تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

في ذكرى ناجي العلي

كاتب المقال د. ضرغام الدباغ - ألمانيا    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


سيداتي، سادتي، المستمعين والمشاهدين والقراء الأعزاء !

في 22 تموز 1987 أطلق مجهول النار على رسام الكاريكاتور العربي الفلسطيني ناجي العلي بهدف قتله. وقد نجح القاتل في ذلك. ولكن بديهي القول أن ناجي العلي، لم يكن بذاته هو الهدف، بل كان فنه وريشته ونحن بحضورنا هنا وعرضنا لأعماله التي لا تنسى، نثبت أن تلك الرصاصات لم تصب الهدف.

لقد قتل ناجي العلي باستخدام سلاح ناري وفر القاتل. بينما كان ناجي العلي يرسم علانية، مستخدماَ فكره وريشة بسيطة، ولكن ريشته كانت تفضح القتلة وأساليب القتل والتدمير، لذلك قرر القتلة أن هذه العبقرية لا يمكن مقابلتها إلا بالرصاص وهذه الريشة المتواضعة لا يمكن مبارزتها إلا بالسلاح، وهنا أصبح الصراع غير متكافئ : ريشة مقابل أسلحة فتاكة، شعب أعزل في مخيمات مقابل أحدث الأسلحة من الطائرات والدبابات. لقد أعلن القتلة بأنفسهم أن ليس بوسعهم الرد على الفن بالفن، وعلى الرأي بالرأي، والحجة بالحجة، فقد اكتشفنا أن أسم ناجي العلي قد وضع على قائمة الإرهاب.

لذلك قتل ناجي ألعلي. أما نحن محبي الفن والحوار والتفاعل الإنساني، فسوف نواصل حمل القلم والريشة، أما فن ناجي العلي فسيبقى معلقاَ إفادة شاهد عيان. ناجي العلي لم يمت، بل تحول إلى دين ثقيل على الذين اغتالوه وعلى محبي الحرية والكلمة والفن, وقد أكتسب أسمه ميزة خاصة، فهو من الرسامين النادرين الذين تعرضوا للاغتيال بسبب رسومهم. نعم لقد قتل مفكرون وطورد محررون، فقد أعدم جوردانو برونو Giordano Brono ، وكاد أن يلاقي غاليلو غاليلي نفس المصير. وطورد مارتن لوثر، ثم أعدم يوليوس فوجيك Julius Fucik ، وأغتيل مارتن لوثر كينج ، أما ناجي العلي فقد أغتالوه لأنه يتألم ساخراً ..!

على الصعيد الفلسطيني، فقد أستشهد قبله الروائي غسان كنفاني والشاعر كمال ناصر والناقد وائل زعيتر والأديب محمود الهمشري وآخرون غيرهم، ولكن أن يطال الاغتيال رساماَ فهذه سابقة لا مثيل لها، أفتتحها ناجي العلي ورسم آخر لوحة له بدمائه .

كان ناجي العلي، وهنا تبرز عبقريته، فنان كاريكاتور، ذلك الفن الذي تلتحم فيه قوة الخطوط مع الفكرة العميقة التي تهز المشاهد بقوة، أنه لا يعتمد على سحر الألوان والضلال، أنه فن إعطاء الأحداث والشخصيات، بما في ذلك المؤلم منها، طابع السخرية . والفنان ربما يريد بذلك منح القوة والقدرة على احتمال ما لا يمكن احتماله عبر السخرية والابتسامة، وفي الوقت نفسه، ينطوي هذا الفن على إمكانية توجيه النقد إلى الشخصيات والأحداث ( سياسية على الأغلب) عبر فن الرسم. وتعبر انطلاقة هذا الفن في عصر النهضة Renaissance تعبيراَ عن القيمة الفنية والإنسانية التحررية لهذا الضرب من الفنون، حيث ابتدأت بتوجيه النقد إلى الكنيسة وأمراء الإقطاع، وأزدهر في القرن السادس عشر والسابع عشر، في عصر التنوير والليبرالية ثم أنتشر الكاريكاتور بصفة فعالة مع ازدهار عصر الصحافة حيث أحتل الكاريكاتور مكاناَ بارزا في ممارسة تأثيراَ واسعاَ على الجماهير في القرن التاسع عشر.

أقتحم ناجي العلي هذا العالم الرحب، عالم الكاريكاتور، وهو المهندس الميكانيكي فبالإضافة إلى الرؤية الشاملة العميقة والتصميم الذي امتازت به أعماله. وإلى جانب قوة العمل التكنيكي وارتفاع مستوى وعي الموضوع Motivation ، تميز برؤية بانورامية عريضة. وبموجب هذا التقييم العالي، أعتبر ليس في وطنه العربي أو الفلسطيني فحسب، بل على الصعيد العالمي فناًناً مبدعاَ. وأني لأعتقد أن أعماله وذكرى ناجي العلي ستبقى حية زمناَ طويلاَ، وهو وإن سقط، لكن الضوء الذي أطلق سراحه سيبقى مشعاَ لن يقوى الرصاص على إخماده.

هكذا عمل ناجي العلي ممسكاَ بالريشة يحاول وضع الابتسامة على أفواه المعذبين، وأن يفتح نوافذاَ للضوء والريح. وكان مدركاَ أنه يزعج الطغاة، ولكنه كان يقبل الخطورة والمجازفة من أجل الحرية، ولم يكن ليقبل الأمان مع الخضوع. ولكن الذين اغتالوه ما يزالون حتى اليوم يخشون ضلال ريشته. فقد قال الأديب الفرنسي البير كامو : " أن الخير هو حلم مشروع، مؤجل بلا انقطاع وملاحق بجهد مضن، أنه حد لا يمكن الوصول إليه قط وامتلاكه مستحيل. والشر وحده يستطيع أن يمضي حتى حدوده " .

لقد قذف ناجي العلي بريشته وسط بستان وطنه وأمته، فأنبتت آلاف الريشات، فقد حاولوا عبثاَ أن يمنعوا فنانين عرباَ من إنتاج فلم سينمائي، عنوانه يتألف من كلمتين فقط :

ناجي العلي .

يرقد ناجي العلي اليوم في مقبرة بلندن حيث اغتيل، ينتظر أن يعود يوماَ إلى وطنه في قرية الشجرة شمال فلسطين. فمن يدري، لعل موت ناجي العلي الجسدي خطوة على الطريق ؟

ألم يقل بول أيلوار في أحد شهداء المقاومة الفرنسة :

لقد هوى ..... ثم أشرق النهار .

أشكر لكم حسن إصغاءكم .


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

ناجي العلي، فلسطين، الكاريكاتور، المقاومة، الفن،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 4-08-2016  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  إلغاء أحكام الإعدام من القانون
  إكرام الميت دفنه
  بسمارك رائد الوحدة الألمانية
  الدروس السياسية لمعركة الأمم وعبرها، قراءة معاصرة
  أكتشافات الأسد المتأخرة
  العلاقات الأمريكية : الألمانية ــ الأوربية
  مشروع وطني لمستقبل الوطن
  عندما تهدد طهران إسرائيل
  مؤتمر ميونيخ للسلام
  على المكشوف : الموقف .... الآن
  مرحلة دونالد ترامب
  الجنرال هاينز غودريان من رواد فكر سلاح المدرعات
  لنذهب إلى الموت انطوان سانت اكزوبري: الكاتب، الأسطورة
  أصداء الانتخابات الأمريكية
  المهاجرون .. من الرابح ومن الخاسر
  في ذكرى ناجي العلي
  أولويات النظام الحاكم
  التمرد الفاشل : الحدث، دروس وعبر
  الفلوجة والموصل أم العراق بأسره
  الفرس يهددون ...!
  الخطة المعادية الشاملة لحركة التحرر العربية ودور محاور قوى التنفيذ الرئيسية (الولايات المتحدة ــ إسرائيل ــ إيران)
  الفلوجة .... وماذا بعد
  سايكس بيكو (سازانوف) تحالف، معاهدة أم مؤامرة ؟
  من يصالح من ومن يقاتل من ....!
  التظاهرات في بغداد تبلغ ذروة خطيرة
  الخيارات الصعبة في سوريا
  حكومة تكنوقراط، وما زلنا في مرحلة التجارب
  العراق وشعبه باقيان، وسيهزم خصومهما
  بمناسبة أربعينية عبد الرزاق عبد الواحد
  من بوسعه مواجهة هذا الإرهاب

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
سلام الشماع، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د- محمد رحال، علي الكاش، سفيان عبد الكافي، ياسين أحمد، سعود السبعاني، كريم فارق، يزيد بن الحسين، د - محمد سعد أبو العزم، مجدى داود، د- محمود علي عريقات، خبَّاب بن مروان الحمد، عبد الغني مزوز، د. ضرغام عبد الله الدباغ، سيد السباعي، رأفت صلاح الدين، محمد العيادي، إيمى الأشقر، صباح الموسوي ، الناصر الرقيق، محمد شمام ، د - محمد عباس المصرى، العادل السمعلي، د - الضاوي خوالدية، فتحي العابد، كريم السليتي، عصام كرم الطوخى ، أحمد النعيمي، مراد قميزة، فهمي شراب، أحمد الغريب، رحاب اسعد بيوض التميمي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، أحمد ملحم، د. محمد عمارة ، د.محمد فتحي عبد العال، محرر "بوابتي"، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، سحر الصيدلي، رضا الدبّابي، إياد محمود حسين ، عدنان المنصر، شيرين حامد فهمي ، د - المنجي الكعبي، سيدة محمود محمد، د. الحسيني إسماعيل ، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، محمود فاروق سيد شعبان، د. محمد يحيى ، د. نهى قاطرجي ، د - محمد بنيعيش، د. الشاهد البوشيخي، عراق المطيري، عبد الله الفقير، نادية سعد، سامح لطف الله، عزيز العرباوي، محمد أحمد عزوز، د - مضاوي الرشيد، منجي باكير، د- هاني ابوالفتوح، د. محمد مورو ، عمر غازي، سوسن مسعود، بسمة منصور، عبد الله زيدان، سلوى المغربي، عبد الرزاق قيراط ، ابتسام سعد، فوزي مسعود ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، صفاء العراقي، وائل بنجدو، أنس الشابي، رافد العزاوي، د - مصطفى فهمي، د - محمد بن موسى الشريف ، الشهيد سيد قطب، د. جعفر شيخ إدريس ، محمد اسعد بيوض التميمي، حميدة الطيلوش، طلال قسومي، صلاح الحريري، إيمان القدوسي، د - أبو يعرب المرزوقي، د. أحمد بشير، صالح النعامي ، عواطف منصور، حمدى شفيق ، جاسم الرصيف، علي عبد العال، أبو سمية، د - احمد عبدالحميد غراب، صفاء العربي، د. خالد الطراولي ، حاتم الصولي، هناء سلامة، كمال حبيب، حسن عثمان، صلاح المختار، د - صالح المازقي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، سامر أبو رمان ، أ.د. مصطفى رجب، مصطفى منيغ، خالد الجاف ، ماهر عدنان قنديل، محمد عمر غرس الله، تونسي، محمد تاج الدين الطيبي، محمود صافي ، رافع القارصي، مصطفي زهران، د. نانسي أبو الفتوح، د. صلاح عودة الله ، د. أحمد محمد سليمان، حسن الطرابلسي، د. مصطفى يوسف اللداوي، محمود طرشوبي، رمضان حينوني، منى محروس، جمال عرفة، الهيثم زعفان، د. عبد الآله المالكي، د.ليلى بيومي ، أحمد الحباسي، د. عادل محمد عايش الأسطل، فتحي الزغل، د. طارق عبد الحليم، د - شاكر الحوكي ، حسني إبراهيم عبد العظيم، د- هاني السباعي، أشرف إبراهيم حجاج، محمد إبراهيم مبروك، محمد الطرابلسي، معتز الجعبري، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، فراس جعفر ابورمان، الهادي المثلوثي، د - غالب الفريجات، حسن الحسن، محمود سلطان، فتحـي قاره بيبـان، رشيد السيد أحمد، يحيي البوليني، فاطمة حافظ ، أحمد بوادي، محمد الياسين، فاطمة عبد الرءوف، د- جابر قميحة، إسراء أبو رمان، المولدي الفرجاني،
أحدث الردود
أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة