تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

هيئة الانتخابات.. المأزق

كاتب المقال د - المنجي الكعبي - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


هيئة الانتخابات، التي تعاني في هذه الأيام مما هو أشبه بالولادة القيصرية لتجديد أعضائها هي انعكاس لوضع سياسي مريض على ما يبدو. إن مرض مرضت، وإن صح صحت. ولا يمكن القول إنها أصلاً ولادة مشوهة، لأنك أمام خلقة مجبولة أساساً من تكوينات سياسية وحزبية على علاتها. فهي بالتالي تعكس أكثر ما تعكس صورة مجلس تأسيسي بتركيب استثنائي، ولم يكن بإمكانه أن ينتج من الهيئات إلا على تصوير نفسه. والمتعين أن يخلفه المجلس التشريعي ليعيد تصويرها ويصنع منها بيجماليون على صورة نفسه هو أيضاً بتجديدها أو بالتعديل في قانونها.
لكن ما يحدث أوقع المجتمع السياسي وعموم الناخبين في مأزق التجديد لأعضائها المتخلين بالقرعة، وانتخاب رئيسها، الذي يغادر في ظرف من الظروف دون احتساب عواقبه على سيرها بعد ذلك أو تزامناً مع انتخابات قريبة.

ولكن أيضاً عندما يبقى المجلس في تجاذب غير سليم بين كتله ومغالطات تصل حد السياحة بين نوابه من حزب الى آخر أو كتلة الى أخرى تكون الأوضاع قد زادت تعقيداً في عمله لإنتاج أى عمل سوي؛ وإن اكتسى في الظاهر الأغلبية الشرعية. وتغرق الظنون والتأويلات القانونية حولها وحوله للخروج من المأزق؛ وكأن لا منقذ ولا خروج إلا عن طريق التوافق المشفوع بالتصويت، الذي كأنما صيغ إلا ليكون ترجمة أمينة للتوافق. فأصبحنا في ديمقراطية التوافق أو توافق الديمقراطية. وهو أمر غير منتج أصلاً. لأنه ضد طبيعة الأشياء. ومن هنا تنادت عديد الأصوات بضرورة المبادرة بتعديل الدستور في اتجاهات عديدة وإن مست بالأساس كثيراً من أبوابه ومسلماته، أو اقتضت الاستفتاء عليه. لأن الأزمات لا تحلها الأزمات وإنما تحلها الأغلبية التي لها القول الفصل في النزاعات، وليس التحالفات غير ذات الطبيعة الحزبية الواحدة أو المنسجمة بالضرورة.

فلا بد من إطلاق بناء الأغلبية الانتخابية وإعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله. لأن التوزيع للسلطة بين معارضة وحكومة في مجلس نيابي مشوه أو جاء مشوهاً عندما خالفنا طبيعة الحكم الديمقراطي في الدولة الحديثة: وهو تحالف الحزب الثاني في الانتخابات التشريعية مع الحزب الأول في الحكم. والأصل أن يكون الأول في الحكم وإن صانع بعض الأحزاب الصغيرة القريبة مذهبياً منه، ويتصدر الحزب الثاني المعارضة، لتكون دالةٌ في الحكم، بينه وبين صاحب الأغلبية بعد كل انتخابات تشريعية وأخرى.

لكون الخوف، الذي يسيطر على كل صاحب سلطة قائمة أن يتشبث بالكرسي حتى ولو كان الكرسي الإضافي، يفسد اللعبة الديمقراطية. وتمثل ذلك لأول يوم بالمجلس، عندما ذهبت رئاسة لجنة المالية، التي الشأن أن تتولاها المعارضة، الى محلها عند الحزب الثاني ثم انقلبت على عقبها، لأن الفائزين الأولين في التشريعية التقيا عند نقطة التعايش البراغمراتي إذا صح التعبير.

ولكنه زواج لن يدوم، لأنه لم يولِد إلا تشوهات في العملية الديمقراطية بما أصبح يسمى بالتوافق، بل حتى التوافق المغصوب على أمره، اكتفاء بالأدنى من حركية المجتمع لحساب الامتيازات الحزبية.

ومن هنا مأزق الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، التي توقعنا من الأول أن تدخل في مضيق، عندما يتعافى المجتمع من إرهاصات الثورة ويتفطن لحقيقة العملية الديمقراطية الملعوبة فيه. لأن التقدير كان من الأول في المجلس التأسيسي تغييرها حتى لا تعاني من آثار اسمها في بعض الأفهام، من جهة كونها عليا وجهة كونها مستقلة.

ولم تبق المشكلة في الأسم ولكن في الصيغة التي تتجدد بها وفي إجراءات انتخاب رئيسها. فلم تكن ثغرات في القانون في الحقيقة وإنما هي تعبير عن إدارة سياسية لامحالة وهذه قد تختلف بين أغلبية وأخرى.

ولو كانت الأمور طبيعية كالديمقراطية في أذهان فلاسفة القانون، لكان الفصل في الخلاف مرجعه الى الحزب الأول الفائز بأغلبية المقاعد في المجلس، للإلقاء بوزنه في التصويت لرئيس الهيئة عندما يحكم التوافق بتعطيل العملية مهما كلفته الحيلة، طالما لا يحقق قيام الضمانات أمامه لاستدامة موقعه في السلطة عن طريق نتائج الانتخابات. لأن النظام البرلماني كما نسج خيوطة الدستور يمكّنه عبر آلياته وبالتوافق المبتكر لكل عملية تصويت من شد العربة دائما الى الوراء، لكي لا يفلت زمام السلطة منه في كل الأحوال.

ومن باب التفويت على نفسه وعدم الحفظ لحقوقه، أن يتخلى الحزب الأول للعبة التوافق، فيرهن التصويت به بشكل آلي، فتتحرف العملية الديمقراطية وتنتج الخوف على شرعية صاحب الأغلبية الأول في الانتخابات حسب نظام النسبية الى نهاية المدة النيابية. وللضرورة أحكام قد لا تقتضيها القوانين العادية والمواضعات؛ حتى لا نقول لماذا نحن في تخلف عن الاجتهاد في القوانين بمثل ما تجتهد به الدول التي صنعتها.

---------
تونس في غرة نوفمبر ٢٠١٧


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، هيئة الإنتخابات، الإنتخابات، الثورة التونسية،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 1-11-2017  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  الرد على الدكتور عبد المجيد النجار في التخويف من فتنة المساواة في الإرث
  المسكنة أو حديث الذكريات للشيخ راشد
  التقرير الصدمة
  قراءة في أدب أطفالنا (بمناسبة يوم المرأة في تونس)
  إتفاقيات الاستقلال الداخلي لتونس والمداولات البرلمانية الفرنسية بشأنها في كتاب
  المظلمة على ابن خلدون
  تقويم نهج البيان في تفسير القرآن
  جائزة الملك فيصل في ظل الأزمة العالمية
  السياسي لا يصدق بالضرورة..
  غير مبرر وغير مجرم .. ولكن محرر
  الدين واللغة في المواقع الرسمية في تونس
  مقدمة لكتاب للدكتور المنجي الكعبي
  نفس الاشخاص نفس المشاكل
  تعليق على تمزيق
  آداب الانتخابات
  الانتماء السلبي والحياد الايجابي
  أخو علم..
  الفدْي بالنفْس .. يا قدْس!
  الوعد الحق
  هيئة الانتخابات.. المأزق
  على هامش قانون المصالحة
  هبة أو شبهة كتب في دار الكتب
  الموت للقضية بالاستيطان البطيء
  تقدير العواقب
  المرحوم محمد المصمودي أو تونس في ظل تقدير آخر لمستقبلها
  ترامب والإسلام
  حتى لا يوشك الاتحاد على افتعال أزمة لتأجيل مؤتمره
  الدولة تصفع وتهان..
  معاملة المؤقت معاملة غير المؤقت
  السياسة وخطاب الثقة والأمل

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
منى محروس، د. كاظم عبد الحسين عباس ، عبد الرزاق قيراط ، د. محمد عمارة ، د - أبو يعرب المرزوقي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د- هاني ابوالفتوح، حسن عثمان، سامح لطف الله، د.ليلى بيومي ، رافد العزاوي، ماهر عدنان قنديل، سلام الشماع، صلاح الحريري، شيرين حامد فهمي ، معتز الجعبري، حسن الطرابلسي، سوسن مسعود، الشهيد سيد قطب، طلال قسومي، محمود فاروق سيد شعبان، د. صلاح عودة الله ، رمضان حينوني، فاطمة حافظ ، محمد أحمد عزوز، خبَّاب بن مروان الحمد، محمود صافي ، محمود طرشوبي، عواطف منصور، سحر الصيدلي، مصطفي زهران، العادل السمعلي، حمدى شفيق ، د. عادل محمد عايش الأسطل، وائل بنجدو، أحمد النعيمي، يزيد بن الحسين، د - شاكر الحوكي ، رأفت صلاح الدين، د. جعفر شيخ إدريس ، ياسين أحمد، أحمد الغريب، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د. محمد يحيى ، صفاء العربي، فوزي مسعود ، محمد الطرابلسي، د. طارق عبد الحليم، الهيثم زعفان، رافع القارصي، محمد تاج الدين الطيبي، د- هاني السباعي، د. أحمد محمد سليمان، الناصر الرقيق، رضا الدبّابي، جاسم الرصيف، فاطمة عبد الرءوف، حميدة الطيلوش، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د. أحمد بشير، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، علي الكاش، محمد شمام ، حسني إبراهيم عبد العظيم، عدنان المنصر، د. عبد الآله المالكي، صلاح المختار، د - مصطفى فهمي، أ.د. مصطفى رجب، خالد الجاف ، جمال عرفة، فهمي شراب، محمد عمر غرس الله، صالح النعامي ، د - محمد سعد أبو العزم، مصطفى منيغ، الهادي المثلوثي، محمد العيادي، د- محمد رحال، د - احمد عبدالحميد غراب، سفيان عبد الكافي، حسن الحسن، د.محمد فتحي عبد العال، سامر أبو رمان ، فتحي الزغل، إيمى الأشقر، محمد اسعد بيوض التميمي، محرر "بوابتي"، عزيز العرباوي، د. مصطفى يوسف اللداوي، أنس الشابي، إيمان القدوسي، تونسي، محمد إبراهيم مبروك، إياد محمود حسين ، سيد السباعي، ابتسام سعد، د- محمود علي عريقات، عصام كرم الطوخى ، رشيد السيد أحمد، د - محمد بن موسى الشريف ، عبد الله الفقير، د - محمد عباس المصرى، د - محمد بنيعيش، حاتم الصولي، عبد الغني مزوز، أشرف إبراهيم حجاج، المولدي الفرجاني، أبو سمية، يحيي البوليني، بسمة منصور، كريم فارق، د - المنجي الكعبي، مراد قميزة، منجي باكير، سعود السبعاني، كريم السليتي، د. محمد مورو ، د- جابر قميحة، أحمد بوادي، فراس جعفر ابورمان، عمر غازي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، عراق المطيري، محمد الياسين، أحمد ملحم، د - الضاوي خوالدية، د - غالب الفريجات، د. الشاهد البوشيخي، هناء سلامة، فتحـي قاره بيبـان، د. نهى قاطرجي ، إسراء أبو رمان، أحمد الحباسي، سلوى المغربي، كمال حبيب، د - مضاوي الرشيد، د. نانسي أبو الفتوح، د. خالد الطراولي ، عبد الله زيدان، نادية سعد، صباح الموسوي ، صفاء العراقي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، مجدى داود، د - صالح المازقي، د. الحسيني إسماعيل ، سيدة محمود محمد، أحمد بن عبد المحسن العساف ، علي عبد العال، رحاب اسعد بيوض التميمي، فتحي العابد، محمود سلطان،
أحدث الردود
هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة