تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

بنية النظام و أركانه المتشبثة بالحكم

كاتب المقال وائل بنجدو - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


كانت اللحظة التي أضرم فيها الشاب "البوعزيزي" النار في جسده إعلانا عن بداية النهاية لنظام سياسي و اقتصادي لطالما كانت رائحة الفساد و الاستبداد اللتان تفوحان منه تزكمان الأنوف. و منذ فترة شهد المدّ الثّوري تراجعا و تحولت الثورة من وضعية الهجوم إلى وضعية الدفاع نتيجة المحاولات المتعدّدة للمسار الثوري.
- فكيف يقع الإلتفاف على ثورتنا؟
- و كيف السبيل لإستعادة الزّخم الثوري و حماية الثورة؟

لم يكن "بن علي" يمارس السلطة بمفرده فرغم كلّ الصّلاحيات اللاّمتناهية التي تمتع بها إلاّ أنّه كان يمثل الجزء البارز من جبل الجليد الذي جثم على صدور التونسيين على مدى عقود. أمّا الجزء الذي يوجد تحت الماء فلا يزال قائما رغم الشقوق التي أصابته.
كانت السلطة في تونس بيد "كارتيل حاكم" تشكّل عبر تحالف بين مجموعة من مصاصي الدّماء، أول عناصر هذا التحالف جسّده بن علي و أقرباؤه و أصهاره في ما أصبح يسمى بـ "الأسرة الحاكمة". و بات من الصّعب التمييز ما إذا كنا نعيش في نظام ملكي أم جمهوري حيث كان صهر الرئيس و زوجة الرئيس و ابن أخ الرئيس (...) يعتبرون البلاد مزرعة ورثوها في جدّهم في غياب تام لمؤسسات الرقابة.
و أصبحنا لا نكاد نعرف اسم وزير الخارجية في حين نحفظ كلّ أسماء أقارب الرئيس!

أنشأت "الأسرة الحاكمة"، في إطار تكديسها للثروة، علاقات حميمية بكبار رجال الأعمال و أمّنت لهم التسهيلات و مكّنتهم من تقلّد عديد المناصب السياسية المهمة. يقول عزمي بشارة عن هذه الفئة التي تمتعت بالقرب الاجتماعي و الجهوي من النظام السياسي و الأمني: "فئات البورجوازية الجديدة المستفيدة من الخصخصة و البرامج الليبرالية / التسلطيّة أصبحت أكثر تصالحا مع الاستبداد السياسي و شكّلت عنصرا جديدا في قاعدة النظام السياسي".

هذا التزواج بين السلطة و المال الذي ميّز النظام الاستبدادي كان يتطلب إيجاد جهاز أمني قوي يحمي هذا التحالف و يثبت دعائم الحكم.
فقد أدرك قادة إنقلاب 7 نوفمبر منذ اليوم الأوّل أن وجودهم على سدّة الحكم غير شرعي لذلك حاولوا أن يؤمّنواحكمهم من خلال الجهاز الأمني حتّى يجنبّهم التآمر الدّاخلي و الخارجي و كلّ محاولات إضعاف النّظام.
أصبح الجهاز الأمني بمثابة الذراع العسكرية بيد الأسرة الحاكمة و رجال الأعمال الفاسدين و نشأت داخل وزارة الداخلية تتصارع في ما بينها و تصارع النّاس. تغول هذا الجهاز و لم يتوقف عند حماية النظام و مصالح رؤوس الأموال بل تجاوز ذلك لتتحوّل وزارة الداخلية مطبخا للقرار السياسي. و تؤكد بعض التسريبات أن إقالة وزير الداخلية السابق فرحات الراجحي- الذي حاول تطهير وزارة الداخلية- كان بقرار من بعض القادة الأمنيين المتنفذين داخل الوزارة.

تقاسمت العناصر المكوّنة لهذا "الكارتيل الحاكم" (الأسرة الحاكمة + رؤوس الأموال + الجهاز الأمني) المغانم التي يمتصّونها من دم الشعب المسكين.
لا يمكن لهؤلاء الفاسدين التسليم في شبكة المصالح- التي اقاموها على مدى سنوات- بين عشية وضحاها. و إذا كان قيام نظام ديمقراطي يؤدي إلى إنشاء مؤسسات مراقبة وإلى تساوي الجميع أمام القانون فإنه بذلك يمثل تهديدا لمصالحهم . و هو في إعتقادي السبب الذي يقف وراء محاولات إنتاج النظام القديم بصيغ جديدة و يجعل هذا التحالف قائدا للثورة المضادة يدير العملية السياسية من وراء الستار (وهنا أوكد على وجود حكومة ظلّ) و في كثير من الأحيان من أمامه و بدون خجل.

كان النظام الديكتاتوري يبدو متماسكا و تبدو "ميكانيزماته" مترابطة و تسير على أحسن ما يرام بحيث يصعب اختراقه. إلا أن هاته المقولة سرعان ما انهارت أمام إرادة الشعب الثائر الذي أكد صحّة كلام الفيلسوفة الألمانية "هانا أرندت": "إنّ خاصية الدكتاتورية أن كل شيء فيها يبدو على ما يرام إلى حدّ الربع الأخير من الساعة الأخيرة".

كان النظام في تونس على شكل هرم مقلوب حين سقط رأسه تداعى كل الهرم إلى السقوط و على الثوار مواصلة النضال حتى يتفكك هذا الهرم و لا يعيد إنتاج رأس جديد.
رغم كل المؤشرات التي تؤكد أن نظام بن علي لم يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد، فإنه بات من المسلّم أن الناس لا يمكن أن تقبل بعد اليوم بالعيش في نفس الظروف البائسة التي عانوا منها على مرّ السنين.


إن الإيمان المتجدّد بالقدرة على التغيير و تسرّب المبادئ الثورية من حرية و كرامة و عدالة اجتماعية إلى قلوب كل واحد منا هي وحدها الكفيلة بحماية الثورة من محاولات الالتفاف. و كما يقول ماوتسي تونغ: "إنّ الشعب، و الشعب وحده هو القوة المحرّكة في خلق تاريخ العالم".


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الثورة المضادة، الثورة التونسية،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 28-07-2011  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  فوضى الإعلام التونسي
  تونس : الإنتخابات ليست حلاًّ
  عن مواجهة الإرهاب
  رؤوس أقلام
  لحظة الإنحياز
  حملة إنتخابية
  الحرب على غزة : الأسباب، النتائج و الدروس
  الوقوف أمام محكمة الشعب
  شرعية "يقين"
  أهداف العدوان الإمبريالي ضد سوريا
   لنلتفت إلى الأرياف
  بن جعفر : الصهيوني الوقح
  لتسقط كل الدمى: ردا على مقال د.سالم الأبيض "طبقة الدمى السياسية"
  حول الإنتخابات المصرية
  "الإتحاد العام لطلبة تونس الممثل الشرعي و الوحيد"
  واقعيّة حمص
  فلسطين والارتماء في أحضان الأمم المتحدة
  "استفتاء الخداع"
   السّبسي... كش مات!
  بنية النظام و أركانه المتشبثة بالحكم
  رفض التطبيع من أهداف الثورة التونسية

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
حمدى شفيق ، رشيد السيد أحمد، حميدة الطيلوش، فاطمة عبد الرءوف، منجي باكير، علي الكاش، د. صلاح عودة الله ، محمد أحمد عزوز، حسن عثمان، محمد الياسين، د - محمد سعد أبو العزم، د. نانسي أبو الفتوح، علي عبد العال، جمال عرفة، محمد تاج الدين الطيبي، سحر الصيدلي، د - المنجي الكعبي، كريم فارق، صفاء العربي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، محمود طرشوبي، د- هاني ابوالفتوح، الهادي المثلوثي، د - غالب الفريجات، مصطفى منيغ، أحمد النعيمي، سوسن مسعود، محمد عمر غرس الله، شيرين حامد فهمي ، سفيان عبد الكافي، تونسي، صباح الموسوي ، سامر أبو رمان ، د. الشاهد البوشيخي، خالد الجاف ، د - محمد بنيعيش، حسني إبراهيم عبد العظيم، أبو سمية، د. أحمد بشير، د - صالح المازقي، د - مضاوي الرشيد، مراد قميزة، كريم السليتي، د - محمد عباس المصرى، أحمد الغريب، د. جعفر شيخ إدريس ، رضا الدبّابي، مجدى داود، محمد الطرابلسي، د- محمود علي عريقات، د- محمد رحال، د. خالد الطراولي ، د - احمد عبدالحميد غراب، عبد الرزاق قيراط ، د- هاني السباعي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د. أحمد محمد سليمان، العادل السمعلي، رافد العزاوي، فتحـي قاره بيبـان، أحمد بن عبد المحسن العساف ، محمد شمام ، د. عبد الآله المالكي، الناصر الرقيق، يحيي البوليني، د. الحسيني إسماعيل ، سلام الشماع، محمد إبراهيم مبروك، رافع القارصي، محرر "بوابتي"، منى محروس، د - أبو يعرب المرزوقي، فهمي شراب، د. ضرغام عبد الله الدباغ، أحمد ملحم، رمضان حينوني، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، أنس الشابي، محمد اسعد بيوض التميمي، رأفت صلاح الدين، محمود صافي ، د - محمد بن موسى الشريف ، عراق المطيري، سيدة محمود محمد، د - الضاوي خوالدية، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، مصطفي زهران، إسراء أبو رمان، عصام كرم الطوخى ، فراس جعفر ابورمان، عزيز العرباوي، ماهر عدنان قنديل، د. مصطفى يوسف اللداوي، المولدي الفرجاني، أحمد بوادي، أ.د. مصطفى رجب، صالح النعامي ، الهيثم زعفان، سعود السبعاني، حسن الطرابلسي، أحمد الحباسي، د. محمد يحيى ، حسن الحسن، د - مصطفى فهمي، عبد الله الفقير، بسمة منصور، د. نهى قاطرجي ، صفاء العراقي، د - شاكر الحوكي ، جاسم الرصيف، عبد الغني مزوز، معتز الجعبري، أشرف إبراهيم حجاج، عمر غازي، صلاح المختار، د- جابر قميحة، هناء سلامة، كمال حبيب، عبد الله زيدان، سلوى المغربي، فتحي الزغل، د. محمد مورو ، إيمان القدوسي، طلال قسومي، ابتسام سعد، عدنان المنصر، د.ليلى بيومي ، سيد السباعي، د. طارق عبد الحليم، خبَّاب بن مروان الحمد، د.محمد فتحي عبد العال، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، حاتم الصولي، فتحي العابد، إياد محمود حسين ، نادية سعد، سامح لطف الله، د. كاظم عبد الحسين عباس ، ياسين أحمد، إيمى الأشقر، وائل بنجدو، عواطف منصور، فوزي مسعود ، رحاب اسعد بيوض التميمي، محمد العيادي، فاطمة حافظ ، محمود فاروق سيد شعبان، صلاح الحريري، د. محمد عمارة ، محمود سلطان، يزيد بن الحسين، د. عادل محمد عايش الأسطل، الشهيد سيد قطب،
أحدث الردود
... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

نتيجة ما تعانيه بناتنا في الاتجاة نحو طريقا لانحبذة ولانرضه لكل فتاة أي كانت غنية اوفقيرة ولكن مشكلتنا في الدول العربية الفقر ولذاعلي المنظمات الاجتما...>>

من صدق مجتمع رايح فيها انا متزوج مغربيه بس مو عايشين هنا ولا ابغى ارجع المغرب رحتها يوم زواجي وماعدتها بلد دعاره بامتياز حتى الاسره المغربيه منحله الب...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة