تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

"استفتاء الخداع"

كاتب المقال وائل بنجدو - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


بعد هروب الرئيس المخلوع من غضب الثورة ظهرت عديد المقترحات الساعية للتأسيس لمرحلة ما بعد "بن علي"، وكانت في أغلبها اقتراحات حاولت تحويل الثورة إلى مجرد انقلاب النظام على رأسه مع إدخال بعض التعديلات الشكلية عليه والتي لا تمس جوهره. فكان من بينها التوجه لانتخابات رئاسية في غضون ستة أشهر بنفس الدستور البالي الذي ميز نظام 7 نوفمبر، ومنها أيضا تعديل بعض الفصول في نفس الدستور وكذلك العودة لدستور 1959. لكن الشعب التونسي كان يعلم أن كل هذه الاقتراحات هي محاولات يائسة للنفخ في جثة هامدة، فتوجه الثوار إلى النضال من أجل فرض انتخابات المجلس الوطني التأسيسي ونجحوا في ذلك إثر اعتصام القصبة 2، ولكن انطلقت حملة في الأوساط الرسمية تدعو إلى استفتاء حول تحديد مهمة المجلس التأسيسي في إعداد الدستور خلال مدة زمنية تتراوح بين 6 أشهر وسنة.
فما هي الغاية من الاستفتاء ؟

فلنتذكر جيدا أن هذا الاستفتاء كان اقتراح الأحزاب التجميعية في 1 جوان، الذين ليس من صالحهم القضاء النهائي على النظام السياسي الاستبدادي، لأن ذلك سيفقدهم بالتأكيد عديد الامتيازات.
إن هذا الاستفتاء هو في الأصل استفتاء حول التخلي عن خيار المجلس التأسيسي بطريقة ملتوية ومخادعة، ذلك أنه يتنافى مع المفهوم الأصلي لهذا المجلس من خلال حصر مهمته في كتابة الدستور.
إذا كانت مهمة المجلس التأسيسي هي القطع التام والنهائي مع النظام الاستبدادي، وإرساء أسس النظام الديمقراطي، فهل يمكن أن يتم ذلك فقط من خلال الدستور ؟

يعتبر الدستور "أبو القوانين" الذي تقوم عليه التشريعات المقبلة وهو الذي ينظم أسس إدارة الدولة، ولكن عديد البلدان تمتلك دساتير ديمقراطية، في حين ترزح تحت نيران الظلم والاستبداد، فالديمقراطية في الأساس نظام سياسي وثقافة وسلوك اجتماعي وقوانين ومؤسسات معا، بمعنى أنه لا يمكن تطبيق فصول الدستور – حتى إن كانت أكثر الدساتير ديمقراطية – إذا لم تتوفر الأرضية الملائمة لذلك :

•لا يختلف إثنان على أن استقلال القضاء هو إحدى أهم ضمانات الانتقال الديمقراطي، فكيف يمكن لمجلس تأسيسي مجرد من صلاحياته التأسيسية والتنفيذية أن يتخذ القرارات الأزمة خدمة لهذا البلد ؟ !
•من المسائل الأخرى التي ظلت عالقة بسبب عجز أو تواطئ الحكومة الحالية ملف القناصة والقتلة الذين وقعت ترقيتهم ومازالت وزارة الداخلية تتستر عليهم بكل السبل بما في ذلك المرد على أحكام القضاء !
•القضاء على كل الأجهزة القمعية السرية منها و العلنية وإعادة بناء المنظومة الأمنية التي كانت تمثل الذراع العسكرية بيد النظام وتحويلها إلى أمن جمهوري همه الأول أمن العباد والبلاد.
•مراجعة المديونية و الاتفاقيات الدولية السابقة...

من هنا فإن عملية الانتقال الديمقراطي لا ترتبط فقط بكتابة دستور يقر إرادة الشعب، بل أيضا ببناء المؤسسات وتوفير الشروط لتطبيقه، ولن يتم ذلك إلا عبر حكومة تعبر عن الثورة وتمثل مبادئها، وليس بحكومة "الباجي قائد السبسي" التي تنكرت حتى لجرحى الثورة (الذين يسقطون نتيجة الإهمال الصحي)، متناسية أن وجودها على سدة الحكم يعود الفضل فيه لكل فكرة دم سالت على أرض تونس.
مع كل هذه المفارقات يدافع دعاة هذا الاستفتاء عن بقاء هذه الحكومة حتى بعد انتخاب المجلس التأسيسي.

أما محسن مرزوق – المدافع الشرس عن هذا الخيار و نجم الإعلام في هده الفترة – وبعد أن بات مسلما أن الناس لن تقبل بتواصل الحكومة الحالية فيقول : "لم نستثن توجه تغيير الحكومة" ولكنه يستثني في ذات الوقت أن تعيين الحكومة من قبل المجلس التأسيسي أو تنبثق عنه، فمن سيعين هذه الحكومة؟
بالتأكيد سيكون (حسب هذا الاقتراح) السيد "فؤاد المبزع" – رئيس برلمان "بن علي" السابق – ومن ورائه حكومة الظل وبالتالي ستبقى السلطة التنفيذية ممثلة في الحكومة بيد أركان النظام النوفمبري، وهو ما لا يخدم الثورة بأي حال من الأحوال.
أكد "الباجي قايد السبسي" في أول ظهور له كرئيس للحكومة أن سيسلم الأمانة لأصحابها (أي السلطة التي لم يكن أمينا عليها) يوم 24 جويلية سواء وقعت الانتخابات أم لم تقع. وعاد ليؤكد في آخر خطاباته أن الحكومة سترحل بعد عقد أول اجتماع للمجلس التأسيسي ولكنه أطلق في ذات الوقت حملة إعلامية من أبواق السلطة لتمرير هذا الاستفتاء المهزلة !

يتضمن كذلك هذا الاقتراح دعوة إلى انتخاب رئيس جمهورية وبرلمان في ظرف عام : إن هذه الانتخابات التي تسبق بناء المؤسسات الديمقراطية هي عودة إلى نقطة البداية. أما في ظل نظام القانون المكتمل البناء على يد المجلس التأسيسي وحكومته فإن إعادة إنتاج الفساد والاستبداد هي ضرب من المستحيل حتى بوجود المستبدين والفاسدين.

يتساءل "بنو استفتاء" (كما سماهم منصف المرزوقي) : لماذا يخاف المعترضون على هذا الاستفتاء من قرار الشعب التونسي ؟ أما أنا فأسألهم : لماذا تخافون من إرادة الشعب التونسي المتمثلة في المجلس التأسيسي باعتباره منتخبا مباشرة من الشعب ؟ ! إنها السياسة الانتقائية وسياسة الكيل بمكيالين حتى في ما يخص إرادة الشعب.
نفس الذين كانوا ينادون بعدم الخروج عن "التوافق" والشرعية (بالنسبة لهم انقلاب 7 نوفمبر أسمى أنواع الشرعية) أيام بن علي أصبحوا اليوم يخافون من الشرعية الانتخابية ويحاولون محاصرتها والحد منها بمساعدة بعض أحزاب "المعارضة" التي لم تخفي دفاعها عن نظام بن علي منذ 13 جانفي حين خرجت مهللة بخطابه الأخير، وهي ذات القوى والشخصيات التي جعلت من نفسها الناطقة الرسمية باسم السلطة والتي عارضت منذ البداية خيار المجلس التأسيسي.

إن الاستفتاء المصاحب للانتخابات الذي ينادي به الناطقون الرسميون باسم السلطة، هو دعوة خبيثة لان يعلن الناخب عن ندمه على ما أقترفه من "ذنب" حين أختار مرشحيه و ذلك عبر القيام بتجريدهم من صلاحياتهم و انتخاب مجلس مبتور الأطراف و غير قادر على اتخاذ قرارات لصالح الثورة. لا بديل لإتمام مهام الثورة عن انتخاب مجلس تأسيسي لديه كل الصلوحيات وقادر على افتكاك السلطة من بقايا نظام بن علي.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الثورة التونسية، الثورة المضادة، المجلس التأسيسي، الإستفتاء، محسن مرزوق،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 7-09-2011  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  فوضى الإعلام التونسي
  تونس : الإنتخابات ليست حلاًّ
  عن مواجهة الإرهاب
  رؤوس أقلام
  لحظة الإنحياز
  حملة إنتخابية
  الحرب على غزة : الأسباب، النتائج و الدروس
  الوقوف أمام محكمة الشعب
  شرعية "يقين"
  أهداف العدوان الإمبريالي ضد سوريا
   لنلتفت إلى الأرياف
  بن جعفر : الصهيوني الوقح
  لتسقط كل الدمى: ردا على مقال د.سالم الأبيض "طبقة الدمى السياسية"
  حول الإنتخابات المصرية
  "الإتحاد العام لطلبة تونس الممثل الشرعي و الوحيد"
  واقعيّة حمص
  فلسطين والارتماء في أحضان الأمم المتحدة
  "استفتاء الخداع"
   السّبسي... كش مات!
  بنية النظام و أركانه المتشبثة بالحكم
  رفض التطبيع من أهداف الثورة التونسية

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
سفيان عبد الكافي، محمد الطرابلسي، فتحي العابد، حسن عثمان، يزيد بن الحسين، د. أحمد محمد سليمان، طلال قسومي، مصطفى منيغ، د. الحسيني إسماعيل ، د. كاظم عبد الحسين عباس ، جاسم الرصيف، فاطمة عبد الرءوف، صلاح الحريري، يحيي البوليني، فتحي الزغل، عبد الرزاق قيراط ، فهمي شراب، عواطف منصور، د - محمد بنيعيش، شيرين حامد فهمي ، رشيد السيد أحمد، د. عبد الآله المالكي، ياسين أحمد، محرر "بوابتي"، جمال عرفة، محمد أحمد عزوز، د. نانسي أبو الفتوح، د- محمد رحال، خبَّاب بن مروان الحمد، عزيز العرباوي، صلاح المختار، د - مضاوي الرشيد، عدنان المنصر، كريم فارق، سعود السبعاني، علي الكاش، أنس الشابي، محمد إبراهيم مبروك، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، خالد الجاف ، د - محمد سعد أبو العزم، رأفت صلاح الدين، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، محمد شمام ، د. أحمد بشير، فوزي مسعود ، فتحـي قاره بيبـان، د - شاكر الحوكي ، فاطمة حافظ ، سلوى المغربي، أشرف إبراهيم حجاج، منى محروس، محمد اسعد بيوض التميمي، كمال حبيب، أحمد الحباسي، كريم السليتي، إيمان القدوسي، الناصر الرقيق، حسني إبراهيم عبد العظيم، د - أبو يعرب المرزوقي، محمود صافي ، بسمة منصور، د . قذلة بنت محمد القحطاني، سلام الشماع، عبد الله زيدان، حميدة الطيلوش، عراق المطيري، د - غالب الفريجات، د.محمد فتحي عبد العال، أ.د. مصطفى رجب، حسن الطرابلسي، محمود طرشوبي، د. محمد عمارة ، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، عبد الله الفقير، ابتسام سعد، د. مصطفى يوسف اللداوي، حسن الحسن، د- هاني ابوالفتوح، أحمد النعيمي، د. الشاهد البوشيخي، إيمى الأشقر، رافع القارصي، حاتم الصولي، الهيثم زعفان، د. خالد الطراولي ، د. محمد يحيى ، العادل السمعلي، محمود سلطان، إسراء أبو رمان، أحمد ملحم، د.ليلى بيومي ، صفاء العربي، صفاء العراقي، الهادي المثلوثي، رمضان حينوني، أبو سمية، د - محمد عباس المصرى، سيدة محمود محمد، د. نهى قاطرجي ، د- هاني السباعي، د- محمود علي عريقات، منجي باكير، مجدى داود، عمر غازي، محمد عمر غرس الله، د. ضرغام عبد الله الدباغ، تونسي، أحمد الغريب، معتز الجعبري، الشهيد سيد قطب، هناء سلامة، د. صلاح عودة الله ، محمد تاج الدين الطيبي، سيد السباعي، علي عبد العال، سوسن مسعود، د. جعفر شيخ إدريس ، د. طارق عبد الحليم، مراد قميزة، محمود فاروق سيد شعبان، رافد العزاوي، إياد محمود حسين ، محمد العيادي، محمد الياسين، د - مصطفى فهمي، د - محمد بن موسى الشريف ، سامر أبو رمان ، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د - صالح المازقي، د - احمد عبدالحميد غراب، د- جابر قميحة، سامح لطف الله، المولدي الفرجاني، حمدى شفيق ، رضا الدبّابي، فراس جعفر ابورمان، رحاب اسعد بيوض التميمي، د - الضاوي خوالدية، أحمد بوادي، د. عادل محمد عايش الأسطل، نادية سعد، عصام كرم الطوخى ، عبد الغني مزوز، أحمد بن عبد المحسن العساف ، ماهر عدنان قنديل، وائل بنجدو، صالح النعامي ، د - المنجي الكعبي، مصطفي زهران، سحر الصيدلي، د. محمد مورو ، صباح الموسوي ،
أحدث الردود
أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة