الأكثر قراءة   المقالات الأقدم    
 
 
 
 
تصفح باقي إدراجات الثورة التونسية
مقالات الثورة التونسية

"مسيرة الاستقلال بعد 60 عاماً.. قراءة"

كاتب المقال د - المنجي الكعبي - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


استضافني "مركز مسارات للدراسات الفلسفية والإنسانيات" بتونس، ومديره الأستاذ الدكتور فوزي العلوي، الى ندوة حوارية بمناسبة ذكرى الاستقلال تحت عنوان "مسيرة الاستقلال بعد ٦٠ عاماً... قراءة"، بمقر الأرشيف الوطني بالعاصمة.
وأسعدني ذلك لرمزية الحدث وأهمية الاحتفاء به في مركز تحظى فعالياته الفكرية والثقافية على مدار العام بتقدير ومنها مجلته الفصلية الموسومة باسمه "مسارات". وكانت فرصة لي للقاء بثلة من خيرة المتحدثين بالمناسبة مع جمهور متميز اعتاد على مواكبة نشاط المركز.
ولضيق الوقت بتبليغي بالدعوة قبل يومين لم أتردد في تقديم قراءة للحدث، أعقبها نقاش أثرته بطبيعة الحال مداخلات الزملاء المشاركين وتفاعل الحضور معها.
❊❊❊
وكشأن كل الذكريات والأحداث في حياة الأمم تجد من بين المحتفين بهذه المناسبات المتفائل والمتشائم والمتردد بين بين. وهذا القطاع الأخير هو الأجدر أخذه الى صف المتفائلين، لأنه في قضايا الأوطان والذكريات لا ينبغي تضخيم صف المتشائمين ولا صف المتفائلين اعتباطاً، فقاطرة الحياة تأبى التعطيل إذ هي بطبيعتها في حركة دائمة الى الأمام. واجترار التاريخ لا معنى له إذا لم يؤد الى فتح الآفاق لتحقيق الأحلام التي عجز عنها السابقون.
❊❊❊
والحديث عن استقلالنا لا يخلو من تبسيط أحياناً لا يناسب في كل مقام سرده على منحى يُغيّب بعض حقائقه للأجيال. فلقد كان يومُه سبب قطيعة حادة بين مناضلين وزعماء ومصلحين طالما حلموا بتحقيقه بالصورة الأمثل التي كانوا يبذلون النفس والنفيس من أجلها، فلما فاجأهم وهو على طبَق المسيو منداس فرانس منقوصاً وبمسمّى لم يكن يحلمون به، في صورة استقلال داخلي يفضي بعد عشرين عاماً إذا تم التقيد بشروطه الى استقلال تام. هو نفسه ليس بمعنى الحرية ولا التحرر الكامل من ربقة الاستعمار، المطلب الأساس للتونسيين. بل بمعنى الارتباط الدائم بفرنسا امتداداً لتعاون قائم منذ عقود سابقة، وعلى خلفية انقطاع تام لبلادنا عن كل انتماء سابق لها قومي أو ديني في وحدة أو خلافة أو نحوها.
تلك قصة الاستقلال، أو تاريخه، في كونه تاريخ لاتفاقية مؤهلة للاستقلال التام لا لذات الاستقلال. واستعير تاريخها حسماً للخلاف بين الدستوريين المنقسمين بسبب تلك الاتفاقية نفسها بين رافض ومؤيد.
وليس من المجازفة القول بأن هذه الصيغة من الاستقلال المنقوص التي ارتضتها قيادتنا الوطنية آنذاك، بعد أن عادت الى البلاد وأمسكت بزمام الأمور داخلياً بالتعاون مع فرنسا بحكم الاتفاقية ذاتها، كانت وراء أزماتنا المختلفة وليس فقط اليوسفية. بل كأنها كانت مستبطنة بالقوة من أيام القطيعة بين الثعالبي والحزب الجديد بقيادة الماطري وبورقيبة وبن صالح وغيرهم من شباب الزعماء يومها. واستمرت بعد اليوسفية بأشكال مختلفة، وفي خلفيتها دائماً الصراع بين المحافظين والمجددين حول هوية تونس وانتمائها الموزع ما بين الانتماء الغربي الأوروبي وفي مقدمته فرنسا بقيادة أمريكا، وبين التوجه العربي الإسلامي الذي تبنّى النهج الراديكالي، كأنما هو إحياء للثعالبي ولكنه في الأكثر مخاصمة لبورقيبة، وهكذا حتى من بعده في كل أزمة تعْرض لنا مع أشقائنا لغرض وحدة أو اتحاد أو تعاون. فلا تنطلق أزمة أو تلوح بوادرها أو يقوم تحرك شعبي أو انتفاضة أو ثورة في بلدنا إلا وتكون فرنسا بحكم تلك الاتفاقية العامة وملحقاتها التي لا تزال سارية المفعول المسابق الأول لمد يد العون لحكومتنا واحتواء الموقف لصالح البلدين.
وما بالعهد من قدم، كما يقال، كان جاءنا بعد أقل من أسبوعين من تغيير السابع من نوفمبر المسيو آلان بوهير رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي لمباركة التغيير وتقليد صاحبه أرفع وسام فرنسي للحقوق والحريات مع التنويه بالتزام حامله بالشرعية والديمقراطية دون نسيان تذكيره بالتعاون التونسي - الفرنسي الواجب دعمه وتأكيده. ونذكر كلنا كذلك زيارات المسيو فيليب سوغان والمسيو شيراك ومن بعده من الرؤساء المباشرين وغير المباشرين وحتى قبل المباشرة، الذين لا يتأخرون عن مساندتنا وفي ذهنهم دائماً بنود تلك المعاهدة، فلا يترددون في نعت مسؤولينا بأوصاف لا يجدون تحرجاً في إنكارها عندما يعودون بمواجهة صحافتهم الحرة كأنما هي تصريحات لتصريفها في الخارج فقط.
وليس فقط هذا التاريخ للاستقلال هو الذي استعرناه من اتفاقية سابقة عليه ليلائم سياسة بعينها اتبعناها للظروف أو الأزمات التي خلقها تعاوننا مع فرنسا، فهناك تاريخ آخر لا يقل رمزية الى هذه السياسة، هو تاريخ 9 أفريل 1938 الذي سميناه عيد الشهداء. فقد كان في الأصل يوم 8 من الشهر ذاته لا 9 ، ولكن لأن العلاقات مع فرنسا لم تُرد قيادتنا الوطنية آنذاك أن تصطبغ بالدم الذي سال ذلك يوم، لم نمض في الاحتفال بها مرتين أو ثلاث بعد الاستقلال حتى غيرناه الى اليوم التالي. وحتى الشارع باسمه نزعنا لوحته وغيرناها بنفس التاريخ المفضل 9 للإيحاء بالهدوء والسكينة التي سادت ذلك اليوم، أو عادت ذلك اليوم بعد الاصطدامات الدامية في اليوم قبله.
وحتى بعد زوال حكم بورقيبة، بقي حنين بعض المناضلين الذي شاركوا في ذلك اليوم في مظاهرة 8 أفريل 1938 الى التاريخ الذي رسخ في الذاكرة الحديثة بعد الاستقلال لا الى التاريخ الحقيقي الذي كان قائماً قبله، لاستذكار من استشهدوا يومها بقيادة الدكتور محمود الماطري والمنجي سليم وغيرهم، دون المجاهد الأكبر الذي تقول الروايات إنه كان على فراش المرض ولم يأذن بالمظاهرة لأنه لا يريد المواجهة ولا يحبذ الصدام الدموي.
فكأن القدر اختارنا لتحقيق استقلالنا على مراحل، ربما تمتد الى أكثر من ستين سنة، ولم يؤهلنا ربما بحكم مزاجنا أو موقعنا الجغرافي- السياسي الى غير ذلك من الأقدار التي عرفتها بعض الدول للحصول على استقلالها، والتي قد تكون هي نفسها ليست في الوضع الأحسن منا في ممارسته على أرض الواقع، بسبب تعقد العلاقات الدولية وموازين القوى. أو ربما لطبيعة الاستعمار الذي عانيناه خمساً وسبعين عاماً.
ونحن نتحدث عن استقلال نطمح اليه بالتقدم في العلم والعمل وكل أدوات القوة، لا عن دولة خرجت من توها من ربقة الهيمنة الأجنبية عقوداً أعاقتها على ما دون اقتضاء الحد الأدنى من استقلالها عنه بالكفاح المسلح والمقاومة، بما أوتيها الله من مصلحين وزعماء ومناضلات ومناضلين حتى تحقق منه ما تحقق، وبات أكبره قابلاً للتحقق ونحن أحسن استقلالاً ممن ليس بدونه اليوم أو في الدرك الأسفل منه، وهو يعاني من أجل استرجاع أرضه أو استعادة كرامته وحريته المهدورة ضمن ما يريده شعبه من اتحاد مع من يريد أو تكتل لحماية مصالحه وتحرير قدراته على التقدم والعزة.

--------
تونس في 11 أفريل 2016


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، ذكرى إستقلال تونس، الإستقلال، التبعية لفرنسا، وثيقة الإستقلال،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 11-04-2016  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك
شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د - غالب الفريجات، سوسن مسعود، محمد الطرابلسي، إيمى الأشقر، سامح لطف الله، كمال حبيب، د - الضاوي خوالدية، محمد الياسين، د. طارق عبد الحليم، سيد السباعي، د. محمد يحيى ، د. محمد عمارة ، د.ليلى بيومي ، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د. مصطفى يوسف اللداوي، مجدى داود، أحمد بوادي، عدنان المنصر، رضا الدبّابي، رأفت صلاح الدين، د- هاني ابوالفتوح، عبد الله الفقير، د. جعفر شيخ إدريس ، محمد عمر غرس الله، د. الحسيني إسماعيل ، د- محمود علي عريقات، عراق المطيري، العادل السمعلي، منجي باكير، منى محروس، ماهر عدنان قنديل، جمال عرفة، أحمد الغريب، سامر أبو رمان ، د - محمد سعد أبو العزم، د. خالد الطراولي ، أ.د. مصطفى رجب، هناء سلامة، الشهيد سيد قطب، د - مصطفى فهمي، د. نهى قاطرجي ، سلوى المغربي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، فوزي مسعود ، سحر الصيدلي، علي عبد العال، طلال قسومي، رشيد السيد أحمد، د. نانسي أبو الفتوح، محمود طرشوبي، أحمد الحباسي، د - محمد بن موسى الشريف ، ياسين أحمد، د - مضاوي الرشيد، إيمان القدوسي، د- محمد رحال، سلام الشماع، كريم فارق، د- جابر قميحة، عزيز العرباوي، المولدي الفرجاني، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، إسراء أبو رمان، د. عبد الآله المالكي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د.محمد فتحي عبد العال، د. صلاح عودة الله ، عصام كرم الطوخى ، أشرف إبراهيم حجاج، معتز الجعبري، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، رحاب اسعد بيوض التميمي، صفاء العراقي، سفيان عبد الكافي، إياد محمود حسين ، محمد العيادي، كريم السليتي، جاسم الرصيف، شيرين حامد فهمي ، حسن عثمان، أحمد بن عبد المحسن العساف ، أبو سمية، ابتسام سعد، عواطف منصور، حمدى شفيق ، د - أبو يعرب المرزوقي، الهادي المثلوثي، د - محمد بنيعيش، صلاح الحريري، فتحـي قاره بيبـان، نادية سعد، فاطمة حافظ ، خبَّاب بن مروان الحمد، فراس جعفر ابورمان، د - شاكر الحوكي ، الناصر الرقيق، علي الكاش، محمد تاج الدين الطيبي، حسني إبراهيم عبد العظيم، يحيي البوليني، محمد اسعد بيوض التميمي، سعود السبعاني، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، محمد شمام ، فتحي الزغل، د. محمد مورو ، فاطمة عبد الرءوف، محمد أحمد عزوز، فتحي العابد، حسن الحسن، د. الشاهد البوشيخي، تونسي، مراد قميزة، رمضان حينوني، د - محمد عباس المصرى، د. أحمد بشير، الهيثم زعفان، محمود فاروق سيد شعبان، حميدة الطيلوش، أحمد النعيمي، د. أحمد محمد سليمان، مصطفي زهران، أنس الشابي، عبد الغني مزوز، صباح الموسوي ، د - صالح المازقي، صالح النعامي ، محمود صافي ، فهمي شراب، رافع القارصي، يزيد بن الحسين، خالد الجاف ، د - احمد عبدالحميد غراب، سيدة محمود محمد، د - المنجي الكعبي، حسن الطرابلسي، صلاح المختار، بسمة منصور، حاتم الصولي، عمر غازي، محمد إبراهيم مبروك، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، وائل بنجدو، عبد الرزاق قيراط ، مصطفى منيغ، عبد الله زيدان، د. عادل محمد عايش الأسطل، د- هاني السباعي، أحمد ملحم، محرر "بوابتي"، رافد العزاوي، محمود سلطان، صفاء العربي،
أحدث الردود
أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

نتيجة ما تعانيه بناتنا في الاتجاة نحو طريقا لانحبذة ولانرضه لكل فتاة أي كانت غنية اوفقيرة ولكن مشكلتنا في الدول العربية الفقر ولذاعلي المنظمات الاجتما...>>

من صدق مجتمع رايح فيها انا متزوج مغربيه بس مو عايشين هنا ولا ابغى ارجع المغرب رحتها يوم زواجي وماعدتها بلد دعاره بامتياز حتى الاسره المغربيه منحله الب...>>

أعيش في مصر جاءت احدي الفتيات المغربيات للعمل في نفس الفندق الذي اعمل به وبدأت باكثير من الاهتمام والإغراء والحركات التي تقوم بها كل امرأه من هذه النو...>>

Assalamo alaykom
Yes, you can buy it at the Shamoun bookshop in Tunis or any other; 4 ex: Maktabat al-kitab in the main street of capital....>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضات من طرفه أومن طرف "بوابتي"

كل من له ملاحظة حول مقالة, بإمكانه الإتصال بنا, ونحن ندرس كل الأراء