تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

النظام السياسي في تونس على مفترق الطرق، و سوء الفهم سيد الموقف

كاتب المقال شاكر الحوكي    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


ليس اختيار طبيعة النظام السياسي هو جوهر الإشكال و حقيقته اليوم، إنما التخلص من رواسب الماضي و خلفياته و التفكير بشكل موضوعي بعيدا عن الانفعال و ردود الأفعال، ذلك أن رفض النظام الرئاسي اليوم فيه تعجّل و تسرّع و المطالبة بالنظام البرلماني فيه مجازفة و مغامرة. و مهما يكن فان النظام السياسي التونسي لم يكن رئاسيا و لم يكن برلمانيا و ربّما لا تنسحب عليه حتى شروط النظام الرئاسوي، أما إذا ما اعتبرناه رئاسوي لانحرافه بالنظام الرئاسي بأي شكل من الإشكال فهو أيضا و بأي شكل من الأشكال انحرفا بالنظام البرلماني لاسيما بعدما تم تطعيمه بتقنيات النظام البرلماني لسنوات، و في كل الأحوال فان ما يتميز به النظام السياسي التونسي هو الاستئثار بالسلطة التنفيذية من قبل رئيس الدولة و اختلال التوازن بين بقية السلطات لفائدة السلطة التنفيذية.

و هو تميز لا نعثر عليه إلا في الدستور التونسي و ليس له أي علاقة بالنظام الرئاسي. من هنا فان الخلط بين النظام الرئاسي و النظام التونسي فيه تجني و الفرق بينهما شاسع و كبير، و لو كان النظام الرئاسي نظاما متسلطا ما كان للولايات المتحدة الأمريكية أن تصل إلى ما وصلت إليه من مستوى قانوني متقدم.

صحيح ان النظام الرئاسي لا يخلو من إمكانية الانحراف به، و لكنه يوفر الاستقرار السياسي و يستجيب إلى نظرية مونتسكيو المتعلقة بالفصل بين السلط و ينسجم مع الحالات الانتقالية و حتى الثورية، و ليس صدفة أن تعتمد الولايات المتحدة الأمريكية و هي في حالة شبه ثورية بعد حرب الانفصال النظام الرئاسي و الحال أن النموذج البريطاني كان ماثلا أمامها و كان بإمكانها أن تتبناه.

أما النظام البرلماني فرغم قدرته على احتضان كل الحساسيات السياسية و التنوعات الإيديولوجية، فان نجاحه يبقى رهن تراكم التجارب الدستورية و التطورات التاريخية و هو من هذه الناحية يأتي إفرازا طبيعيا لمرحة تاريخية سابقة و ليس إعلانا لمرحلة سياسية قادمة. و ليس صدفة أن تنجح الأنظمة البرلمانية في ظل الأنظمة الملكية و المجتمعات المستقرة المتميزة بالتماسك اللغوي و الحضاري و الديني و إلا فان مجرد الاختلاف في الرأي سرعان ما سيتحول إلى انقسامات و صراعات، و يصبح عدم الاستقرار سيد الموقف. وهو يحتاج إلى مجتمعات لها وعي سياسي كبير بحيث لا تسقط ضحية المزايدات السياسية الرخيصة و التجاذبات الحزبية التي بإمكانها تعطيل تشكيل الحكومة إلى اجل غير مسمى أو إسقاط الحكومة بين يوم و ليلة. و هو ما يمكن ملاحظته عبر تجارب عديدة كلبنان و العراق و ايطاليا و بلجيكا و حتى الكويت.

لا اعتقد أن التونسيين لهم ما يكفي من سعة البال و النفس الطويل لمتابعة الشأن العام و احتراف السياسة صباحا مساءا. ضمن اطر صحفية و إعلامية حرة و ففق تصورات ممنهجة و ايجابية. و نحن نرى اليوم كيف أن الإعلام التونسي قد عاد بنا إلى العهد البائد في محاولة حثيثة لتشتيت الرأي العام و توجيه أنظاره إلى المسلسلات و الرياضة، و بعد أيام سنجد المزود و قد استرجع موقعه على القنوات التونسية كأن شيئا لم يكن، حتى الأخبار العربية و هي أخبار ثورية باتت مستهدفة و تخلق نوعا من الضيق و القلق لدى المشرقين على سياسة الإعلام في تونس على اعتبار أنها لا تساهم في التهدئة و تفتح عقول الناس على تجارب و حقائق لا يريد أن يسمع إليها النظام و يتبناها.

باختصار لم يكن عيب النظام الرئاسي في نسخته التونسية عيبا في النظام ذاته و لكن في الأشخاص الذين كانوا فيه. و إذا ما اتفقنا على أن العيب يكمن في الأشخاص و ليس في النظام، فهذا يعني إن النظام البرلماني يمكن أن ينحرف به في اتجاه التسلط و الفساد إذا ما كان الأشخاص القائمين عليه منحرفين و مستبدين تماما كما إن النظام الرئاسي يمكن أن يكون ديمقراطيا إذا ما كان الأشخاص القائمين عليه ديمقراطيون.

لسنا من أنصار النظام الرئاسي الذي يتميز بمميزاته الخاصة و يصعب على النخب السياسية التعاطي معها و على مجتمعنا تفهمها، يكفي أن نذكر أن رئيس الدولة لا يملك حق اقتراح القوانين، وان السلطة الفعلية قد تتحول بيد القضاة. و لسنا من دعاة النظام البرلماني الذي يبقى و سيبقى دخيلا على مجتمعنا السياسي و يصعب التكيف معه بطريقة ايجابية إذ بمجرد أن ينسحب حزب واحد في حكومة ائتلافية يمكن أن ينجر عنه سقوط الحكومة بكاملها.

لم يعد هناك سوى النظام الشبه الرئاسي الذي اعتمدته فرنسا مع الجمهورية الخامسة و تبنته مختلف دول أوروبا الشرقية بعيد سقوط جدار برلين هو الأصلح للاهتداء به في المرحلة الراهنة ، و لكن اعتقادنا أن التجربة التونسية قادرة أن تفرز نظاما أكثر استجابة لواقع تونس الموضوعي. و يستجيب لظروفها الخاصة و إذا كان لزاما علينا أن نبقى في ظل ثنائية النظام البرلماني أو الرئاسي فبالإمكان اعتماد نظام يقوم على المزج بينهما. صحيح أن ما حصل منذ الاستقلال إلى الآن هو المزج بين مختلف عناصر النظام الرئاسي و النظام البرلماني بما يخدم الانفراد بالسلطة وهو ما أفضى وظيفيا إلى نظام رئاسوي و هيكليا إلى نظام برلمانوي، و لكن الوقت حان لكي نأخذ من النظام الرئاسي و من النظام البرلماني أفضل ما فيهما في عملية مزج ربما تأسس لنظام جديد يمكن وصفه بالنظام البرلماسي.

شاكر الحوكي


باحث في العلوم السياسية
وأستاذ قانون عام بكلية الحقوق و العلوم الاقتصادية و السياسية بسوسة


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، النظام الرئاسي، النظام البرلماني، الثورة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 13-03-2011  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  رسالة مفتوحة للرئيس السابق زين العابدين بن علي (*)
  و هذا نداء تونس
  الرد المفحم عن السؤال المبهم : هل تنتهي شرعية المجلس التأسيسي يوم 23 أكتوبر ؟
  مسودة الدستور: بين مكامن النقصان و تحقيق شروط الإتقان
  تونس و سوريا: الشعب و النخب و الطاغية الأسد
  في ذكرى وفاته: درويش، ذاك... الأنا
  تأملات في واقع المجتمع التونسي اليوم
  الدولة، النخب و التحديات: قراءة في الماضي و الحاضر و المستقبل
  "العهد الجمهوري" في تونس : ماهو فعلي و ما هو مفتعل
  نظرية التحول الديمقراطي و مصير النخب السياسية
  النظام السياسي في تونس على مفترق الطرق، و سوء الفهم سيد الموقف
  تونس و الثورة: من في خدمة من ؟
  العلمانيون في تونس : بين التخبط و الانتهازية
  عندما تصبح "الجزيرة" في مرمى "حنبعل": تطمس الحقائق و تحل الأكاذيب
  الشعوب العربية مدانة أيضا
  غزة و العرب و الدروس المستخلصة: من قمة الدوحة إلى قمة الكويت
  القول الفصل في ما بين اختيار إسرائيل للحرب أو الفرض
  السعودية و الغرب و حوار الأديان: من لا يملك إلى من لا يحتاج
  الخمار و الدخان في تونس: بين استحقاقات التدين و ضرورات الحداثة
  الدراما في تونس من الواقعية إلى الوقيعة
  لا حلّ في "شوفلّي حلّ"
  "إسرائيل" و "الفريب" في تونس

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د- محمود علي عريقات، رأفت صلاح الدين، إياد محمود حسين ، أشرف إبراهيم حجاج، الهادي المثلوثي، العادل السمعلي، بسمة منصور، محمد الطرابلسي، حسن الطرابلسي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د. محمد مورو ، د.ليلى بيومي ، حسني إبراهيم عبد العظيم، أبو سمية، منجي باكير، د. نهى قاطرجي ، الهيثم زعفان، حاتم الصولي، أحمد ملحم، عواطف منصور، فوزي مسعود ، محرر "بوابتي"، د. محمد يحيى ، محمود فاروق سيد شعبان، د - مضاوي الرشيد، الناصر الرقيق، د- محمد رحال، أحمد بوادي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، أحمد النعيمي، د. خالد الطراولي ، د. صلاح عودة الله ، د. محمد عمارة ، محمود سلطان، محمد عمر غرس الله، د - احمد عبدالحميد غراب، معتز الجعبري، سحر الصيدلي، د. جعفر شيخ إدريس ، محمود طرشوبي، إسراء أبو رمان، منى محروس، محمد العيادي، شيرين حامد فهمي ، د - محمد بن موسى الشريف ، مصطفى منيغ، صلاح المختار، صباح الموسوي ، د. نانسي أبو الفتوح، عمر غازي، حسن الحسن، سلام الشماع، يزيد بن الحسين، أحمد الحباسي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د- هاني السباعي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، جمال عرفة، تونسي، سيدة محمود محمد، سوسن مسعود، فتحي الزغل، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، فاطمة عبد الرءوف، محمد شمام ، علي الكاش، رحاب اسعد بيوض التميمي، الشهيد سيد قطب، هناء سلامة، رضا الدبّابي، د. أحمد بشير، عبد الله الفقير، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، كريم فارق، د - محمد بنيعيش، د - المنجي الكعبي، مجدى داود، سفيان عبد الكافي، صفاء العربي، خبَّاب بن مروان الحمد، د - الضاوي خوالدية، محمد إبراهيم مبروك، عبد الله زيدان، خالد الجاف ، حسن عثمان، سلوى المغربي، د - مصطفى فهمي، سامح لطف الله، د.محمد فتحي عبد العال، صالح النعامي ، د- هاني ابوالفتوح، علي عبد العال، ماهر عدنان قنديل، رافع القارصي، رمضان حينوني، صلاح الحريري، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د. أحمد محمد سليمان، فراس جعفر ابورمان، فهمي شراب، أ.د. مصطفى رجب، وائل بنجدو، د. طارق عبد الحليم، رافد العزاوي، عبد الغني مزوز، فتحي العابد، د. الحسيني إسماعيل ، أحمد الغريب، حميدة الطيلوش، د - محمد سعد أبو العزم، عدنان المنصر، يحيي البوليني، صفاء العراقي، ياسين أحمد، إيمان القدوسي، عراق المطيري، مصطفي زهران، د. كاظم عبد الحسين عباس ، محمد اسعد بيوض التميمي، سيد السباعي، د - غالب الفريجات، كريم السليتي، محمد أحمد عزوز، ابتسام سعد، د. مصطفى يوسف اللداوي، كمال حبيب، إيمى الأشقر، سامر أبو رمان ، د - صالح المازقي، طلال قسومي، د - أبو يعرب المرزوقي، نادية سعد، عزيز العرباوي، فاطمة حافظ ، د. الشاهد البوشيخي، مراد قميزة، سعود السبعاني، د - شاكر الحوكي ، محمد تاج الدين الطيبي، محمود صافي ، عصام كرم الطوخى ، د- جابر قميحة، حمدى شفيق ، عبد الرزاق قيراط ، المولدي الفرجاني، أنس الشابي، د. عبد الآله المالكي، د. عادل محمد عايش الأسطل، د - محمد عباس المصرى، رشيد السيد أحمد، محمد الياسين، فتحـي قاره بيبـان، جاسم الرصيف،
أحدث الردود
هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

نتيجة ما تعانيه بناتنا في الاتجاة نحو طريقا لانحبذة ولانرضه لكل فتاة أي كانت غنية اوفقيرة ولكن مشكلتنا في الدول العربية الفقر ولذاعلي المنظمات الاجتما...>>

من صدق مجتمع رايح فيها انا متزوج مغربيه بس مو عايشين هنا ولا ابغى ارجع المغرب رحتها يوم زواجي وماعدتها بلد دعاره بامتياز حتى الاسره المغربيه منحله الب...>>

أعيش في مصر جاءت احدي الفتيات المغربيات للعمل في نفس الفندق الذي اعمل به وبدأت باكثير من الاهتمام والإغراء والحركات التي تقوم بها كل امرأه من هذه النو...>>

Assalamo alaykom
Yes, you can buy it at the Shamoun bookshop in Tunis or any other; 4 ex: Maktabat al-kitab in the main street of capital....>>


Assalamo alaykom. I World like to Buy this new tafseer. Is it acai available in in the market? Irgendwie how i can get it? Thanks. Salam...>>

المغاربة المصدومين المغربيات تمارس الدعارة في مصر و لبنان و الخليج باكلمه و تونس و تركيا و البرازيل و اندونيسيا و بانكوك و بلجيكا و هولندا ...>>

- لا تجوز المقارنة علميًا بين ذكر وأنثى مختلفين في درجة القرابة.
- لا تجوز المقارنة بين ذكر وأنثى: أحدهما يستقبل الحياة والآخر يستدبرها.
...>>


الى هشام المغربى اللى بيقول مصر ام الدعارة ؟ انا بعد ما روحت عندكم المغرب ثلاث مرات لو مصر ام الدعارة اذا انتم ابوها و اخوها و خالتها و اختها و عمتها ...>>

الأخ أحمد أشكرك وأثمّن مساندتك...>>

الاخ فوزى ...ربما نختلف بالطول و العرض و نقف على طرفى نقيض و لكل واحد منا اسبابه و مسبباته ..لكن و كما سجلنا موقفنا فى حينه و كتبنا مقالا فى الغرض ند...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة