تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

مأساة الحلاج

كاتب المقال د.محمد فتحي عبد العال - مصر    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت
إلا و حبّـك مقـرون بأنفاسـي
ولا خلوتُ إلى قوم أحدّثهــم
إلا و أنت حديثي بين جلاســي
ولا ذكرتك محزوناً و لا فَرِحا
إلا و أنت بقلبي بين وسواســـي
ولا هممت بشرب الماء من عطش
إلا رَأَيْتُ خيالاً منك في الكـــأس
ولو قدرتُ على الإتيان جئتـُكم
سعياً على الوجه أو مشياً على الرأس
ويا فتى الحيّ إن غّنيت لي طربا
فغّنـني وأسفا من قلبك القاســـي
ما لي وللناس كم يلحونني سفها
ديني لنفسي ودين الناس للنـــاس

بهذه الابيات الرائعة رسم شاعرنا الطريق للعشق الالهي ولسمو القلوب عن كل ما يشغلها عن الله واذاب بكلماته الرقيقة قلوب قاسية لم تعرف الله يوما فأحبه الناس والتفوا حوله...شاعرنا اليوم هو ابو المغيث الحسين بن منصور الحلاج الفارسي الاصل والذي نشأ وترعرع بالعراق .
اما عن تسميته بالحلاج فيقال إنه امتهن مهنة ابيه بحلج الصوف ، وقيل انها احدي كراماته فبينما هو جالس بدكان حلاج وبه قطن غير محلوج، وقد انصرف صاحب الدكان لحاجةٍ فلما عاد وجد قطنه محلوجاً، فذاع الامر . وقيل 'حلاج الأسرار' لدرايته بها واطلاعه عليها.

منذ نعومة اظافر شاعرنا عرف طريقه الي الصوفية وتعلق قلبه بحب الله فيقول: متى سهرت عيني لغيرك أو بكت ... فلا بلغت ما أملت وتمنت
وإن أضمرت نفسي سواك فلا رعت ... بأرض المنى من وجنتيك وجنت ...

ويرى الحلاج أن أعلى درجات المحبة تحدث حينما يتخلي الإنسان عن ذاته بالكلية فيفنى عن ذاته في ذات محبوبه الأعلى،فلايرى في الوجود سوي الله، وهو ما جسده في هذا النظم الرائع:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا ** نحن روحان حللنا بدنا

فإذا أبصرتني أبصرته ** وإذا أبصرته أبصرتنا...

لقد امتلك الحلاج لغة خاصة لايعيها الا من عرف ان الطريق الي السعادة غاية لا يدركها الا من ذاب في حب الله و استغني بالله عما سواه لهذا لا غرو ان كلماته بدت مبهمة لكثير من معاصريه من رجال الدين حتي الصوفيين منهم الذين اتهموه بادعاء النبوة وفي احيان اخري ادعاء الالوهية ..

لم تكن مأساة الحلاج الوحيدة لغته انما كانت مأساته الاخري هي انه نحا منحي مغايرا لما عرف عن قدامي الصوفيين والمعاصرين من اعلام الصوفية في زمنه من حب العزلة والاستغراق في العبادة وترك امور الدنيا وجهاد النفس في صمت فالجهاد عند الحلاج تعدي جهاد النفس الصامت الي جهاد الاوضاع الاجتماعية والسياسية المحيطة بالنفس فقاد الحلاج منهجا اصلاحيا قائما علي نبذ الظلم والطغيان والفساد الذي مثله البيت العباسي في زمنه وراح يتنقل بين البقاع المختلفه حاملا دعوته الشريفة فأحبه الناس واعتنقوا مذهبه في الحرية فلما طار خبره الي الخليفة العباسي المقتدر بالله- والذي تولي الحكم صبيا في الثالثة عشر من عمره وسيطرت عليه امه - قبض عليه وأتهمه بالكفر والزندقة .

كان الحلاج ثابت الجأش وهو يواجه اتهام هو ابعد ما يكون عنه فحب الله ليس الحادا وعشق الله ليس زندقة وقال لقضاته متحديا :ظهري حمى ودمي حرام، وما يحل لكم أن تتأولوا علي بما يبيحه ، وأنا اعتقادي الإسلام ومذهبي السنة وتفضيل الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين والعشرة الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، ولي كتب في السنة موجودة في الوراقين فالله الله في دمي...، لكن قوله لم يفت في عضد مناوئيه ونفذوا حكم المقتدر بالله فيه فجلد الف سوط وقطعت يداه وقدماه واحرقت جثته ولما صارت رماداً ألقوها في دجلة، ونصبت رأسه علي الجسر ببغداد..
واتفق أن زادت دجلة في تلك السنة زيادة وافرة، فيما اعتبرها اتباعه من كراماته..

كان مصير الحلاج مروعا ولقد لاحقت لعناته خلافة المقتدر بالله فشاء الله ان يدب الخلاف بين قائد الجيش "مؤنس الخادم" وقائد الشرطة "محمد بن ياقوت"، فانحاز المقتدر لابن ياقوت، بينما انضم معظم الجيش لقائده "مؤنس"، ووصل الصراع الي مواجهة مسلحة قتل فيها المقتدر بأيدي احد افراد جيشه وذبح بالسيف واجتثت رأسه على رمح وسلب ما عليه وبقي مكشوف العورة حتى ستر بالحشيش وهكذا كان انتقام الله جزاءا وفاقا.

------------
د.محمد فتحي عبد العال
باحث وكاتب مصري


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

الحلاج، التصوف، الشعر،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 21-09-2018  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  الزعيم وظليله - الجزء الثاني
  مأساة الحلاج
  السلطان وبناء المسجد الحرام - الجزء الخامس (أبو السعادات)
  السلطان وبناء المسجد الحرام - الجزء الرابع
  السلطان وبناء المسجد الحرام الجزء الثالث
  السلطان وبناء المسجد الحرام (الجزء الثاني)
  التصوف الاسلامي ..محمد اقبال نموذجا
  السلطان وبناء المسجد الحرام
  الزعيم و ظليله
  الزيني بركات ..اشهر محتسبي مصر
  الشدة المستنصرية وحكاية اول ارميني علي كرسي الوزارة بمصر
  القيادة في الاسلام بين الحقيقة والاكاذيب
  المرأة في المنظور الاسلامي ...رؤية معاصرة
  احاديث رسخت الطغيان
  داء مصر ...حينما تمرض الاوطان
  الطاعون ورقصة الموت
  الملاريا.......زائرة المتنبي
  الهيموفيليا ...المرض المحب للدماء
  كيف تقي نفسك من الجلطات؟ ...
  حمي الضنك.....كاسر العظام
  الملكة بلقيس ... أسطورة عابرة للحضارات
  النقرس داء الملوك
  موسي التوراتي والقرآني في ميزان التاريخ
  الدوسنتاريا :مرض غياب الوعي
  البواسير ..الوقاية خير من العلاج
  الكوليرا ...المرض الفتاك
  يوسف الصديق وحلم تحقق على ضفاف النيل
  اسطورة سليمان
  الغوص في أعماق السرطان
  فرعون موسي ...القصة كاملة

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
فتحـي قاره بيبـان، عصام كرم الطوخى ، صلاح المختار، عبد الله الفقير، أحمد الغريب، عزيز العرباوي، كريم السليتي، عبد الرزاق قيراط ، طلال قسومي، فاطمة عبد الرءوف، محمود طرشوبي، د - غالب الفريجات، د - أبو يعرب المرزوقي، أحمد الحباسي، د. خالد الطراولي ، مصطفى منيغ، علي الكاش، علي عبد العال، رشيد السيد أحمد، سلوى المغربي، د - شاكر الحوكي ، مصطفي زهران، مجدى داود، صفاء العربي، رأفت صلاح الدين، د.ليلى بيومي ، معتز الجعبري، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د. عبد الآله المالكي، ماهر عدنان قنديل، د - احمد عبدالحميد غراب، د- هاني السباعي، فهمي شراب، رحاب اسعد بيوض التميمي، محمد العيادي، د. صلاح عودة الله ، محمود صافي ، د - مصطفى فهمي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د- هاني ابوالفتوح، محمود فاروق سيد شعبان، أ.د. مصطفى رجب، الناصر الرقيق، تونسي، الهادي المثلوثي، د- محمود علي عريقات، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، أحمد ملحم، فوزي مسعود ، د - المنجي الكعبي، رافد العزاوي، أحمد النعيمي، د- محمد رحال، د - محمد عباس المصرى، حسن الطرابلسي، رمضان حينوني، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د. الشاهد البوشيخي، فتحي العابد، محمود سلطان، هناء سلامة، إسراء أبو رمان، إياد محمود حسين ، كمال حبيب، بسمة منصور، سوسن مسعود، عراق المطيري، سلام الشماع، محمد اسعد بيوض التميمي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، يزيد بن الحسين، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د - صالح المازقي، العادل السمعلي، رضا الدبّابي، د. محمد مورو ، فتحي الزغل، حاتم الصولي، جاسم الرصيف، د - محمد بنيعيش، د. محمد يحيى ، محمد الياسين، عمر غازي، شيرين حامد فهمي ، د. عادل محمد عايش الأسطل، سحر الصيدلي، د. أحمد بشير، سعود السبعاني، محمد تاج الدين الطيبي، حمدى شفيق ، فراس جعفر ابورمان، المولدي الفرجاني، أشرف إبراهيم حجاج، منجي باكير، د. أحمد محمد سليمان، أبو سمية، حسن عثمان، د.محمد فتحي عبد العال، محمد الطرابلسي، سفيان عبد الكافي، وائل بنجدو، د. مصطفى يوسف اللداوي، محرر "بوابتي"، جمال عرفة، ابتسام سعد، إيمى الأشقر، الشهيد سيد قطب، د. ضرغام عبد الله الدباغ، د. نهى قاطرجي ، ياسين أحمد، عبد الله زيدان، د. طارق عبد الحليم، د. نانسي أبو الفتوح، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د - الضاوي خوالدية، إيمان القدوسي، د. جعفر شيخ إدريس ، الهيثم زعفان، محمد شمام ، صالح النعامي ، يحيي البوليني، حسن الحسن، عبد الغني مزوز، سامر أبو رمان ، حسني إبراهيم عبد العظيم، حميدة الطيلوش، خالد الجاف ، د - محمد بن موسى الشريف ، د- جابر قميحة، صفاء العراقي، سيد السباعي، خبَّاب بن مروان الحمد، د. الحسيني إسماعيل ، محمد أحمد عزوز، فاطمة حافظ ، سامح لطف الله، صلاح الحريري، د - محمد سعد أبو العزم، محمد إبراهيم مبروك، محمد عمر غرس الله، سيدة محمود محمد، عدنان المنصر، كريم فارق، د. محمد عمارة ، منى محروس، أنس الشابي، نادية سعد، مراد قميزة، رافع القارصي، صباح الموسوي ، أحمد بوادي، د - مضاوي الرشيد، عواطف منصور،
أحدث الردود
ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة