تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

تونس : الإنتخابات ليست حلاًّ

كاتب المقال وائل بنجدو - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


تستعد تونس للانتخابات التشريعية و الرئاسية و رغم ما يبدو من اختلاف و تناقض بين الأحزاب السياسية و المترشحين فإنهم يدعون جميعا من يمينهم إلى يسارهم أن الورقة التي سيضعها الناخب يوم الإقتراع مكتوب عليها الوصفة السحرية لتجاوز الأزمة التي تعيشها البلاد على مختلف الأصعدة منذ عشرات السنين . فما مدى صحة هذا الإدعاء ؟ و هل سيكون فعلا صندوق الإنتخابات بمثابة مصباح علاء الدين الذي تتحقق به أماني الناس بمجرد الإعلان عن نتائجها ؟

للإجابة على هذان السؤالان يجب العودة قليلا للوراء و تتبع تسلسل الأحداث في تونس حتى يتسنى لنا قراءة هذا الحدث ( أي الإنتخابات ) ضمن سياقه التاريخي و الظروف الموضوعية التي فرضته . أدركت الجماهير يوم 17 ديسمبر 2010 بوعيها الحسي و مع تدنِّي ظروفها الإقتصادية و الإجتماعية أن النظام الحاكم في تونس أصبح عائقا أمام تقدمها و أنه سبب بؤسها و شقائها فصاغت الشعار المركزي للإنتفاضة ـــ مستلهمة إياه من إحدى أبيات الشاعر الخالد أبو القاسم الشابي ـــ :’الشعب يريد إسقاط النظام’ .

إن هذا الشعار الثوري يعني الإطاحة بالطبقات الحاكمة و المرتبطة بالدول الإمبريالية خاصة فرنسا و الولايات المتحدة الأمريكية لكن ما حصل يوم 14 جانفي 2011 بهروب بن علي هو إسقاط لرأس النظام أما الجوهر الحقيقي للنظام بتشكيلته الإقتصادية و الإجتماعية و إرتهانه لتلك البلدان فلا يزال على حاله . و منذ ذلك التاريخ و عملية قصف العقول ماضية على قدم و ساق لإيهام الناس أن الثورة إنتصرت و أن النظام قد سقط ، كل ذلك حتى يقع قطع الطريق أمام كل محاولة للإحتجاج و تجريمها . لكن الحقيقة التي ترسل أشعتها في كل أرجاء تونس أن الشعب لا زال يئنُّ تحت وطأة الفقر و أن ما يتم إنتاجه منذ 14 جانفي 2011 لا يعدو كونه ديمقراطية شكلية تتداول من خلالها الرجعية الليبيرالية و الرجعية الدينية على الحكم دون المس بجوهر النظام و إختياراته الإقتصادية المرتهنة للدوائرالإمبريالية ، و هو ما حصل تقريبا في أروبا الشرقية التي تحولت بلدانها إلى قواعد عسكرية لحلف الناتو . و في هذا السياق تتنزّل هذه الإنتخابات التي تهدف لإيجاد شرعية جديدة بعد تآكل شرعية الترويكا الحاكمة منذ 23 أكتوبر 2011 و على رأسها حركة النهضة الإسلامية . و لن تختلف طبيعة السلطة القادمة عن سابقتها بالنظر إلى طبيعة التناقض الرئيسي الذي يشق القطر التونسي و كافة أرجاء الوطن العربي و هو التناقض بين الإمبريالية و عملائها من جهة و بين الطبقات الشعبية من جهة أخرى ، ذلك أنه في ظل واقع موسوم بغياب حل للمسألة الوطنية العالقة فإن الإنتخابات ليست سوى جسرا لتعويض عملاء مفضوحين بعملاء جدد أو للمحافظة على نفس العملاء بمزيد إضفاء شرعية زائفة على حكمهم .

و لا تمثل الإنتخابات التونسية خروجا عن هذه القاعدة و هي تتم عبر توجيه للرأي العام من قبل أغلب وسائل الإعلام التي تتنافس في الدعاية إمَّا لحركة ‘نداء تونس’ الذي يتأرسها الباجي قايد السبسي (صاحب التاريخ الأسود في وزارة الداخلية خلال الستينات من القرن الماضي و عضو برلمان بن علي ) و إمَّا لحركة النهضة التي حوَّلت البلاد لمرتع للعصابات الإرهابية الإسلامية و أصبحت تونس بفضلها من المصدرين الأوائل للإرهابيين في سوريا و العراق . إن هذا الصراع بين هتين الحركتين اليمينيَّتين هو صراع داخل نفس النظام فقد تم الإتفاق بينهما و مع الأطراف الدولية الراعية لهما على ما هو أساسي كالتوجهات الإقتصادية اللاوطنية و اللاشعبية ، أمَّا ما بينهما من إختلافات فهي عبارة عن جزئيات تتعلق بتصوّراتهما للنمط المجتمعي الذي يجب أن يسود في تونس .

وقد وُضع لهذه الإنتخابات قانون إنتخابي على مقاس الأحزاب الرجعية حيث كان من المفترض أن يتم تخصيص نسبة للشباب و النساء و العمال ...و أن تكون الدوائر الإنتخابية صغيرة جغرافيا ليتمكن الناخب من إختيار نواب يعرفهم و يعرف نضاليتهم . لكن الذين يشكلون المشهد السياسي المتعفن في تونس لا يمكن لهم إلا أن يصوغوا قانونا إنتخابيا يضمن لهم إستمرارية حكمهم بعد الإنتخابات . أضف إلى كل هذا المال السياسي الذي تملأ به القوى الخليجية و الدولية جيوب حلفائهم لمساعدتهم للوصول للسلطة ، و قد إعترف شفيق صرصار رئيس الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات بإستحالة مراقبة المال السياسي . إن هذا الإعتراف هو عبارة عن تصريح ضمني بأن الإنتخابات مزورة قبل وقوعها !!!

و تكشف عديد الطعون المقدمة ضد أعضاء هذه الهيئة المشرفة على الإنتخابات (خاصة الهيئات الفرعية) و بعض المنظمات المعنية بمراقبة سير الإنتخابات عن إختراقها من بعض الأحزاب خاصة حركة النهضة .

و لم تختلف هذه الحملة الإنتخابية عن إنتخابات 23 أكتوبر 2011 في اللجوء لبعض الأساليب القذرة التي لا تساهم في الإرتقاء بوعي المواطن و إنما ترسخ لديه ثقافة متخلفة و من ذلك اللعب على وتر ‘العروشيَّة’ (القبلية) و الجهويَّة و دغدغة المشاعر الدينية للجماهير ورشوة الناخبين بأعمال الإحسان ـــ خاصة من قبل الجمعيات الإسلامية القريبة من حركة النهضة ــــ التي لا تساهم إلا في تخريب الوعي الطبقي للجماهير . و قد وصل السقوط الأخلاقي و القيمي الذي يميِّز جلَّ الحملات الإنتخابية حدّ دعوة الناخبين من قِبل رئيس الجمهورية المنصف المرزوقي لقبول الرشاوي من منافسيه و عدم التصويت لهم.

ختاما فإنه و بالرجوع لكل ما سبق لن تكون الإنتخابات القادمة سوى حلقة من مسلسل الإلتفاف على إنتفاضة 17 ديسمبر و هي الطريق لترميم النظام بعد ما أصابه من هزات متتالية و من هنا فإن مقاطعة هذه المسرحية التي سيصل عبرها بعض المجرمين للسلطة و مواصلة النضال ضد هذا النظام و رفض الإنخراط ضمن منظوماته و ميكانيزماته التي يجدد بها نفسه بعد كل أزمة ( و منها الإنتخابات القادمة) هي الطريق لتحقيق مكاسب ملموسة للمضطهدين الذين حولتهم الأحزاب العميلة و المنافقة إلى مجرد أوراق إنتخابية .


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الثورة التونسية، الإنتخابات التونسية، الإنتخابات التشريعية، حركة النهضة، حركة نداء تونس،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 24-10-2014  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  فوضى الإعلام التونسي
  تونس : الإنتخابات ليست حلاًّ
  عن مواجهة الإرهاب
  رؤوس أقلام
  لحظة الإنحياز
  حملة إنتخابية
  الحرب على غزة : الأسباب، النتائج و الدروس
  الوقوف أمام محكمة الشعب
  شرعية "يقين"
  أهداف العدوان الإمبريالي ضد سوريا
   لنلتفت إلى الأرياف
  بن جعفر : الصهيوني الوقح
  لتسقط كل الدمى: ردا على مقال د.سالم الأبيض "طبقة الدمى السياسية"
  حول الإنتخابات المصرية
  "الإتحاد العام لطلبة تونس الممثل الشرعي و الوحيد"
  واقعيّة حمص
  فلسطين والارتماء في أحضان الأمم المتحدة
  "استفتاء الخداع"
   السّبسي... كش مات!
  بنية النظام و أركانه المتشبثة بالحكم
  رفض التطبيع من أهداف الثورة التونسية

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
العادل السمعلي، د - الضاوي خوالدية، أحمد الحباسي، د- جابر قميحة، إسراء أبو رمان، فتحي العابد، محمد الطرابلسي، فاطمة حافظ ، د - المنجي الكعبي، يزيد بن الحسين، محمود طرشوبي، أحمد الغريب، مجدى داود، منجي باكير، صباح الموسوي ، جمال عرفة، كريم السليتي، أبو سمية، د. خالد الطراولي ، مصطفى منيغ، حسني إبراهيم عبد العظيم، د.ليلى بيومي ، ماهر عدنان قنديل، محمد الياسين، خالد الجاف ، خبَّاب بن مروان الحمد، عبد الرزاق قيراط ، عبد الله الفقير، د. كاظم عبد الحسين عباس ، صفاء العراقي، د. عبد الآله المالكي، محمود سلطان، سوسن مسعود، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د. نانسي أبو الفتوح، محمد إبراهيم مبروك، فهمي شراب، رأفت صلاح الدين، حسن عثمان، عزيز العرباوي، علي عبد العال، رمضان حينوني، كمال حبيب، وائل بنجدو، د- هاني السباعي، الهادي المثلوثي، د. محمد يحيى ، إيمان القدوسي، رشيد السيد أحمد، د. الشاهد البوشيخي، سيدة محمود محمد، حسن الطرابلسي، إياد محمود حسين ، ابتسام سعد، د- محمود علي عريقات، د. الحسيني إسماعيل ، محمود فاروق سيد شعبان، د. محمد مورو ، عبد الله زيدان، نادية سعد، د - محمد سعد أبو العزم، فوزي مسعود ، مراد قميزة، د. عادل محمد عايش الأسطل، صفاء العربي، فتحي الزغل، رحاب اسعد بيوض التميمي، هناء سلامة، د- هاني ابوالفتوح، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د - مضاوي الرشيد، تونسي، أشرف إبراهيم حجاج، سامح لطف الله، فتحـي قاره بيبـان، فاطمة عبد الرءوف، محمد عمر غرس الله، محمد اسعد بيوض التميمي، د. أحمد بشير، د - صالح المازقي، د.محمد فتحي عبد العال، رافع القارصي، عبد الغني مزوز، عصام كرم الطوخى ، فراس جعفر ابورمان، د. مصطفى يوسف اللداوي، محمود صافي ، د - احمد عبدالحميد غراب، الناصر الرقيق، د. محمد عمارة ، محمد تاج الدين الطيبي، د - مصطفى فهمي، عراق المطيري، د - محمد عباس المصرى، محمد العيادي، طلال قسومي، إيمى الأشقر، أحمد بن عبد المحسن العساف ، عواطف منصور، ياسين أحمد، سحر الصيدلي، محمد أحمد عزوز، د. ضرغام عبد الله الدباغ، سيد السباعي، د. جعفر شيخ إدريس ، عمر غازي، د. أحمد محمد سليمان، سلوى المغربي، د - أبو يعرب المرزوقي، سعود السبعاني، منى محروس، صلاح المختار، سلام الشماع، د. صلاح عودة الله ، د - محمد بنيعيش، أنس الشابي، محمد شمام ، د. نهى قاطرجي ، أحمد ملحم، حاتم الصولي، سامر أبو رمان ، الشهيد سيد قطب، صالح النعامي ، يحيي البوليني، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، رضا الدبّابي، صلاح الحريري، محرر "بوابتي"، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، رافد العزاوي، معتز الجعبري، الهيثم زعفان، عدنان المنصر، بسمة منصور، حمدى شفيق ، مصطفي زهران، د. طارق عبد الحليم، أحمد النعيمي، د - غالب الفريجات، أحمد بوادي، أ.د. مصطفى رجب، د - شاكر الحوكي ، شيرين حامد فهمي ، كريم فارق، علي الكاش، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، حميدة الطيلوش، د - محمد بن موسى الشريف ، حسن الحسن، د- محمد رحال، سفيان عبد الكافي، المولدي الفرجاني، جاسم الرصيف،
أحدث الردود
أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة