تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

ليبيا: المصير على رأس الحراب

كاتب المقال د - المنجي الكعبي - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


ليبيا، محل أطماع الطامعين وما أكثرهم لعظيم ثرواتها وقلة عدد شعبها، تعاني اليوم بل ومن قديم الزمان من جيران الكفر والنفاق وأدعياء الصداقة والتعاون، حتى تكاد تَعدم من يكون لها صديق وشقيق في الملمات. وبالأخص منذ انبثاق البترول على أراضيها. فلم تمض عشر سنوات على اكتشافه حتى قلبت الثورة كرسي العرش على مليكها، بقيادة ضباط شباب من الجيش الأكثر تأثراً بريح القومية والاشتراكية لتحرير بلدانهم من الاستلاب. فلم يكد يظهر ظلهم أول الصباح حتى تسارعت العواصم الى الاعتراف بهم كربيع الثورات العربية، كمقدمة للتحكم في مصائر بلدانهم. وليس أية عواصم، ولكن العواصم التي راودت فيما بعد لاستنزاف طاقاتها وخيراتها، وظلت ترصُدها وتترصد لها قبل تفقيس البيض، لإفشال كل مبادراتها للوحدة والتعاون حتى مع أقرب جيرانها وأشقائها. وهذا دأب الدول بين ضعيف وقوي، وإلا لما قامت عصبة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية لجمع الدول في حظيرتها وممارسة الضعيف على الأضعف نفوذه تحت جناح القوي فالأقوى.

وظل الأمر على ذلك تقريباً مع تغير المسميات والمجالس المستحدثة المتفرعة عنها والوكالات والمنظمات المتولدة على غرارها وتحت رُقْبتها. ولم تكن هذه المنظمة العتيدة التي يقبع لعهود طويلة على رأس جهازها التنفيذي "مجلس الأمن" ليفكر أصحاب القول الفصل فيها لتعديل تركيبته بوزن أمم العالم وليس بوزن الأقوى فيها وغير المغلوب.

ولذلك رأينا "الأمم المتحدة" ومجلسها للأمن لا يقوى إلا على المستضعفين، فيصدِّر الحلول التقسيمية والتضعيفية لطائفة من الدول تشكّل - للمفارقة - الشطر الأعظم من أعضاء المنظمة المائتين تقريباً. وفي مقدمة هؤلاء المستضعفين الدول العربية والإسلامية، حتى لا نذكر إلا من يخصّهم ويشبِه ليبيا في الوضعية، وكذلك سوريا والعراق واليمن وغيرهم.. وبالأمس شاهدنا الحلول التقسيمية التي توسّط لها أو تدّخل فيها مجلس الأمن، وهي تيمور الشرقية والبوسنة والهرسك، وما قراره بتقسيم فلسطين بغائب عن الاعتبار كذلك.

وليبيا اليوم في الخشية الكبرى بتدخل الاتحاد الأوروبي ودوله الأقوى للإجهاز على ثورة الأربعين عاماً للقذافي في ليبيا، لعودة الكرة اليها كالمساعد على فض مخلّفات حكمه الاستبدادي، الفريد من نوعه في الحوليات الحديثة للتاريخ المعاصر، وامتداداته بالتأثير المالي والإيديولوجي في إفريقيا وآسيا والأمريكيتين، وحتى في أوروبا نفسها. فالفصائل التي تتنازع الحكم بالحراب الآن، كلها تحمل مصير ليبيا على رأس حرابها.

وبما أنْ لا أحد يمكن له أن يتربع على عرش ليبيا بالكامل في وحدة كالسابق أو فيدرالية إلا بسند خارجي؛ لأنك تجد بعدد مليشياتها أعواناً لهم من الأشقاء والأصدقاء بالمرْقبة منهم لمدّهم بالعون والسلاح إذا اقتضى الحال، لارتباط المصالح وتقاسم المصير في حال الربح والخسارة. فقط سوف لا يحترم المواثيق والعهود إلا من يخشى العاقبة أن تدور عليه من الذين حركتهم ثورة الشعب الليبي للعودة إليه كالمستعمر في ظل تقسيمه أو وضعه في معاهدات مذلة تحت جناحه. ولذلك فشلت كل محاولات الحل السلمي لوجود كل الأطراف تحمل السلاح متهمة بكونها تستند الى دعم من الخارج للغلبة على غيرها.

وبما أن الأمم المتحدة، وهي تسعى لجمع الأطراف كلها الى جانب مائدة واحدة للتفتيش عن حل مرض للجميع يحقن الدماء ويحفظ الأرواح ويجنب البلاد مزيداً من الخسائر، متهمة بوقوعها تحت تأثير الدول الأوروبية والغربية عامة القيّمة على الموضوع الليبي، باعتبار تدخّلها في النزاع التدخلَ الحاسم الذي تدّعيه لنفسها دون كل فصائل المقاومة أو مليشيات الثورة، فإنها، أي الأمم المتحدة وإن أرخت الحبل للمفاوضات المسوغة للقرار، تبقى عاجزة عن فرض حل يراه الشعب معيباً لكرامته ووحدته وثورته وتراه الأطراف الموالية للخارج غير معيب. وإنما هو معيب، لأنها أي ثورته وبعد كل حديث هي ثورة للنهوض بنفسه من كبوة الحكم الاستبدادي الذي كان جاثماً على صدره كالمنغلق على نفسه ضد كل تفتح يفضي الى ابتزاز ثرواته وإن سقط في إهدار ثرواته تحت الحكم نفسه وبالحجة نفسها؛ فلا يمكن له أن يقبل بكل حال أن لا يرعى الخارج قوة الحق الى جانبه، وهي الحفاظ على مقوماته الدنيا، الذي هو أدرى داخلياً برعايتها عن ثقافة أصيلة لم تزل تفعل في ضميره وتقود خطوات إلهامه منذ مئات السنين..

قليلاً عدده ضعيفاً سنده، ولكنه قوي بنفسه وبإيمانه وبماضيه الجهادي للذود دونها وإن أعوزت الوسائل وطالت السنين. وله، عبر امتداده الروحي والمعنوي والجغرافي في دفء أشقائه وأصدقائه عبر الصحراء وعبر المتوسط وأبعد من ذلك، كل أواصر القربى والتآسي والمؤاثرة. ويَعرف أن وحْدته بمصر أو تونس أو التشاد أو السودان لم تحصل لا لأسباب ذاتية بينه وبين هذه الشعوب ولكن بينها وبين حكوماتها للضغوط الأجنبية عليها وارتهان قرارتها في الأكثر لرضاء الخارج لا لرضى الداخل. ولذلك كانت ثورته وثورة أشقائه في تونس مثلاً إنما كانت لتفتح على شيء أهم بينهما هو الوحدة، التي طالما أعوزتها إرادات الأنظمة الفاشلة التي ميزت تاريخهما بعد الاستقلال.

-------
تونس في ٢١ جانفي ٢٠١٦


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

ليبيا، الفوضى الليبية، الحرب الأهلية بليبيا، الفصائل الليبية، الإتفاق الليبي،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 22-01-2016  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  من أعلام المعاصرة المثقف الكبير الأستاذ مصطفى الفيلالي
  فرنسا والغضب الأكبر
  في ذكرى العلامة حسن حسني عبد الوهاب في خمسينيته
  أبناء السياسة وأبناء النسب
  الصدريات الصفراء رفضٌ للعولمة باسم المواطنة
  سياسة المراحل والبنوة للأبوة
  وزير للدولة والوزير المُراغم للدولة
  جديد الحكومة: منح العطل لمنع الإضراب عن العمل
  المورط في مقتل خاشقجي النظام لا أفراد منه
  اختبارات الديمقراطية في تونس: بين مد وجزر
  الثقة والولاء والقسم في السياسة
  مقدمة لديوان المناجل للشاعر منور صمادح
  التقدير الخطأ
  الفرنكوفونية أو التعصب الثقافي
  ”لا نفرّق بين أحد من السبسي في الحزب كلنا أبناؤه”
  فقْد خاشقجي ولعبة الأمم
  إحياء لإدانة العدوان والمتواطئين مع العدوان: صرخة حمام الشط لم تشف منها نفس
  اللهم احم تونس
  من كان في نعمة.. أو أبلغ كلام قاله الباجي في خطابه
  انسجوا على منوال ترامب تصحوا وتسلموا
  ناتنياهو والسياسة
  القطيعة للنهضة كطوفان نابل
  الرد على الدكتور عبد المجيد النجار في التخويف من فتنة المساواة في الإرث
  المسكنة أو حديث الذكريات للشيخ راشد
  التقرير الصدمة
  قراءة في أدب أطفالنا (بمناسبة يوم المرأة في تونس)
  إتفاقيات الاستقلال الداخلي لتونس والمداولات البرلمانية الفرنسية بشأنها في كتاب
  المظلمة على ابن خلدون
  تقويم نهج البيان في تفسير القرآن
  جائزة الملك فيصل في ظل الأزمة العالمية

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
سفيان عبد الكافي، صفاء العربي، حميدة الطيلوش، فتحي العابد، د. خالد الطراولي ، جمال عرفة، كمال حبيب، ابتسام سعد، د- محمود علي عريقات، فتحـي قاره بيبـان، د- محمد رحال، أ.د. مصطفى رجب، كريم فارق، فراس جعفر ابورمان، محمود طرشوبي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، عواطف منصور، فاطمة حافظ ، د - محمد عباس المصرى، فهمي شراب، سحر الصيدلي، مجدى داود، سيد السباعي، مصطفى منيغ، د. نهى قاطرجي ، رأفت صلاح الدين، ياسين أحمد، د.ليلى بيومي ، د - صالح المازقي، أبو سمية، إيمان القدوسي، علي عبد العال، صباح الموسوي ، أحمد بوادي، د - محمد بنيعيش، د - مصطفى فهمي، د - الضاوي خوالدية، مصطفي زهران، أحمد النعيمي، العادل السمعلي، وائل بنجدو، سامر أبو رمان ، المولدي الفرجاني، عبد الغني مزوز، د. محمد عمارة ، د.محمد فتحي عبد العال، خبَّاب بن مروان الحمد، د. محمد يحيى ، فاطمة عبد الرءوف، عمر غازي، نادية سعد، رافع القارصي، أنس الشابي، عبد الله الفقير، سيدة محمود محمد، د. ضرغام عبد الله الدباغ، د. محمد مورو ، حسني إبراهيم عبد العظيم، محمد تاج الدين الطيبي، شيرين حامد فهمي ، د - مضاوي الرشيد، حمدى شفيق ، يحيي البوليني، عبد الرزاق قيراط ، أحمد ملحم، منى محروس، حاتم الصولي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د- هاني ابوالفتوح، د - محمد سعد أبو العزم، محمد الطرابلسي، أحمد الحباسي، د - محمد بن موسى الشريف ، فتحي الزغل، صلاح المختار، محمد العيادي، د. صلاح عودة الله ، مراد قميزة، حسن الحسن، محمد إبراهيم مبروك، سوسن مسعود، حسن عثمان، عدنان المنصر، د. أحمد بشير، د. الحسيني إسماعيل ، د - غالب الفريجات، أشرف إبراهيم حجاج، إياد محمود حسين ، د. الشاهد البوشيخي، د - أبو يعرب المرزوقي، رافد العزاوي، ماهر عدنان قنديل، د. عادل محمد عايش الأسطل، محمد عمر غرس الله، د. نانسي أبو الفتوح، محرر "بوابتي"، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، أحمد بن عبد المحسن العساف ، الهادي المثلوثي، رمضان حينوني، طلال قسومي، تونسي، د- جابر قميحة، محمد الياسين، د. عبد الآله المالكي، د. أحمد محمد سليمان، عراق المطيري، هناء سلامة، صفاء العراقي، سعود السبعاني، رحاب اسعد بيوض التميمي، د - شاكر الحوكي ، إسراء أبو رمان، رضا الدبّابي، إيمى الأشقر، منجي باكير، د - احمد عبدالحميد غراب، عصام كرم الطوخى ، د- هاني السباعي، فوزي مسعود ، د. طارق عبد الحليم، محمد أحمد عزوز، علي الكاش، سلوى المغربي، أحمد الغريب، الشهيد سيد قطب، د. جعفر شيخ إدريس ، عبد الله زيدان، الناصر الرقيق، صلاح الحريري، كريم السليتي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، يزيد بن الحسين، صالح النعامي ، محمود سلطان، سلام الشماع، د - المنجي الكعبي، محمود فاروق سيد شعبان، خالد الجاف ، سامح لطف الله، جاسم الرصيف، د. كاظم عبد الحسين عباس ، معتز الجعبري، رشيد السيد أحمد، بسمة منصور، عزيز العرباوي، حسن الطرابلسي، الهيثم زعفان، محمود صافي ، محمد اسعد بيوض التميمي، محمد شمام ، د. مصطفى يوسف اللداوي،
أحدث الردود
أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة