تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

أُكرانيا و مصر و نفاق الغرب

كاتب المقال فتحي الزغل - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


تابعتُ مثل عديد المحلّلين و الملاحظين إرهاصات الثّورة أو الانتفاضة الأُكرانيّة، و تطوّرات أحداثها منذ بداياتها الأولى في اعتصامات العاصمة "كياف"، إلى انتصار الثّوار أو المحتجّين على الحكومة و الرّئيس المحسوبِين على روسيا، بخلعهم و استبدالهم برئيس مؤقّت و حكومة مؤقّتة محسوبة حتما على أوروبّا و الولايات المتّحدة الأميركيّة، إلى التّدخّل العسكري المباشر لروسيا في جزء من هذا البلد المقسوم و أقصد جزيرة "القرم". الجزيرة التي كان القياصرة قد افتكّوها من العثمانيين في زمنٍ ولّى. إلاّ أنّ متابعتي للأحداث في ذلك البلد البارد لم تكن متابعة كرونولوجيّة لحظيّة لأحداث تناقلتها وكالات الأنباء، بقدر ما كانت متابعة لمقابلة كسر عظمٍ و تحويل وجهة بين القوّتين السّياسيتين الّتي ذكرت في ذاك البلد. و رؤيةٍ استرتاتيجيّة من فوق لحدثٍ أراه بكُلّيّته بدون تفصيلاتٍ، أرى به واقع أُمّتنا المرير، و لعب الدّهاة بها كلّ يومٍ.

و أيّا كان المنتصر في تلك المقابلة أو تلك المعركة، فقد بدا لي أنّ العالم عند انتصار الانتفاضة في أوكرانيا لم يستقم عوده بعدُ، بل سوف لن يستقِم في منظور العقود العديدة القادمة. و أستطيع أن أجزم بأنّ الظّلم بصدد ربح المجال في التّاريخ كما في الجغرافيا في هذا العصر، و أنّ الحقّ أو العدل بين الأمم لا وجود له سوى في ما يتمنّاه فكري و يخطّه قلمي... فقد لا يختلف اثنان في أنّ ما جرى في أكرانيا قد حدث فعلا في مصر، من حيث الإطاحة برئيس الجمهوريّة القادم إلى منصبه بانتخابات نزيهة بقطع النّظر عن مشروع ذلك الرّئيس الذي اصطبغ بفكر إسلامي في مصر و بهوى روسي في أكرانيا. إلاّ أنّ تعامل الغرب مع فعل الإطاحة بالرّئيس كان متناقضا مع مبادئه الّتي يتشدّق بها في المنابر الدّولية في كلّ مناسبة. فكلا الرّجلين يمثّلان تيّارا قد فاز بانتخابات شعبيّة لا يمكن القدح فيها، إلاّ أنّ كلا الرّجلين ليسا في صفّه فكرا و ممارسةً. فكان أن انتصر الغرب للدّعوات و التّحركات المعارضة لهما، في تجلٍّ واضحٍ لنفاق اتّسم به موقفه من الأحداث في البلدين.

فأكرانيا قد انتُزِعت - في نظري - من الحاضنة الرّوسية إلى الحاضنة الأمريكيّة ، و مصر قد رجعت للحاضنة الأمريكيّة من الحاضنة الشّعبية العربّية الإسلاميّة. و في كلتا الحالتين هناك مصلحة و ربح للغرب "الدّيمقراطي’"، و خسارة لمن يخالفهم و لو اختلفوا.

فأيًّا كانت النّتيجة في الحالتين فالولايات المتّحدة الأميركيّة رابحة للجولة الّتي لُعبت لحدّ السّاعة، رغم التّدخّل العسكري الروسي الأخيرفي "القرم" بأكرانيا، و رغم بقاء الانقلابيين في السلطة إلى اليوم في مصر. إلاّ أنّي و مع ذلك و في نظرة استشرافيّة بعيدةٍ أراها ستخسر الحرب لا محالة... الحرب الّتي تتجلّى كلّ يوم في شعور الشّعوب شيئا فشيئا بالغُبن و بالظّلم من تصرّفات الرّجل الغربي، و سياساته الّتي ليس فيها مبادئ، بل مصالح يطبعها تفقير و تجهيل لغيره من الشعوب، يُغلّفُ في بعض الفصول - و في دهاء لافت - بمال في شكل قرضٍ، أو علمٍ في شكل إعانةٍ لمدرسة أو لجامعة، أو حنانٍ و شفقةٍ زائدين على الحدّ في شكلِ موقفٍ لا يخدُمُ في الحقيقة إلّا سطوتَه.

و فكرة العدل الّتي لم أنفكّ أنادي بها، و أنظِّرُ لها - عبثيًّا - في العلاقات الدّولية، بالطّريقة التي تُعرف عليها بالضّبط في العلاقات الإنسانية بين الأفراد، و كما تحدّدت بالضّبط في الدّيانات السّماوية، لا يمكن أن تعمّ بين الشّعوب إذا لم تطالب هي بها و تعمل على تحقيقها، و لو في مستوًى ثنائيٍّ أو ثلاثيٍّ أو إقليميٍّ، لتجد لها بعد ذلك حتمًا صدًى في أرجاء العالم. لأنّ غياب العدل أدَّى لما نحن عليه اليوم في عالمنا من غبن وفقر و جهل و غطرسة.

و عليه فإنّ الأحرى بنا تجسيم هذه الفكرة بين بعضنا البعض، و نحن نسلّط الضّوء على نفاق الغرب و ازدواجيّة معاييره تجاه دولنا و منطقتنا، و بين باقي دول العالم. لأنّ هذا الغرب خاصّةً و منظومته عامّةً، لم يخلّف وراءه منذ تولّيه قياده العالم في الخمسمائة سنة الماضية، سوى القتل و الهرج و المرج و الفقر و المجاعات و الحرب و النّزاعات و السّرقة و النّهب. و ما الضحايا الذين سقطوا و سيسقطون في مصر و في أكرانيا، إلّا أرقامًا أُضيفت و ستُضاف إلى أعداد الضحايا و المظلومين الذين يتزايد عددهم كلّ يومٍ بسبب سياساته الأنانيّة الظالمة.

و ما أكرانيا و مصر، إلا صورتان اثنتان لنفس المشهد، و لنفس الأحداث، و لنفس البعد منها... إلا أن عنوان الأولى تخلّصنا من الرئيس و من مشروعه الروسي، و عنوان الثانية تخلصنا من الرئيس و من مشروعه الإسلامي.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

أكرانيا، الثورة الشعبية بأكرانيا، الثورات العربية، مصر، الإنقلاب على مرسي،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 4-03-2014  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

   بعد تفجير شارع بورقيبة ... ألو... القائد الأعلى للقوات المسلّحة؟
  إلى متى تنفرد الإدارة في صفاقس بتأويل خاصّ لقوانين البلاد 2؟
  "التوافق" في تونس بين ربح الحزب وخسارة الثورة
  "ترامب"... رحمة من الله على المسلمين
  حكاية من الغابة... حكاية اللئيم و الحمير
  بقرة ينزف ضرعـــها دما
  تعليقا على مؤتمر النهضة... رضي الشيخان ولم يرض الثّائر
  بعد مائة يوم على الحكومة... إلى أين نحن سائرون؟
  الغرب و الشّرق و "داعش" و "شارلي"
  "الإرهاب و مسألة الظّلم" ج3
  "الإرهاب و مسألة الظّلم" ج2
  "الإرهاب و مسألة الظّلم" ج1
  كيف تختار الرّئيس القادم؟
  قراءة في الانتخابات البرلمانية التونسية
  سكوتلاندا لا تنفصل... درس في المصلحيّة
  قراءة في النّسيج الانتخابي التّونسي
  "أردوغان" رئيسا لتركيا... تعازي غلبت التهاني
  "غزّة" و الإسلاميّون
  الانتخابات الفضيحة
  أُكرانيا و مصر و نفاق الغرب
  رئيسٌ آخر و حكومة جديدة.... قراءة في ما بعد الحدث
  بيان بخصوص رفض الأطبّاء العمل في المناطق الدّاخليّة
  بيان بخصوص إضراب القضاة
  سلطتنا التّنفيذيّة وعلامات الاستفهام
  سلطتنا القضائيّة و علامات الاستفهام
  الدّيمقراطية والبانديّـــة
  الحمار و الإرهابُ و هيبة الدّولــــــــة
  ثورة بلدي... قشّةٌ في بحر
  صحّ النّوم يا "ترويكا"
  الاقتصاد في الإسلام - ج7

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د - شاكر الحوكي ، حمدى شفيق ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، منى محروس، سامر أبو رمان ، عبد الغني مزوز، د. نانسي أبو الفتوح، د - صالح المازقي، إياد محمود حسين ، د - محمد عباس المصرى، الناصر الرقيق، د - محمد سعد أبو العزم، يحيي البوليني، صفاء العراقي، سيدة محمود محمد، عواطف منصور، د. عادل محمد عايش الأسطل، أنس الشابي، د. نهى قاطرجي ، عراق المطيري، عبد الله الفقير، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، الهادي المثلوثي، فاطمة حافظ ، رمضان حينوني، د. الشاهد البوشيخي، أبو سمية، كريم فارق، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، محمد اسعد بيوض التميمي، إسراء أبو رمان، محمد شمام ، عبد الرزاق قيراط ، عدنان المنصر، تونسي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د - المنجي الكعبي، د. خالد الطراولي ، علي الكاش، محمد عمر غرس الله، وائل بنجدو، مجدى داود، إيمان القدوسي، يزيد بن الحسين، جمال عرفة، سحر الصيدلي، د. أحمد محمد سليمان، د. الحسيني إسماعيل ، بسمة منصور، صلاح المختار، كمال حبيب، محمد تاج الدين الطيبي، محمد الطرابلسي، حسن الحسن، د - مصطفى فهمي، د- جابر قميحة، مصطفي زهران، مصطفى منيغ، د.محمد فتحي عبد العال، د. مصطفى يوسف اللداوي، طلال قسومي، أحمد بوادي، فهمي شراب، د.ليلى بيومي ، فراس جعفر ابورمان، جاسم الرصيف، د. محمد يحيى ، د. محمد عمارة ، شيرين حامد فهمي ، د - محمد بنيعيش، فتحي العابد، محمود طرشوبي، د- هاني ابوالفتوح، د- محمد رحال، خبَّاب بن مروان الحمد، محمود سلطان، د - الضاوي خوالدية، رافع القارصي، عمر غازي، رأفت صلاح الدين، ياسين أحمد، د - محمد بن موسى الشريف ، صباح الموسوي ، عزيز العرباوي، سيد السباعي، معتز الجعبري، أحمد ملحم، المولدي الفرجاني، هناء سلامة، محمد أحمد عزوز، خالد الجاف ، إيمى الأشقر، سلام الشماع، حاتم الصولي، د - أبو يعرب المرزوقي، حميدة الطيلوش، كريم السليتي، حسن الطرابلسي، حسن عثمان، سعود السبعاني، أحمد بن عبد المحسن العساف ، منجي باكير، ماهر عدنان قنديل، د. جعفر شيخ إدريس ، الهيثم زعفان، محمد الياسين، د - احمد عبدالحميد غراب، صالح النعامي ، صفاء العربي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، صلاح الحريري، مراد قميزة، محمود صافي ، محمد إبراهيم مبروك، علي عبد العال، محمد العيادي، ابتسام سعد، أ.د. مصطفى رجب، أحمد الغريب، سلوى المغربي، حسني إبراهيم عبد العظيم، رشيد السيد أحمد، أحمد النعيمي، فوزي مسعود ، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، نادية سعد، د. كاظم عبد الحسين عباس ، فتحـي قاره بيبـان، فتحي الزغل، عصام كرم الطوخى ، د. طارق عبد الحليم، سوسن مسعود، سفيان عبد الكافي، رحاب اسعد بيوض التميمي، العادل السمعلي، رضا الدبّابي، الشهيد سيد قطب، رافد العزاوي، سامح لطف الله، محرر "بوابتي"، د- محمود علي عريقات، فاطمة عبد الرءوف، د. محمد مورو ، عبد الله زيدان، د. صلاح عودة الله ، د. أحمد بشير، أحمد الحباسي، محمود فاروق سيد شعبان، أشرف إبراهيم حجاج، د - غالب الفريجات، د- هاني السباعي، د. عبد الآله المالكي، د - مضاوي الرشيد،
أحدث الردود
أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة