تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

نصب الحرية وساحة التحرير

كاتب المقال د. ضرغام الدباغ - ألمانيا    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


بصرف النظر عن كل شيئ .... اليوم استحقت ساحة التحرير اليوم أسمها الخالد بعد 59 عاماً من إزاحة الستار عنها .. عملاً فنياً رائعاً ينطوي على قيم فنية عالية، بإجماع أراء النقاد، وأغلب الظن أن الفنان الراحل جواد سليم الذي أنجز هذا العمل الفريد في بضعة شهور كان حتماً قد شاهد لوحة غورنيكا لبيكاسو، وتأثر بأفكارها وأجوائها، وغورنيكا هي حقاً لوحة رهيبة لابد أنها تترك أثراً عميقاً فيمن يشاهدها، وأنا أضع لوحة غورنيكا في مكتبتي منذ 45 عاماً.

ولكن دعونا نفكر معاً، مالذي يمنح العمل الفني قيمته العالية ..؟ هل الخطوط والألوان، وضربات الريشة، والمقاييس الفنية وحدها ؟ أم عذابات الناس التي تركت صداها ومرتسمات الألم ومعاناتهم في يد الفنان وفكره وبصره فأنعكست في عمل فني متكامل بين الفكرة، ومغزى العمل، والقدرة التكنيكية للفنان.

من المؤكد أن القيمة الفنية قضية مهمة في تقييم أي عمل فني، ولكن الفن ليس غاية بذاته، ولخدمة قضايا الناس، هي فكرة صالحة للتعميم، ونحن لا نطالع الأعمال الفنية فقط لنتمتع، بل أن مشاهدة العمل الفني هي ممارسة ثقافية، وهي تعمق الوعي لدى الإنسان وتربط أهدافه ومثله العليا بالفن، باللون، وبمكونات العمل الفني، والعمل الفني لابد أنه سيترك أثره العميق في وعي وثقافة المتلقي، وهنا يؤدي العمل الفني وظيفة وطنية مهمة للغاية، بل يتحول بهذا المعنى إلى سلاح بأيدي الجماهير الثورية في نضالها الشريف من أجل الحرية والخبز ...!

بيكاسو رسم لوحته الأشهر على أثر قصف الطائرات الفاشية الهتلرية مدينة غورنيكا في الباسك الأسبانية وأسفر القصف عن مقتل مئات من المدنيين (نحو 500 قتيل) في نيسان / 1937. وبناء على تكليف من حكومة الجمهورية الأسبانية باشر بيكاسو في عمله الفني، وأنجزه في حزيران / 1937، لتعرض كلوحة جدارية بطول 349 سم، وعرض 776 سم في الجناح الأسباني بمعرض باريس للتقنيات والفنون. وبعد سقوط الجمهورية أوصى بيكاسو بملكية اللوحة للشعب الأسباني، وأودعت أمانة لدى متحف متوبوليتان في نيويورك، حتى تحرير أسبانيا لتعود بمراسم فخمة إلى وطنها مدريد / أسبانيا.

والفنان جواد سليم أنجز جداريته بطريقة ربما غير مألوفة فهي تتكون من 14 قطعة من البرونز منفصلة عن بعضها، تمثل مسيرة شعب عبر الآلام وصولاً إلى الحرية، وقد ثبتت على واجهة رخامية عملاقة تشد أبصار الناظرين إليها.

وعندما تطل عيوني على نصب الحرية في ساحة التحرير أتذكر دائماً غورنيكا، وأتذكر نضال شعبنا العراقي، ولكن لنتذكر أن نصب الحرية وجواد سليم منذ إقامته (تموز / 1961) حتى اليوم، شهد أحداثاً كثيرة جداً أمام النصب: تظاهرات، اجتماعات شعبية، حشود جماهيرية، احتفالات كبيرة، واستعراضات عسكرية، ملايين العمال والفلاحين والطلبة مروا من أمام النصب ومن تحته... ليس بوسع أحد أن يقلل من قيمة هذه الأحداث التي جرت منذ 1961 وحتى اليوم 2019، التي بمجموعها تمثل جزءاً كبيرا من تاريخ العراق المعاصر..... ولكن لساحة التحرير ونصب الحرية بعد 1 / تشرين الأول / 2019 صار لها معنى آخر ..

أتخيل اليوم جواد سليم وكأنه نال مراده بعد نحو 60 عاماً من عمله الرائع، والنصب والساحة أصبحتا لا محال في ميثولوجيا الشعب العراقي إلى الأبد، ساحة الحرية والتحرير رشت عليها دماء زكية طاهرة ، تتويجاً لمسيرة نضال وطني من أجل التحرر بذل فيها العراقيون تضحيات خرافية، ولكن دون ريب أن ساحة التحرير بل والعراق كله دخل مرحلة جديدة، وإذا كان تسميتها "ساحة التحرير" مقترحاً من الزعيم عبد الكريم قاسم، وكان يمكن أن يستعاض بأسم نصب الأمة، نصب العراق الجديد ... أو الرافدين ..أو أي مقترح آخر ... ولكن اليوم الساحة تستطيع بكل جدارة أن تشمخ وتزهو مجدداً بأسمها الخالد " ساحة الحرية والتحرير" بكل أرجاءها ... وأشهرها .. جدارية الحرية .. وجبل أحد (الذي أتوقع أن يصبح متحفاً)، وعمارة مرجان، وثانوية العقيدة ..وحديقة الأمة وسائر التفاصيل وستبقى هكذا مئات من السنين .. جيلنا كان له الحظ برؤية النصب اللقطة الأولى، وكان له الحظ أن يشهد ثورة العشرين الجديدة ... الثورة العراقية العظمى .. هذه الساحة اقتحمت التاريخ بعنفوان وهيبة وكبرياء الشهداء.

ساحة التحرير اليوم تضيف لأرثها رموزاً جديدة لتتواصل القافلة العراقية العظيم .. المجد العراقي المكلل بغار الفخار من شهداء ثورة العشرين / 1920، وحتى شهداء ثورة 1/ تشرين الأول / 2019 ... اليوم تتألق الساحة ونصبها وجبل أحد بمعان جديدة .... نرى من خلاله عراقاً جديد


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

العراق، جواد سليم، النحت، الرسم، الفن، الحرية، بيكاسو،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 23-11-2019  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  عبد الرحمن الداخل صقر قريش
  هل جاءت الثورة متأخرة أم مبكرة ...؟
  نصب الحرية وساحة التحرير
  حصاد الثورة ... اليوم
  جمهورية أذربيجان الاشتراكية
  جمهورية مهاباد
  هل تسقط التظاهرات الحكومات والأنظمة
  هل كادت إيران أن تصبح جمهورية اشتراكية سوفيتية ..؟
  الأدب في بلاد الرافدين
  اغتيال راينر هايدريش
  علي محمود الشيخ علي
  الذكرى التاسعة والأربعون لرحيل القائد جمال عبد الناصر تحليل للسيرة المجيدة لمناضل قومي عربي
  في رحلة البحث عن إيثاكا
  أوبرا بحيرة البجع
  يوهان فولفغانغ غوتة
  لوركا ... الشهيد البريء في الحرب الأهلية
  تعديلات جوهرية في النظام الدولي وإشكالية تحقيق العدالة الدولية
  ريمسكي كورساكوف سيمفونية عنترة بن شداد
  اليسار العربي ... استشراف المستقبل
  سيف الله المسلول / خالد بن الوليد
  لماذا يتوحش البشر .. حدث في مثل هذا اليوم
  التغير حتمية لا خيار
  إبن ستالين في الأسر النازي، ألم يكن بوسعه إطلاق النار على نفسه ؟
  تشارلي شابلن فن ورسالة
  لقاء الحضارات
  أزمة ثقافة أم محنة مثقفين
  قيادات وزعامات بالفهلوة
  عندما جاء الجنود: قراءة في كتاب مهم
  مؤشرات في الموقف العراقي
  الوحدات الخاصة : الرأس الرمادية

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
نادية سعد، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، فاطمة حافظ ، د. جعفر شيخ إدريس ، د. الشاهد البوشيخي، سوسن مسعود، أشرف إبراهيم حجاج، محرر "بوابتي"، د. طارق عبد الحليم، مصطفي زهران، محمد إبراهيم مبروك، د - محمد بنيعيش، الناصر الرقيق، د- محمود علي عريقات، كريم السليتي، د - محمد بن موسى الشريف ، رحاب اسعد بيوض التميمي، عواطف منصور، عراق المطيري، علي عبد العال، محمد الياسين، محمد أحمد عزوز، سحر الصيدلي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، صالح النعامي ، سلوى المغربي، إسراء أبو رمان، تونسي، فوزي مسعود ، العادل السمعلي، د.محمد فتحي عبد العال، طلال قسومي، محمد العيادي، د. محمد عمارة ، جاسم الرصيف، د- هاني السباعي، حسني إبراهيم عبد العظيم، حمدى شفيق ، عبد الله زيدان، صفاء العربي، أنس الشابي، منجي باكير، فتحـي قاره بيبـان، خبَّاب بن مروان الحمد، د - غالب الفريجات، د. صلاح عودة الله ، د. الحسيني إسماعيل ، خالد الجاف ، الهيثم زعفان، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، عصام كرم الطوخى ، فتحي الزغل، رمضان حينوني، سامر أبو رمان ، كريم فارق، محمود سلطان، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د.ليلى بيومي ، د- محمد رحال، أحمد الحباسي، د. مصطفى يوسف اللداوي، د - مضاوي الرشيد، سلام الشماع، منى محروس، صلاح المختار، ياسين أحمد، عزيز العرباوي، محمد تاج الدين الطيبي، ابتسام سعد، إياد محمود حسين ، محمد عمر غرس الله، يحيي البوليني، رشيد السيد أحمد، رافد العزاوي، أحمد بوادي، المولدي الفرجاني، رأفت صلاح الدين، شيرين حامد فهمي ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، سامح لطف الله، د - احمد عبدالحميد غراب، محمود صافي ، وائل بنجدو، أبو سمية، د. عبد الآله المالكي، سيد السباعي، محمد الطرابلسي، الشهيد سيد قطب، أحمد ملحم، محمود فاروق سيد شعبان، حسن الحسن، د. نانسي أبو الفتوح، د - صالح المازقي، د. عادل محمد عايش الأسطل، حسن الطرابلسي، أ.د. مصطفى رجب، حاتم الصولي، فتحي العابد، د - شاكر الحوكي ، رافع القارصي، عدنان المنصر، هناء سلامة، ماهر عدنان قنديل، د. محمد مورو ، صباح الموسوي ، فاطمة عبد الرءوف، الهادي المثلوثي، محمد شمام ، د- جابر قميحة، عبد الله الفقير، عمر غازي، د - أبو يعرب المرزوقي، أحمد الغريب، سفيان عبد الكافي، سيدة محمود محمد، صلاح الحريري، د - المنجي الكعبي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د - مصطفى فهمي، بسمة منصور، مصطفى منيغ، د. محمد يحيى ، فهمي شراب، سعود السبعاني، جمال عرفة، د - محمد عباس المصرى، د- هاني ابوالفتوح، د. نهى قاطرجي ، د. أحمد محمد سليمان، معتز الجعبري، عبد الغني مزوز، محمد اسعد بيوض التميمي، أحمد النعيمي، عبد الرزاق قيراط ، يزيد بن الحسين، د - الضاوي خوالدية، د. أحمد بشير، إيمان القدوسي، علي الكاش، صفاء العراقي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، مجدى داود، إيمى الأشقر، د. خالد الطراولي ، محمود طرشوبي، د - محمد سعد أبو العزم، حميدة الطيلوش، حسن عثمان، مراد قميزة، فراس جعفر ابورمان، رضا الدبّابي، كمال حبيب،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة