسلام - الجزء 6

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
إيمى الأشقر، سلام الشماع، الشهيد سيد قطب، د - محمد بنيعيش، عبد الله الفقير، محمد أحمد عزوز، د- هاني ابوالفتوح، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، محمود فاروق سيد شعبان، سحر الصيدلي، سلوى المغربي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، محمد تاج الدين الطيبي، صفاء العراقي، د - محمد سعد أبو العزم، سوسن مسعود، فراس جعفر ابورمان، فتحي العابد، عصام كرم الطوخى ، عبد الغني مزوز، د - محمد عباس المصرى، عدنان المنصر، إياد محمود حسين ، رافد العزاوي، سعود السبعاني، الهادي المثلوثي، عبد الرزاق قيراط ، يحيي البوليني، د - محمد بن موسى الشريف ، د. محمد مورو ، د. عبد الآله المالكي، فتحي الزغل، خالد الجاف ، د - شاكر الحوكي ، صلاح الحريري، د. خالد الطراولي ، د. محمد يحيى ، د. صلاح عودة الله ، فهمي شراب، محمد اسعد بيوض التميمي، علي الكاش، محمد شمام ، كريم السليتي، عراق المطيري، فاطمة عبد الرءوف، ماهر عدنان قنديل، د. مصطفى يوسف اللداوي، د. جعفر شيخ إدريس ، الهيثم زعفان، د- محمود علي عريقات، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د - أبو يعرب المرزوقي، د. عادل محمد عايش الأسطل، مصطفي زهران، د. ضرغام عبد الله الدباغ، رافع القارصي، العادل السمعلي، إيمان القدوسي، د. نانسي أبو الفتوح، د - مضاوي الرشيد، د.ليلى بيومي ، حسن الطرابلسي، معتز الجعبري، محمد العيادي، أحمد الحباسي، رشيد السيد أحمد، صفاء العربي، فاطمة حافظ ، حمدى شفيق ، كريم فارق، أشرف إبراهيم حجاج، د . قذلة بنت محمد القحطاني، كمال حبيب، د - احمد عبدالحميد غراب، سفيان عبد الكافي، د- جابر قميحة، د- هاني السباعي، أحمد النعيمي، عمر غازي، د - المنجي الكعبي، د. الحسيني إسماعيل ، عواطف منصور، علي عبد العال، صالح النعامي ، نادية سعد، محمود طرشوبي، خبَّاب بن مروان الحمد، مجدى داود، عبد الله زيدان، رأفت صلاح الدين، يزيد بن الحسين، رضا الدبّابي، المولدي الفرجاني، محمود صافي ، ابتسام سعد، د. أحمد بشير، د.محمد فتحي عبد العال، محمد إبراهيم مبروك، أحمد الغريب، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، أبو سمية، د. كاظم عبد الحسين عباس ، هناء سلامة، سامر أبو رمان ، تونسي، فتحـي قاره بيبـان، عزيز العرباوي، سيد السباعي، إسراء أبو رمان، محمد الياسين، د. محمد عمارة ، جاسم الرصيف، طلال قسومي، د - مصطفى فهمي، أ.د. مصطفى رجب، مصطفى منيغ، سامح لطف الله، حسن الحسن، حسني إبراهيم عبد العظيم، بسمة منصور، محمد عمر غرس الله، سيدة محمود محمد، محمد الطرابلسي، د- محمد رحال، رمضان حينوني، وائل بنجدو، محمود سلطان، محرر "بوابتي"، منى محروس، مراد قميزة، د - الضاوي خوالدية، ياسين أحمد، د. طارق عبد الحليم، جمال عرفة، حاتم الصولي، الناصر الرقيق، حميدة الطيلوش، أحمد بوادي، فوزي مسعود ، أحمد ملحم، أنس الشابي، د. الشاهد البوشيخي، حسن عثمان، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، شيرين حامد فهمي ، منجي باكير، صلاح المختار، رحاب اسعد بيوض التميمي، د - صالح المازقي، د. نهى قاطرجي ، د - غالب الفريجات، صباح الموسوي ، د. أحمد محمد سليمان،
أحدث الردود
... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

نتيجة ما تعانيه بناتنا في الاتجاة نحو طريقا لانحبذة ولانرضه لكل فتاة أي كانت غنية اوفقيرة ولكن مشكلتنا في الدول العربية الفقر ولذاعلي المنظمات الاجتما...>>

من صدق مجتمع رايح فيها انا متزوج مغربيه بس مو عايشين هنا ولا ابغى ارجع المغرب رحتها يوم زواجي وماعدتها بلد دعاره بامتياز حتى الاسره المغربيه منحله الب...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة