تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

الماوردي: وحدة الفكر والموقف

كاتب المقال د. ضرغام الدباغ - برلين    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


فهرس البحث:
مدخل
1. في وجوب اتخاذ الإمارة وشروطها.
2. السلطة بين الإمامة والوزارة.
3. الأفكار بين النظرية والتطبيق.
4. أراء في السياسة الداخلية والخارجية والحرب.

مدخل:


حين نختار الماوردي لنقدمه إلى القراء لنقدمه في طليعة مفكري العلوم السياسية العربية فأننا لا نفعل ذلك بوصفه أقدم من زميليه أبن تيمية وأبن خلدون فحسب، بل وبسبب من شمولية أفكاره وسعة مؤلفاته وعمق آراؤه، وبوصفه نموذجاً للمفكر المتحد في مواقفه مع أطروحاته النظرية، ذلكم هو قاضي القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الشافعي / البصري / البغدادي الملقب بالماوردي، الذي خاض في الفقه والتفسير، وفي علم السياسة والقانون والأدب والنحو والحكمة ومجالات أخرى، بل وقد تطرق أيضاً إلى مباحث معقدة في العلاقات الدولية وفي الاستراتيجية والفن العسكري، وفي كل ذلك كان العالم النزيه الخبير بمادته، المحيط بجوانبها والمتتبع لأساليب بحث راقية، في فهرس متسلسل كأبدع ما يكون عليه البحث العلمي. بيد أننا سنضرب هنا صفحاً عن آثار الماوردي الكثيرة، وسنركز على مؤلفاته: الأحكام السلطانية والولايات الدينية، والثاني هو: نصيحة الملوك.

فالماوردي وضع في مؤلفه الأحكام السلطانية جماع فكره وآراؤه في إدارة الدولة والحكم والسياسة الشرعية الملازمة للكتاب والسنة، فيبحث فيها باستفاضة كعادته، مبتدأ بوجوب اتخاذ الأمارة وشروط أقامتها، وواجبات الدولة والحكومة وأصنافها، والأموال الشرعية وأوجه التصرف فيها والأحكام والحدود الشرعية وشروط أقامتها في عمل موسوعي ممتاز لا يسع أي أكاديمي اليوم إلا أن يدهش لدقة صنعته ومتانة بنائه الفقهي / القانوني والسياسي، وأخيراً في المتانة اللغوية. فألفاظ وكلمات الماوردي دقيقة في المقام الأول، إضافة إلى جمال الصياغة. فيحق القول في الماوردي، العالم ذو الفكر الشامل والأدب الكامل.

والكتاب الثاني، نصيحة الملوك، وللأسف لا تتوفر بين أيدينا معطيات دقيقة لمعرفة الزمن الدقيق لهذه الأعمال الرائعة, لذلك سوف لن يكون بوسعنا معرفة أيهما كتب قبل الآخر، أو تسلسلها ضمن مؤلفات الماوردي الكثيرة التي بلغ المعروف منها ما ينوف على الخمسة عشر مصنفاً، فقد منها أربعة.

وفي مؤلفه هذا (نصيحة الملوك) لا يطرح الماوردي أفكاره على شكل حكم وأمثال غير مترابطة أو متجانسة، فالماوردي أبعد ما يكون عن وعاظ السلاطين، رغم أنه كفقيه يسره فعل ذلك، بل هو يقدم في كتابه هذا خلاصة تجاربه الفكرية والسياسية العملية ودراساته ومطالعاته لسير الملوك والقادة والحروب والمغازي، عمل خلالها مستشاراً وموفداً سياسياً في أشد مراحل الخلافة العباسية حساسية، وتمكن بمهارة فائقة من صياغة أفكاره تلك في عمل قسمه إلى أبواب وفصول منتظمة، يتوجه فيها إلى الملوك والحكام بما يشبه البرنامج السياسي للدولة والحكم، ويضم بين دفتيه ما يمكن لمستشار سياسي ألمعي أن يقدمه إلى ملك، وإذا كان مؤلف الأحكام السلطانية عرضاً لمبادئ على أرض الواقع، ومن هنا تحديداً جاء اختيارنا لهذين المؤلفين من أعمال مفكرنا الكبير.

والنصيحة عند الماوردي هي دعوة للالتزام بأحكام الشريعة، فهي تمثل القاعدة القانونية / الايديولوجية للفكر السياسي عند الماوردي، وهي شأنها شأن سائر العناوين ومفردات السياسة العربية الإسلامية، قائمة أساساً على قواعد العمل الأخلاقي سواء في التعاملات السياسية الداخلية، أي داخل المجتمع العربي الإسلامي، أو مع الجهات والعناصر الخارجية، سواء كانت من دول أجنبية، أو في الموقف من فئات غير مسلمة أو غير عربية المتواجدة ضمن الدولة العربية الإسلامية.

والماوردي في ذلك يعتمد على نصوص من القرآن والأحاديث ويفسر بعضها تفسيراً واضحاً وافياً بما يؤدي إلى بيان مقاصده، وهو يفعل كل ذلك بحذاقة الأستاذ الذي يبسط سيطرته على المادة موضوعة البحث، ولا يقع في تناقضات، ولا يدع أن تفوته أي ملاحظة مهما كانت بسيطة، ويشبع الاتجاهات التي يطرقها بحثاً وتحليلاً ويعرض على ذلك أمثلة مقاربة من الفكر الإغريقي الذي يبدو أن أستاذنا الكبير كان على إطلاع دقيق بمنجزاته، ولا يفوته أن يعرض أمثلة واقعية من الحياة السياسية العربية، بل ويعرض حتى قصائد تزيد من التمعن في تلك المباحث، ويضع كل ذلك(وهذا مهم) في أطار شيق لا يخل بشروط البحث الرصين وبذلك فأن منجزاته(مع الأخذ بنظر الاعتبار بالقاموس السياسي والفلسفي اللغوي لذلك العصر )تعد من روائع الأعمال السياسية وتضعه في مصاف كبار علماء السياسية العربية.

أولاً : في وجوب اتخاذ الإمارة وشروطها


يؤكد الماوردي بادئ ذي بدء على أهمية ووجوب اتخاذ الأمارة فيقول : " الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا وعقدها لمن يقوم بها نحو الأمة واجب بالإجماع وإن شذ منها الأصم "(1)، فهنا فعدا عن ضرورة اتخاذ الأمارة، فأن الماوردي يقرر، وتلك مسألة سوف تتعرض في المراحل اللاحقة إلى الوهن، أن الأمارة هي لتدبير وحراسة الدين وسياسة الدنيا معاً، أي إتحاد السلطتين، الدينية والدنيوية في شخص الخليفة ـ الأمام ـ الملك، وأنه (الماوردي) يقرر، أن الأمارة بعد ثبوت وجوبها، تعد فرض كفاية كالجهاد والعلم إذا قام بها من هو أهل لها سقط فرضها عن عامة الشعب. (2).

ولا يختلف الماوردي كثيراً عن العديد من علماء السياسة العرب المسلمين الذين أقروا جميعاً بدون استثناء(تقريباً) أن الأمارة هي أمارة الدين والدنيا معاً. ولكن هذا الاتحاد بين السلطتين تعرض إلى الكثير من الضعف، ودارت حوله نقاشات كثيرة، فقد حدث غالباً، أن هيمن على شؤون الدولة والحكم قادة عسكريون، مغامرون، مرتزقة، هم على الأرجح كانوا زعماء لأسر وقبائل كبيرة، كان لها شأن مهم في الحكومة والسياسة في مقاطعات وأقاليم وتخوم الإمبراطورية(العباسية على الأغلب)، وفي ذلك يقف الماوردي حيال حقائق الحياة الواقعية موقف المتفهم للتطور والأمر الواقع، وبين المعطيات الموضوعية والمبادئ التي يتخذها نبراساً لفكره. وهنا يحاول وهو المفكر الكبير أن يجد مخرجاً لهذه المشكلة، ولكن دون أن يصبح براغماتياً(ذرائعياً) انتهازيا ولا ثيولوجياً متشدداً فيفقد بذلك مرونة العالم السياسي، حيث يبقى على مكانة الخليفة كقائد محتمل وحيد للفعاليات الدينية وكرمز للدولة، ولكن رأباً لتصدع محتمل، بل محدق بكيان الدولة قد يؤدي إلى انهيارها، أختار الماوردي أن يكون هناك نوعين من الأمراء إلى جانب الخليفة.

ويلاحظ أن الماوردي ذهب هذا المذهب حيث كان الأمراء والسلاطين سواء في الأقاليم(الشرقية بصفة خاصة) أو في مركز الأمارة قد غدا أمراً واقعياً منذ عهد الخليفة المتوكل(م861/847 ـ 242/232 هج)، الذي اغتيل عندما حاول مقاومة نفوذهم، وتفاقم تدهور مكانة الخلافة في عهد الهيمنة البويهية وبعدهم السلاجقة على السلطة، وقد عاش الماوردي حتى عام (450هج/1085م)و توفي عن عمر بلغ 82 عاماً، وبذلك فهو قد عاصر خلافة : الطائع ـ القادر ـ القائم ـ المقتدى، وشهد بنفسه تدهور مؤسسة الخلافة ومكانة الخليفة بالذات كقائد ديني ودنيوي للدولة العربية الإسلامية، وصيرورته مجرد رمز ديني ليس إلا، فقد عاصر حقبة هيمنة البويهين كما شهد انتقال هذه السلطة إلى يد السلاجقة، أما عصر سيطرة المرتزقة العسكريين فقد كانت سابقة لميلاده.

ثانياً : السلطة بين الإمامة والوزارة


أجتهد الماوردي وأتخذ موقفاً مرناً حيال هذا الواقع الذي فرض نفسه على الحياة السياسية العربية الإسلامية، والمرونة والقدرة على التكيف، هي واحدة من أبرز سمات الماوردي سواء كمفكر أو كمساهم في الأحداث السياسية، فهو يرى وجود نوعين من الأمراء:

فالأولى وهي أمارة عامة وهي :
آ/ أمارة استكفاء : وهي بعقد عن اختيار.

أما الثانية : وهي الأمارات ذات المهام الخاصة المحدودة.
ب/أمارة استيلاء : وهي ناجمة عن عقد باضطرار.

فالأمارة الأولى التي قصدها الماوردي هي أمارة الاستكفاء، وهي تلك الأمارات التي أسندها الخليفة لقيادة المناطق البعيدة عن العاصمة، وغالباً ما تطور هذا الأمر إلى تقليص صلات هذه الولايات تدريجياً بالعاصمة حسب قوة ونفوذ أمير الولاية أو مركز الخلافة. وليس نادراً ما بلغ ضعف العلاقة بين الولاية ومركز الخلافة إلى درجة الانفصال التام أو شبه التام حيث تمتع الأمراء في الولايات بكامل سلطات الخليفة التنفيذية(الدنيوية) في حين ظل أسم الخليفة يذكر في صلاة الجمعة، وقد يوضع أسمه إلى جانب أسم الأمير على عملات الولايات، كما أجاز أمراء الولايات لأنفسهم تعين الوزراء والتمتع بصلاحيات واسعة جعلت من مؤسسة الخلافة في واقع الأمر مسألة شكلية، لا سيما في مرحلة الهيمنة البويهية.

ولكن الماوردي يحاول أن يضع الأمور في أطار من العمل الدستوري، الذي يحفظ هيبة مؤسسة الخلافة، مع القبول، أو بالأحرى الإذعان لحقائق الأمر الواقع إذ يكتب قائلاً: " وإما إمارة الاستيلاء التي تعقد عن اضطرار، فهي أن يستولي الأمير بالقوة على بلاد يقلده الخليفة أمارتها ويفوضه تدبيرها وسياستها ليكون الأمير بأستيلاءه مستبداً بالسياسة والتدبير، والخليفة بأذنه منفذاً لأحكام الدين ليخرج من الفساد إلى الصحة ومن الحضر إلى الإباحة. وهذا وإن خرج عن عرف التقليد المطلق في شروطه وأحكامه، ففيه من حفظ القوانين الشرعية وحراسة الأحكام الدينية ما لا يجوز مختلاً مدخولاً ولا فاسداً معلولاً فجاز فيه مع الاستيلاء والاضطرار ما أمتنع في تقليد الاستكفاء والاختيار لوقوع الفرق بين شروط المكنة والعجز " .(4)

والماوردي الذي كان عصره حافلاً بالأعاصير السياسية والصراعات الدامية من أجل السلطة بين القوى المتنافسة، في ظل غياب أرادة مؤسسة الخلافة، وكان المرتزقة العسكريون قد هيمنوا على السلطة طيلة 82 عاماً من الهيمنة البويهية، كانت قاسية بصفة خاصة، إذ ألغت أي اعتبار لمؤسسة الخلافة ولمكانة الخليفة. فالبويهيون كانوا من قبائل الديلم(منطقة جبلية في أقليم جيلان جنوبي بحر قزوين)قليلة التحضر، أساؤا إلى كرامة الخليفة وهيبته، وقد اتخذوا لأنفسهم لقب السلطان في مرتبة رسمية تلي الخليفة مباشرة في بروتوكول الدولة وقبل رئيس الوزراء(الوزير ـ الوزير الأول)وبذلك ضمنوا لأنفسهم الهيمنة على مؤسسة الوزارة وحق الأشراف الفعلي على أعمالها و أنشطتها باعتبار أن لقب ومنصب السلطان هو أعلى من درجة الوزير.

وفي الواقع فأن عزل الخلافة عن السلطة الفعلية كان أمراً جديداً لم تعتاده بعد الحياة السياسية العربية الإسلامية، بل وبدا من الصعوبة الإذعان له تحت وطأة استخدام القوة أو التلويح باستخدامها، وغياب مؤسسة الخلافة والإرادة الشعبية ووسائل التعبير عنها، وبذلك غدت الهيمنة أمراً واقعاً لم يكن لقبوله من بد، فكان لا بد أن يجري التعايش معه، وقد حاول الماوردي أن يستوعب هذه الظاهرة / الحقيقة الجديدة، التي تعني ليس الهيمنة على الأمارات البعيدة فحسب، بل وعلى مركز الخلافة نفسها، حاول أن يضعها في أطار من التشريع السياسي، فقرر أن هناك نوعين من الوزارات في دست الحكم:

الأولى/ وزارة تفويض: وهي أن يستوزر الأمام (الخليفة) من يفوض إليه تدبير الأمور وإمضاءها على اجتهاده.(5)

فأمام حالة غير مسبوقة، وليس هناك ما ينص عليها في الشريعة التي هي بمثابة الدستور الدائم، أو بالأحرى روح الدساتير، فقد أجيز في الفكر السياسي الإسلامي أن يخول الخليفة صلاحياته أو جزء منها إلى حكام الأقاليم وذلك منذ عهد الخلافة الراشدية عندما اتسعت رقعة دولة الخلافة، وهكذا وجدت المرونة مدخلاً ومنفذا لها عبر هذه التجربة، لأن يمنح الخليفة من مقر ومركز حكمه، صلاحياته التنفيذية كلها أو جزء منها إلى من يعهد به الكفاءة.

ولكن قد يفرض هذا الأمر نفسه كما حدث في الواقع في مرحلة هيمنة العسكريين المرتزقة، أو المرحلة البويهية أو السلاجقة، وهنا كان لا بد على الفكر السياسي العربي الإسلامي أن يكون مرناً ويتكيف مع هذه الأحوال التي تدل حركة التاريخ أنها أحداث سياسية يمكن أن تحدث في أي ظرف وذلك لا ينتقص من قيمة منجزات المفكر السياسي العربي، ويزيده ثراء وسعة وتجربة، وبمرونة وقدرة جيدة على التعامل مع معطيات الظروف.

وقد أقر الماوردي أن لوزير التفويض صلاحيات وسلطات، له أن يحكم بنفسه من خلالها أو أن يحيل بعضاً منها إلى الحكام كما يفعل ذلك الخليفة(الأمام) وبرأيه: " لأن شروط الحكم فيه معتبرة ويجوز أن ينظر في المظالم ويستنيب فيها لأن شروط المظالم فيه معتبرة.
والماوردي يرى أن للوزير ما للأمام (الخليفة) إلا ثلاثة أشياء:

ـ للأمام أن يعهد بولاية العهد لمن يشاء وليس ذلك للوزير.
ـ للأمام أن يستعفي عن الأمة والإمامة.
ـ للإمام أن يعزل من قلده الوزير وليس للوزير أن يعزل من قلده الأمام. " (6)

الثانية / وزارة تنفيذ : ويريد بها الماوردي تلك الوزارات الاعتيادية التي كانت تحكم في سالف الأيام، في العهود التي كانت فيها سيطرة الخليفة على سلطاته الدينية تامة. وعن هذه الوزارات يقول الماوردي :

" وكلها أضعف وشروطها أقل لأن النظر فيها مقصور على رأي الإمام(الخليفة) وتدبيره. والوزير هذا وسط بينه وبين الرعايا والولاة(ولاة الأقاليم) وشروط الوزير هي :

* الصدق.
* قلة الطمع.
* أن يسلم ما بينه وبين الناس من عداوة وكراهية.
* أن يكون مخلصاً في تعامله مع الخليفة.
* الذكاء والفطنة.
* أن لا يكون من أهل الأهواء فيخرجه الهوى من الحق. أن الهوى خادع للألباب وجارف له عن
الصواب.
* يجوز لوزير التنفيذ أن يكون من أهل الذمة " . (7)
وهذه أشارة مهمة إلى مكانة المواطنين غير المسلمين في الدولة العربية الإسلامية، يقبل الماوردي، ولا يمكن اعتبار ذلك إلا علامة صحية في معنى المواطنة، أن يكون في منصب رئيس الوزراء مواطن غير مسلم.

ولكن الماوردي لا يذكر متى وكيف تحل وزارة التفويض أو وزارة التنفيذ، فتلك تبعاً لشروط غير معهودة، وهي بالأحرى أما نتيجة لضغوط خارجية سلطت على مركز الخلافة أو ظرفاً طارئاً فوق العادة يستدعي من الخليفة أيضاً أمضاء مثل هذه الوزارة. على أن الماوردي استطرادا واستكمالا لبحوث سياسية يذكر الفرق بين الوزارتين قائلاً : " والفرق بين وزارة التفويض ووزارة التنفيذ:

* يجوز لوزير التفويض مباشرة الحكم والنظر في المظالم.
* يجوز لوزير التفويض تعين الولاة.
* يجوز لوزير التفويض أن ينفرد بتسيير الجيوش وتدبير الحروب .
* يجوز لوزير التفويض التصرف بأموال بيت المال بفيض من يستحق ".(8)

وتدل هذه الفروق أن وزير التفويض يباشر في الواقع أبرز الفعاليات الحكومية ومنها تلك التي كان الخلفاء يحرصون على التمتع بها مثل النظر في المظالم، فهذه كانت من صلب واجبات الخليفة الدنيوية والرباط الذي يشده إلى الشعب وكذلك تدبير الحروب (الجهاد) أو التصرف بأموال بأموال بيت المال، جباية وأنفاقاً وكذلك تعين الولاة.

والإمامة (الخلافة) لها مكانة رفيعة في أعمال الماوردي بوصفها الرأس الديني والدنيوي للدولة العربية الإسلامية، وله فيها مباحث مفصلة في قيامها وشروطها، فالماوردي يرى أن الإمامة تعقد بطريقتين:

آ/ اختيار أهل العقد والحل، ولا يقل عدد هؤلاء عن خمسة من النافذين في الحياة السياسية والاجتماعية والعلمية.
ب/ أن يعهد إليه بعهد من الإمام من قبل. ويبدي الماوردي الكثير من المرونة والتبصر إذ يقول : " ويفضل زيادة السن لكمال البلوغ، ويفضل الشجاع على صاحب العلم إذا كان الموقف يتطلب التصدي للبغاة، أو صاحب العلم لإسكات أهل البدع، وتجوز إمامة المفضول مع وجد الأفضل".(9)

وتمثل هذه الآراء سعة الفكر السياسي من جهة، وفاعلية الحركات التي كانت تمور في المجتمعات وهي تفرز أثارها. فالماوردي يقر علناً أو ضمناً بأن الظروف السياسية تلعب دوراً هاماً في الشخصية المطلوبة لقيادة الدولة، وليست هناك نصوص جامدة يجد فيه السياسي نفسه حيالها مكبلاً أمام خيارين : أما تجاوزها وذلك سيمثل سابقة ستقود إلى تكرار خرق الدستور أو روح الدساتير، أو القبول بها مع علمه بأنه قبول ضار وسيؤدي إلى أضعاف موقف الدولة برمته وعلى كافة الأصعدة نتيجة ضعف الشخصية القيادية غير الملائمة لقيادة هذه المرحلة أو تلك.

ومع أن الظروف السياسية التي عاصرها الماوردي كانت قاسية من حيث غياب هيبة مؤسسة الخلافة، إذ كانت الخلافة قد أضحت ملكية منذ عهد بعيد، منذ أن أخذ معاوية بن أبي سفيان البيعة لأبنه يزيد، أي كانت وكيفما كانت الدوافع، ودار الأمر على هذا المنوال تقريباً طيلة الخلافة الأموية والعباسية، إلا أن ذلك لم يمنع الماوردي من تثبيت مبادئ سياسية سليمة تطابق أحكام الشريعة، أو تعمل بروحها ولا تبتعد عنها إذ يقول : " لا يجوز أن ينفرد الإمام ـ الخليفة، بعقد البيعة لولد أو لوالد حتى يشاور أهل الاختيار فيرونه أهلاً فيصح حينئذ العقد."(10)

ولا يغفل الماوردي كدأبه في كافة مباحثه من حيث شمولية آراؤه، أن يذكر أن الإمام ـ الخليفة، له أن يعهد بالأمر إلى أثنين أو أكثر من بعده ويرتب الخلافة فيهم (11) " إذا أراد الإمام أن يعهد بها فعليه أن يجهد رأيه في الأحق بها والأقوم بشروطها كما عهد عمر إلى أهل الشورى وهم ستة " (12).

وأحكام وشروط الماوردي في نيل الإمامة تكون مشابهة لطائفة كبيرة من العلماء، فهو يطلب فيها :

* العدالة على شروطها الجامعة.
* العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام.
* سلامة الحواس في السمع والبصر واللسان.
* سلامة الأعضاء بما يضمن سلامة وسرعة الحركة والنهوض.
* الرأي السديد المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح.
* الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيعة وجهاد العدو.
* النسب القريشي (وهذا فيه كلام كثير مختلف عليه) . (13)

وبنفس المدى ذهب الماوردي إلى تعين مهام وواجبات الخليفة ـ الإمام، بصورة متقاربة مع علماء وفلاسفة آخرين:
* حماية البلاد والدين والأمان.
* إقامة حدود الله.
* تحصين الثغور بالعدة والعتاد وبالقوة الدافعة(الأفراد والجيوش).
* جهاد من عاند الإسلام.
* جباية الفيء والصدقات.
* صرف أموال بيت المال بالاستحقاق.
* تعين الأكفاء والأمناء في المناصب.
* النهوض بأمور الدولة والحكم ليس بالهوى.

ويستشهد الماوردي بالآية : " فأحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله" . (26 ص) وبالحديث النبوي:" حبك للشيء يعمي ويصم "حديث)(14) فالماوردي ينتبه إلى ضرورة تجنب الحكام أحكام الهوى، آفة العمل السياسي قديماً وحديثاً، بل أنه سيتطرق أكثر تفصيلاً إلى هذه المسألة في كتابه نصيحة الملوك، ويجعلها في مقدمة أبحاثة السياسية في الممارسة العملية.

والماوردي الذي يطلب الطاعة للإمام ـ الخليفة حيث يستشهد بآيات وأحاديث منها :" أطيعوا الله وأطيعوا رسوله وأولي الأمر منكم " 59 النساء) و: " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري، فقد عصاني" حديث). أن الشريعة تطلب الطاعة للإمام ما دام معتصماً بالعمل بالدستور(الشريعة)، ولكن قليل من العلماء تطرق إلى حالة ما فقد الإمام أهليته وشرعية بقاؤه على رأس السلطة في الدولة الإسلامية وبأي شروط ؟ ذلك ما تطرق إليه مفكرنا الكبير قائلاً :" واجب على الرعية الطاعة والنصرة للإمام ما لم يتغير حاله:

* لنقص في بدنه.
* لجرح في عدالته من الفسق إما :
ـ لشهوة أتبعها، ارتكابه المحضورات انقيادا للهوى.
ـ لشبهة في الرأي، أخطاؤه في التقدير ."(15)

ولا يفوت الماوردي وهو الفيلسوف السياسي أن يتنبأ ما قد يحدث إذا تعرض الإمام للأسر أو الارتهان، أو أن يستولي عليه أعوانه من غير تظاهر ولا مجاهرة(أي أن تسلب أرادته السياسية الحرة، فإذا نجم عن ذلك أراء وتصرفات خارجة عن الدين وأحكامه، تسقط ولايته".(16)

ومع كل هذه المداخلات الواضحة والتفصيلية، العميقة الغور، فأن الماوردي يتجنب الإشارة بصورة واضحة صريحة إلى كنهة العمل والتصرف حيال الحاكم الجائر، وكيفية عزله، وهل يجيز الماوردي خلعه بالقوة أم وفق آليات دستورية سليمة، فهذه دون شك أحدى ثغرات أعمال الماوردي السياسية والتي لا تقلل من مكانتها الرفيعة في مجال البحوث والدراسات السياسية العربية .

ثالثاً : الأفكار بين النظرية والتطبيق


أما أفكار الماوردي السياسية في أطار التنفيذ فقد صاغها في كتابه نصيحة الملوك، وهي نتاج تأملاته ودراساته في السياسة من جهة، وأيضاً المتحقق من خلال حياة حافلة بالتدريس والبحث واشتغاله بالقضاء مما أهل له مكانة رفيعة عند الملوك والأمراء والقادة وعرف ببعد نظره وحكمته، لذلك عمل في الوساطة بينهم راضين بوساطته وأحكامه، مكنه كل ذلك من تحقيق ثروة من التجربة العملية عزز بها دراساته النظرية وأكسبها بعداً مهماً في الممارسة ونضجاً ومراساً.

يهدف الماوردي في كتابه نصيحة الملوك ليس فقط إزجاء النصيحة إلى الملوك والحكام، أنطقاً من أحكام الشريعة في وجوب تقديم النصيحة للملوك والحكام، ووجوب استشارة الملوك للعلماء وأصحاب الرأي والنافذين في المجتمع والدولة، بل وأيضاً تثبيت مبادئ سياسية تصلح لصياغة مبادئ ونظريات عمل وحكم. وهنا يستشهد الماوردي بحديث للرسول(ص): " إنما الدين نصيحة. وقيل لمن يا رسول الله قال: لله ورسوله ولأئمة المسلمين ولجماعتهم ". حديث)، فالماوردي انطلاقا من ذلك يقول:"الملوك أولى الناس بأن تهدى إليهم النصائح وأحقهم بأن يخولوا بالمواعظ، إذ كان في صلاحهم، صلاح الرعية وفي فسادهم فساد البرية". حديث) (17) ثم يقول مستطرداً: " ففي نصيحة السلطان نصيحة للكافة(الشعب) وبوصف السلطان هو القائد الأعلى للفعاليات الدينية والدنيوية ". والماوردي من جهة أخرى، ولا يفوته أن يسند ذلك إلى أحكام الشريعة، يؤكد على مسألة هامة، وهي أن صاحب العلم والعالم ملزم أخلاقياً بتوسيع أطار العلم ونشره قدر جهده إذ يقول : " إن الله يحث العقلاء من عباده على طلب الأجر وركب في طبائع الفضلاء من المحبة لبقاء الذكر." ويستشهد بحديث رائع للرسول (ص): " من كان عنده علم فكتمه، ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة ". حديث).(18)

مر علينا أن مكانة الإمام عند الماوردي جليلة. فالسلطان عند الماوردي هو "ظل الله في الأرض" وقد قيلت نقلاً عن الرسول(ص) أن :" أن السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم" حديث )، وبهذا المعنى سماهم الحكماء ساسة، إذ كان محلهم من مسوسيهم محل السائس مما يسوسه من البهائم والدواب الناقصة الحال من القيام بأمر نفسها والعلم بمصالحها ومفاسدها وسموا الأفعال الخاصة بهم سياسة". (19)

ولان هذه المكانة(المنصب) محفوفة بالمخاطر والمسؤوليات الجسيمة، فلا غراوة إذا وجدنا مفكرنا الكبير لا ينفك عن حث الأئمة والملوك بطلب النصيحة، والنصيحة هنا استشارة المؤهلين علمياً وأخلاقياً، ويطالب الملوك بالابتعاد عن أحكام الهوى إذ يقول : " على العاقل أن يعلم أن الرأي والهوى متعاديان، وإن من شأن الناس تسويف الرأي وإسعاف الهوى ". (20)

ويحذر الماوردي الحكام والرعية على السواء في أشارة واضحة إلى اجتماع العناصر الذاتية الداخلية والموضوعية الخارجية التي تؤدي في محصلتها إلى نهاية الدولة قائلاً: "وأعلموا أن دولتكم تؤتى من مكانين، أحدهما غلبة من الأمم المخالفة لكم(المعادية لكم)، والثانية، فساد أدبكم".(21) وفساد الأدب هنا ليس سوى فساد العناصر الذاتية للدولة من أجهزة ومؤسسات والعناصر القيادية فيها.

ويقدم الماوردي تحليلاً رائعاً في تصارع الآراء والإرادات والأسباب المفضية إلى ذلك، إذ يقول: " ولابد في الدين من وقوع الحوادث التي يحتاج إلى النظر فيها، والنوازل التي لا يستغنى العلماء عن استخراجها، ومن خير يشكل معناه(يستعصي معناه)، وأثر تختلف التأويلات في فحواه على مر الأيام، فإذا دفعوا إليه اختلفت الآراء في المسائل وتفرقت الأهواء في النوازل وصار لكل رأي تبع ومشرعون وأئمة ومؤتمون، ثم مع طول الزمان ازدادت لها الأنصار ومتعصبون لها وأعوان ومدافعين عنها فكان سبباً لاختلاف الأمم وانشقاق عصاها، ولا يخلو دين من الأديان ولا ملة من الملل من منافقين فيها ومعادين لها. فإذا وجدوها مختلفة متباينة متعادية، أظهروا مكايدهم المضمرة ومطاعنهم المكنونة فدسوها في مذاهبهم واخترعوا اختراعات كاذبة فوضعوها في أخبارهم وافتتنت بذلك عوامهم وفسدت أغمارهم".(22) ويلاحظ هنا الرؤية العميقة لظهور الانشقاقات وأنها عبرة يسوقها لنا الماوردي من خلال التيارات والحركات الدينية...!

وعلى هذا المستوى العالي والإحساس المرهف بالتاريخ، يتوصل الماوردي إلى قوانين تطور ليست عشوائية، بل هي ناجمة عن فهم عميق للعناصر المحركة، فنراه يذكر مقولة عمر بن الخطاب، عندما جيئت إليه خزائن وغنائم معركة القادسية، إذ بكى، فقال له عبد الرحمن أبو عوف: يا أمير المؤمنين إن هذا يوم فرح وسرور، فقال عمر :" أجل ولكن ما أوتي هذا قوم قط إلا وأذرتهم العداوة والبغضاء" .(23)، فأي أدراك دقيق لعناصر التحول في المجتمع في حديث الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب، وأي تكريس علمي لها كقاعدة في فهم التاريخ لدى مفكرنا، فتراه يقول في مكان آخر تأسيساً على هذا الفهم المتقدم :" أن أحوال الأمم المعروفة أخبارها والممالك المشهورة آثارها والملوك المنقولة إلينا أوائل أيامها وأواخرها متشابهة متقاربة"(24).

لذلك فالماوردي يطلب من الملوك والحكام أن يدرسوا دروس التاريخ ويستنبطوا منها الدروس قائلاً :" على الملك الحازم والسائس(السياسي) الصارم أن يتعهد قلبه سماع أثار الملوك الذين سبقوه وقراءة سيرهم وأخبارهم ".(25)

وقد عرضنا أن الماوردي كان من العلماء المهتمين في موضوعة(الإمام ـ السلطان ـ الملك) وفيي شروط انتخابه وشخصيته، ويدعم آراؤه بما قاله أحد الحكماء " لا ينبغي أن يكون الإمام سفيهاً ومنه يلتمس الحكم ولا جائراً ومنه يلتمس العدل" (26)، ثم يستشهد بخطبة ليزيد بن عبد الملك الذي كان من خلفاء بني أمية الذين أظهروا الدين وبسط العدل" أني وفيت لكم بهذا (بما وعد من خير وطاعة الله) فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة والمكاتفة، وإن لم أوف لكم به فلكم أن تخلعوني" و" أيها الناس، أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا وفاء له بنقض العهد، أنما الطاعة طاعة الله، فأطيعوه بطاعة الله ما أطاع، فإذا عصى الله ودعا إلى المعصية، فهو أهل أن يعصى وأن يقتل"(27)، فالماوردي يؤكد على رفضه للإمام الجائر، ويؤيد قتله ضمناً، كما فعل يزيد بن عبد الملك، ولكن مسألة الأمام الجائر أو الفاقد الأهلية وخلعه رغم أهميتها تبقى رغم ذلك قضية غائمة في فكر الماوردي، بل في الفكر السياسي الإسلامي بصفة عامة.

والفكر السياسي عند الماوردي يستند إلى الشريعة، فهو يعتمد على الآيات القرآنية والأحاديث في تحليل وفهم الظواهر السياسية ويفسرها لتكون حجة له، فيقول :" أن علم الدين أصله وطريقة الاستدلال عليه بالشاهد على الغائب وبالمتفق عليه على المختلف فيه، وجهة استخراج الرأي وهذا هو علم السياسة على الحقيقة وطريق النظر في العواقب ومناظرة العمال والكتاب والوزراء، ثم أن أحب الازدياد من العلم والاستكثار من طلبه واستفادة على الترتيب الذي ذكرناه والتنزيل الذي نزلناه". ثم يستطرد الماوردي في أهمية العلم والثقافة في الاستدلال قائلاً :" فلا يخدع من عرف من سيرة الخلفاء وأخبار الوزراء وآثار الأمراء الإسلاميين بأخبار الأمم المتقدمين وآثار الملوك ".(28)

وبرغم أن المرحلة التي عاشها الماوردي تمثل عصر تردي في الحياة السياسية ومؤسسة الخلافة بالذات، إلا أن الاتجاهات التحررية واضحة في فكر الماوردي وهو الميال إلى المعتزلة، ومواقفه على الدوام لا يمالي فيها السلطان الغاشم ، وهي مواقف كانت سائدة في مؤسسة الخلافة، فهو لا ينفك عن مطالبة الخلفاء بالأخذ بأسباب القوة والحزم والعزم، إذ يقول :"الأخذ بالحرام وتقوية العزم، وحذر من الأقدام على الأمور من غير تبين الفرصة، وقلة الاغترار بمن يدعو إلى التوكل وهو واجد إلى الاحتياط سبيلاً وعلى وجه الرأي دليلاً فأن ذلك مما يؤدي إلى الهلاك"(29) ويستشهد بالآية :" ولا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة" 195 ـ البقرة)، فالماوردي يدعو حقاً إلى الأقدام ولكن من غير مغامرة أو تهور.

ومن جهة أخرى يطالب الماوردي الحكام بالمشورة مهما بلغ الحاكم من العقل والحكمة، فالمشاورة ليست من أجل تجنب الخطأ والزلل فحسب، بل وتعني أشراك الأخرين في الحكم والقرار، مشاورة يعدها الماوردي (راحة للملك) وهي مشاورة أهل الرأي والفضل والعلم والدين والأمانة والعفة والتجربة. وقد أمر الله نبيه(ص) بعدما دم إليه من التوفيق والتأييد والتسديد وضمن له الإظهار والنصرة وإعلاء الكلمة والعصمة من الناس بقوله : " والله يعصمك من الناس" 67 ـ المائدة)، ويأمر بالمشاورة :" وشاورهم بالأمر فإذا عزمت فتوكل على الله "59 ـ آل عمران).(30)

والماوردي يطرح في غير مبحث العدل بوصفه من أهم مبادئ الحكم، وهو مبحث تقليدي في مناهج الفكر السياسي العربي الإسلامي وهو يتسع عند الماوردي إذ يفرضه على الملك قائلاً :" الملك أولى الناس بالعدل" والعدل عند الماوردي يشمل العدل في السيرة وسلوك الواسطة(السبل والمناهج) وتحبب أطراف الفضائل، ومجاورة الحدود والميل إلى ترك الافراط والتفريط (المبالغة والتطرف) ". (31)

العدل عند الماوردي ليس من اختصاص الملك أو الحاكم فحسب، بل هي مطروحة على الملك والسياسي والرعية على السواء إذ يقول :" العدل ميزان الله في الأرض، يجب على الملك الفاضل والسائس(السياسي) الكامل الإقتداء بالله فيما للعبد إدراكه على مقدار الجهد ومبلغ الوسع والأئتمار بأمره فيما رغب فيه ومـدح عليه، وقد وصـف الله نفسه بالرحـمة في خـلقه والعدل" (32).

وإذا ضربنا صفحاً عن حشد كبير ومهم مما يقدمه المستشار لرئيسه أو لمليكه، لنركز على أبرز الموضوعات السياسية والحكم عند الماوردي، وأولى تلك الموضوعات ما يختص منها بحاشية الملك وخاصته، وبمفاهيم اليوم، الحكومة(الوزارة) وكبار موظفي الدولة من مدراء عامين وقادة الجيش والشرطة والأمن وسواهم من أصحاب الشأن والنافذين.

ويضع الماوردي عشرة شروط رئيسية يراها ضرورية لاستقامة الأمر ونعتقد أن معظم هذه الشروط صالحة حتى بمقاييس عصرنا الراهن : ـ
* أن لا يرضى منهم إلا ما يرضى من نفسه.
* أن يدر عليهم أرزاقهم(رواتبهم).
* أن لا يقدم أحداً منهم إلا بالاستحقاق.
* أن لا يسمح لأحد من الرعية بظلم الرعية.
* أن يعفو عن صغائر الأمور.
* أن لا يدع لهم فراغاً لا شغل لهم.
* أن يختار منهم بعد التجربة أعواناً.
* أن يتفقد ظهور الفجور في عسكره.
* أن لا يحتجب عنهم وعن الشعب.
* أن يتعهد مرضاهم وأيتام موتاهم

ويتطرق الماوردي بعبقرية إلى مسألة غير مسبوقة في البحث، وهو الإكثار والإفراط في استخدام الموظفين فوق الحاجة الفعلية إليهم، فيدعو إلى عدم تعين المزيد منهم وتنصيبهم على الشعب، حيث أن ذلك سيوجب الفساد. ولا يكتفي الماوردي بهذه الإشارة الذكية والتحذير المهم في مساوئ البيروقراطية، وتتجلى عبقرية مفكرنا في تحليل مساؤها إذ يقول، أنهم :

آ/ أنهم إذا كثرت أرزاقهم ومؤنهم(رواتبهم ومكافأتهم) شغلت بيت المال عن الأوجب الأولى والأحق الأحرى وأضر ببيت المال.
ب/ أنهم إذا كثروا كثرت مكاتباتهم وكتبهم وكتب الأمناء عليهم والشكايات منهم والرجائع عليهم فشغل ذلك الملك عن الكثير مما هو أولى به.
ج/أنهم إذا كثر عددهم صعب الاتفاق حول مختلف الأمور."(34)

ومن الموضوعات المهمة الأخرى التي أفرد لها الماوردي أهمية خاصة في مباحثه التي أعتبرها هو وغيره من علماء السياسة العرب والمسلمون، قضية بيت المال بوصفها من أبرز مهام الخليفة الإمام، وهكذا أدرك مفكرنا العظيم أهمية الاقتصاد للدولة العربية الإسلامية. ليس فقط بوصف بيت المال عصب الحياة المهم، بل وكون الأموال مفضية إلى الظلم في جبايتها وفي أنفاقها، وإلى الفساد وأمراض سياسية واجتماعية عديدة ويتقدم الماوردي بقاعدة سياسية/ اقتصادية رائعة إذ يقول :"لا شيء أقطع لسيل الأموال في الخزائن وبيوت المال من الجور والظلم وتعدي الحق "، ثم يستشهد بقول حكيم :" ما أستغزر مثل العدل، ولا أستنزر مثل الجور ".(35)

وفي هذا المجال لا بد لنا بادئ ذي بدء تحديد الأموال الواجب جبايتها شرعاً في الدخول إلى بيت المال أيراداً بوصفها أموالاً حلالاً: ـ

* الزكاة، وهناك نص بجبايتها.
* الجزية، هناك نص بجبايتها.
* الخراج، هناك اجتهاد بجبايتها.
* الغنائم، هناك نص بجبايتها.
* الفيء، هناك نص بجبايتها.
* الأموال التي يقرر القضاء أحالتها إلى بيت المال شرط أن لا يكون منشئها حرام.

ومعلوم أن بيت المال(خزانة الدولة) لم تصبح شيئاً مهماً في الدولة إلا بعد الفتوحات وتزايد موارد الدولة من جهة، وتنظيم الشؤون المالية من خلال التشكيلات الحكومية التي تناولت الأصعدة التي كانت حاجة الدولة الفتية ماسة إليها. من جهة أخرى فالماوردي يستشهد بمقولة للخليفة الثاني عمر بن الخطاب ويتخذ منها قاعدة لتنظيم الشؤون المالية :" أن يؤخذ بحق وأن يعطى بحق وأن يمنع عن باطل ".(36)

وعلى هذا الأساس النظري السليم، صاغ الماوردي قاعدة لممارسة العمل المالي إذ كتب: " لا يؤخذ مال إلا من حقه ولا يضعه إلا في موضعه، فأن الله عز وجل قد أغلظ الوعيد على مستحله وأكد النهي عن الظلم ".(37)، إلا أن الماوردي سرعان ما يستدرك ويحتاط لسوء التصرف وتطبيق القواعد النظرية السليمة فيكتب: " قد حرم الله عز وجل من صنوف المكاسب والمطالب، الربا، الرش (الرشوة) والغصب والغلول والغش والخيانة والسرقة وكل مال على أود أحد من طيبة نفسه أو حق يجب عليه، أو ميراث يورث بعده، سوى ما أوجب الله على أهل الملة من حق في أموالهم، فيأخذه الإمام من أغنيائهم فيرده فقرائهم، وقيل " ما في الأرض موضع إلا وبجانبه حق مضيع" .(38)

ويستطرد الماوردي في القضايا دون الولوج في تفاصيل القضايا كقضية فنية اختصاصية بحتة، فذلك ما يتركه الماوردي لعلماء الاقتصاد والمالية المختصين وللإجرائيين من الموظفين العاملين عليها. فقبل قرنين من ميلاد الماوردي كان القاضي أبو يوسف قد أنجز كتابه الذائع الصيت (الخراج) في عصر هارون الرشيد، وهو عمل ينطوي على تفصيلات كثيرة ونظم دقيقة لجباية الخراج ولكن الماوردي يقد مؤشرات عامة إذ يقول:

" أموال الزكاة وهي أربعة: ـ
* المواشي.
* ثمار الشجر والنخيل.
* الزروع.
* الذهب والفضة.

مستشهداً بحديث للرسول (ص) كقاعدة للجباية : " لا زكاة في مال حتى يحول الحول عليه " حديث).(39)

الجزية والخراج: حقان أوصل الله سبحانه المسلمين إليهما من المشركين.

* أما الجزية: فهي بنص/ وأقل الجزية مقدر بالشرع وأكثرها مقدر, الجزية تؤخذ مع بقاء الكفر وتقسيط بقول الإسلام" قتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أولوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صغرون" 29 ـ التوبة)

* الخراج: وهي أجتهاد / أقله وأكثره بالأجتهاد ويؤخذ الخراج مع الكفر والإسلام.(40)

ولكن الماوردي يحذر من التعسف من استخدام الحق والوقوع في الإثم والفساد وله فيها رأي حازم بوجه من يسيء استخدام المال فيجعله سلاحاً اجتماعيا/ سياسياً يشهره لنيل المكتسبات الإضافية، أو لجني المزيد من الأرباح، أو وسيلة للفساد السياسي/ الإداري/ الحكومي، إذ يكتب :"حسن التدبير في المال : أما من جهة ترتيب المال في جمعه وتفريقه(توزيعه)، فيقول : إن من حسن التدبير في المال من سلك فيه المذهب القويم والطريق المستقيم، أن لا يؤخذ من أصل المال ولا يؤشل(يزّكى) ولا يثمر(يستثمر) إلا من جله(ما زاد عليه) وأن ينفق من قدر ما يحتمله رأس المال، فإن النفقة جاوزت وفاقت التميز لم تلبث أن تضر ببيت المال وتنقذه، وكذلك إذا ساوى الدخل الخرج (الأنفاق)". (41)

ومثل القضاء ركناً مهماً من أركان الدولة العربية الإسلامية، فالقضاء هو الوسيلة العملية لتنفيذ أحكام العدل الإلهي التي تنص عليها الشريعة والتعين في سلك القضاء يتم من قبل الخليفة مباشرة وهي تدخل في صلب اختصاصه وذمته، لذلك فأن التدقيق في شروط تقليد القضاء أمر لابد منه. وعن ذلك يكتب الماوردي قائلاً : " لا يجوز أن يقلد القضاء إلا من تكاملت فيه شروطه التي يصح معها تقليده وينفذ بها حكمه ولها سبعة شروط : ـ

* أن يكون رجلاً بالغاً.
* أن يكون حائزاً على المدركات الضرورية.
* أن يحوز على شرط الحرية(أن يكون حراً)
* أن يكون مسلماً.
* السلامة من السمع والبصر.
* أن يكون عالماً بالأحكام الشرعية.
* العدالة وهي ضرورية لكل ولاية . " (42)

ثم ينطلق الماوردي في أبحاث فقهية قانونية، فما يهمنا في هذا المجال، هو التأكيد على القواعد في العمل القضائي، ويستند الماوردي إلى مجموعة من المبادئ التي أطلقها الخليفة عمر بن الخطاب ووجدها الماوردي صالحة لأن يستند عليها الفقه القانوني في استنباط الأحكام في العمل القضائي وهي:

* البينة على من أدعى واليمين على من أنكر.
* الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً.
* مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.
* قياس الأمور بنظائرها.
* من أحضر بينة أخذت له بحقه وإلا استحلت القضية عليه، فأن ذلك أنفى للشك، وأجلى للعمى.
* المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حد أو محجراً عليه في شهادة زور أو ظنيناً في ولاء أو نسبة، فإن الله عفا عن الإيمان ودرءا بالبينات . (43)

رابعاً : أراء في السياسة الداخلية والخارجية والحرب


أطلق الأدب السياسي العربي الإسلامي على خصوم الدولة من معارضيها في الداخل، سواء كانت مجاميع سياسية أو عرقية أو دينية/ مذهبية، أطلقت عليهم مصطلح الخارجين على الدولة، لاسيما إذا رافق ذلك الخروج استخدام السلاح. وفي هذه الحالة فأن المفكرين وعلماء السياسة استندوا إلى معطيات الشريعة في التعامل مع هذه الأحداث، وهم الفئات الرئيسية التالية : ـ

* المشركين: والكفار وهم الفئات غير الإسلامية من أهل الكتاب وسواهم وهناك سياقات لقتالهم.
(الإبلاغ والإنذار ..الخ).
* المرتدين: وهم من ارتدوا عن الإسلام فوجب قتالهم شرعاً.
* الباغين : من الفئات الإسلامية التي أعتدت وبغت على المسلمين.
* المحاربين: وهم الخارجين على إرادة الدولة الإسلامية(من قطاع الطرق والممتنعين عن إرادة
الإمام، وسواهم.

وأفكار الماوردي هنا لا تبتعد كثيراً عن أفكار سائر العلماء المسلمين بل هي متشابهة, ويساهم في تفسير الآيات القرآنية ويجتهد فهو يقول في قتال الباغين ويعرفهم:" بأنهم الباغون الذين يخرجون على المسلمين والأئمة العادلين منقلبون أو متأولين من أهل الملة أمر الله عز وجل بقتالهم بعد دعوتهم إلى السلم والفيء والصلح ومناظرتهم فيه وبيان الحق لهم" . (44)

والخارجين عن الإسلام هم في عرف الماوردي، تلك الحركات المسلحة الخارجة على الإمام العادل. والإمام العادل هنا أشارة مهمة إلى ما لم يشأ الماوردي ذكره صراحة، والإجابة على سؤال حاسم :هل يجوز الخروج وقتال الإمام الظالم ؟ .. أو بالاحرى يطرح التساؤل نفسه، إذا كان الخروج على الإمام العادل يعد بغياً، فهل يعد الخروج المسلح على الإمام الجائر عدلاً ؟ فالإشارة هنا هي في محل التلميح وليس التصريح !

والماوردي يطرح في غير مكان قضاياه بهدوء، فهو لا يميل في أي من مباحثه إلى التشدد والتعصب، وهو في ذلك يبدي الميل لسماع الآراء وقبول الرأي الأخر، بل هو لا يفضل المبالغة في إيقاع العقاب حتى في المخالفين والمسيئين، فهو على سبيل المثال يطلب عزل من تجاوز حقه من ولاة الأمر من الموظفين فيقول: " إن عثر منه على شيء عزل وأستبدل بعد تبين الحق أمره من غير عجلة أو غلظة، ويعاقب عقوبة يحتمله صورة حاله ومبلغ جنايته ويسترد ما أخذ من ظلم ورد على صاحبه" . (45)

وقتال الخارجين على الدولة الإسلامية (المعارضة المسلحة) ليس كمعاملة المشركين والكفار ويستشهد الماوردي بمقولة للخليفة علي بن أبي طالب في معاوية وأصحابه: " لا تكفروهم، زعموا إنا بغينا عليهم وزعمنا أنهم بغوا علينا، فقاتلناهم على ذلك " .(46) ثم يتقدم الماوردي برأيه الذي كونه بناء على تلك السوابق قائلاً: " السنة في قتال الخارجين على الإسلام أن لا يجهز على حربهم ولا يتبع مواليهم ولا تسبى ذراريهم ولا يكون شيء من أموالهم مغنماً للمسلمين، بل هو لهم ميراث لورثتهم" . (47)

ويظهر الماوردي القدرة عل تقبل الرأي الآخر، ولا يرضى بالتعسف، كما لا يقبل بالأحكام السريعة المتعصبة المغالية، ولا يقبل بإصدار الأحكام والقرارات بناء على الشبهات، وعنده الحوار الديمقراطي هو السبيل إلى تفاعل الآراء، وهو الفقيه الشافعي الذي علمه إمامه إدريس الشافعي الديمقراطية في مقولته: " رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب، ومن جاء بأفضل من رأينا قبلناه ". وكذلك قوله " الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية ". وعلى نهجه هذا يقول الماوردي: " ثم أن أظهر في الدين بدعة خرق بها إجماع الأمة وناقض بها التوحيد وأصول الشريعة، أو خرج بشيء منه ودخل فيه، فعلى الإمام والسلطان أن يحضر مجلسه أو مجلس صاحبه، ويأمر بمناظرته أو يناظره بنفسه بحضرة العلماء من المتكلمين والفقهاء العارفين بأصول الدين فيقيم عليه حجة الله، فأن قبلها ورجع عن البدعة التي أحدثها عفا عنه، وإن لم يقبلها ولم يرجع عنها فعليه ما على المرتد بعد الاستتابة". (48)

وفي أطار العمل السياسي، وعندما يبلغ الصراع السياسي ذروته، وينذر ببلوغه درجة العنف المسلح، يتقدم الماوردي بمشورته كأبلغ ما يكون عليه رجل الدولة الحصيف المتبين لعواقب الأمور في كل كلمة يسطرها، يعتمد فيها الحق والعدالة ومسؤولية الرأي لكافة أبناء الشعب حتى المخالفين منهم الحريص على الدولة الهادف إلى تحقيق أمنها واستقرارها.

فهو يقول في باب : " من خصال السياسة وتدابير المناجزة : فإذا حقت الكلمة وظهرت العداوة، ووجب في السياسة والشريعة منابذة بعض المخالفين أو مناجزتهم، فالوجه أن يستعمل ويستعان عليها بخصال عشرة من خصال السياسية وتدابير المناجزة والمقارعة:

1. عرض السلم على العدو :
وفيها حماية للأرواح والأملاك يسعى العقلاء إلى حمايتها والملوك، ثم لا يجوز للعاقل أن يخاطر بشيء حتى يتيقن أن ما يخاطر له أجل مما يخاطر به ولا يقدر على المحاربة والمقاتلة حتى يكون في أكثر رأيه أن قاتل وقتل نال به إما الأمان أو الثواب والسمعة.

2. تقديم الوعيد والتحذير للعدو :
تقديم الوعيد والتحذير والإنذار وإقامة الحجة من أجل كسب الموقف والحق إلى جانبه والابتعاد عن المغامرة الطائشة.

3. استعمال اليقظة في الحرب :
هي استعمال اليقظة وترك التقادم والغفلة والاشتغال بشيء من الملذات والملاهي والملاعب والمطارب ما لم يفرغ من الحرب ومنها أن يقف على عدد العدو وعدته وآلته التي يحذق باستخدامها في حروبه من رمي أو طعن أو ضرب أو هدّ، فإنما هي جماع ألآت الحرب. ومنهم من يطلب بالثبات والصبر حتى يعيا عدوه بكثرة الحملات ويتعب بالحركات ثم يحمل عليه وادعاً مستريحاً .

4. تعهد أمر العسكر في الحل والترحال: أي تفقد جنوده في كافة الأحوال، ويكتب الماوردي مبحثاً رائعاً في التعبئة(التكتيك).

5. أن يقايس الملك بينه وبين عدوه :
أي أن يعقد المقارنات في كافة المزايا، السلاح والعدو والموقع.

6. الملوك أحوج إلى كتمان السر: والحيلة أبلغ من القوة.

7. تقديم القوة على الحيلة : وجد حجر في اليمن (عدن) كتب عليه بالحميرية : أيها المحارب لا تأنس بالتفكير بالعاقبة، أيها الطالب موجوداً لا تقطع أملك من بلوغه، أيها الشديد أحذر الحيلة، أيها العجول أحـذر المتأني.

8. اختيار الملك لرسله ومبعوثيه :
ولا يختار لرسالته إلا رائع المنظر كامل المخبر صحيح العقل حاضر البديهية، ذكي الفطنة، فصيح اللهجة، جيد العبارة حاضر النصيحة، موثوقاً بدينه وأمانته مجرباً من حسن الاستماع والتأدية.

9. لا ينبغي للملك أن يلقى حرباً بنفسه: بل عليه أن يبعث قادة وأعوان له، إن على الملك أن يشتغل بمصالح الدولة العليا وليس العمليات الحربية.

10. واجب الملك بعد الظفر بعدوه: الشـــكر للــه. (49)

ويلاحظ أن الماوردي يشترط بادئ ذي بدء في نصيحته، أن يظهر الجانب الآخر من العداء بوضوح، ثم يتدرج في حجم وشكل التصدي بين المنابذة(مخالف ـ معارضة ) أو المناجزة (القتال)، كما أنه يشترط اغتنام فرص حل الخلاف سلماً وفيها يبدي الماوردي حرصاً على الأرواح والأموال، ثم الأنذار والوعد، وهذه ملاحظتان تعبران عن استبعاد العقل السياسي العربي الإسلامي للصراع المسلح، كآلية حتمية للخلافات السياسية، وميله إلى حل الخلافات بالمفاوضات. وعندما يكتب الماوردي في الفقرة السابعة إذ ينصح باللجوء إلى الذكاء، إنما يعبر عن فكر العالم الذي لا ينظر إلى القوة المجردة نظرة احترام ولا يمنحها الأولوية على العقل، ثم عندما يطالب الماوردي الملك في الفقرة (8)، أن يختار الملك رسله ومبعوثيه وسفراؤه ودبلوماسييه، إنما يفعل ذلك من أجل بلوغ العمل الدبلوماسي إلى أرفع مستوياته، ليمكن الدولة من بلوغ أهدافها بالوسائل السلمية.

وللماوردي أراء مهمة في التعبئة والسوق (الاستراتيجية)، هي في الواقع مزيج من أراء سياسية/ عسكرية، أو بالأحرى هي نصيحة السياسي الذي يرى ما بعد تحقيق الهدف، نصيحته للقائد العسكري الذي أشهر أسلحته باتجاه الهدف.

* * *
الماوردي

* أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الشهير بالماوردي نسبة لبيعه ماء الورد.
* فقيه شافعي / أقضى القضاة / بصري / بغدادي.
* ولد في البصرة سنة: 364 هـ/ 974 ميلادية .
* توفي في بغداد سنة: 450 هـ/ 1085 ميلادية.
* درس في البصرة وبغداد لسنوات كثيرة، وتولى القضاء في بلدان شتى.
* تولى أقضى القضاة سنة 429 هـ/ 1037 ميلادية في عهد القائم بأمر الله العباسي وحمل هذا اللقب حتى وفاته.
* تولى الوساطة بين الأمراء وكانت له مكانة خاصة بينهم.
* كان بارعاً في الحديث، ثقة، إمام في الفقه والأصول والتفسير بصيراً بالعربية وقد آلت في عهده زعامة الشافعية إليه في البصرة.
* كان له حضور واسع في مجالات العلوم وله تلاميذ ورواة كثيرون وآثار منها: ـ
ـ كتاب تفسير القرآن ويسمى النكت والعيون.
ـ كتاب الحاوي الكبير، في الفقه الشافعي في 23 مجلداً.
ـ أعلام النبوة.
ـ أدب الدين والدنيا.
ـ نصيحة الملوك.
ـ الأمثال والحكم.
ـ البيوع . (مفقود)
ـ تسهيل النظر وتعجيل الظفر.
ـ قوانين الوزارة وسياسة الملك.
ـ الأحكام السلطانية والولايات الدينية.
ـ معرفة الفضائل. (لم يطبع)
ـ الأقناع في الفقه
ـ الشافعي.(مفقود)
ـ النحو .(مفقود)
ـ الكافي . (مفقود)

----------
الهوامش
1. أبي الحسن علي محمد الماوردي : الأحكام السلطانية، ص.15 بغداد / 1989
2. الاحكام السلطانية، ص.16
3. كذا، ص.51
4. كذا، ص.55
5. كذا، ص.29
6كذا، ص.43
7. كذا، ص.44
8. كذا، ص.46
9. كذا، ص.18
10. كذا، ص.23
11. كذا، ص.26
12. كذا، ص.22
13. كذا، ص.16
14. كذا، ص.30
15. كذا، ص.35
.16كذا، ص.35

17. نصيحة الملوك، ص.43
18. كذا، ص.41
19. كذا، ص.74
20. كذا، ص.54
21. كذا، ص.89
22. كذا، ص.118
23. كذا، ص.113
24. كذا، ص.111
25. كذا، ص.121
26. كذا، ص.104
27. كذا، ص.135
28. كذا، ص.220
29. كذا، ص.267
30. كذا، ص.268
31. كذا، ص.271
32. كذا، ص.251
33. كذا، ص.321
34. كذا، ص.347
.35 كذا، ص.342
. 36 الأحكام السلطانية، ص.273
37 . نصيحة الملوك، ص.411
38. كذا، ص.412
. 39 الأحكام السلطانية، ص.183
40. كذا، ص.225
. 41نصيحة الملوك، ص.427
42. الأحكام السلطانية، ص.111
43. كذا، ص.120
. 44نصيحة الملوك، ص.460
45. كذا، ص.345
46. كذا، ص. 261
47كذا، ص.462
48. كذا، ص.471
49. كذا، ص.471
50. الأحكام السلطانية، ص.78


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

الماوردي، نصيحة الملوك، السياسة الشرعية، الفكر السياسي،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 5-11-2012  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  تعديلات جوهرية في النظام الدولي وإشكالية تحقيق العدالة الدولية
  ريمسكي كورساكوف سيمفونية عنترة بن شداد
  اليسار العربي ... استشراف المستقبل
  سيف الله المسلول / خالد بن الوليد
  لماذا يتوحش البشر .. حدث في مثل هذا اليوم
  التغير حتمية لا خيار
  إبن ستالين في الأسر النازي، ألم يكن بوسعه إطلاق النار على نفسه ؟
  تشارلي شابلن فن ورسالة
  لقاء الحضارات
  أزمة ثقافة أم محنة مثقفين
  قيادات وزعامات بالفهلوة
  عندما جاء الجنود: قراءة في كتاب مهم
  مؤشرات في الموقف العراقي
  الوحدات الخاصة : الرأس الرمادية
  جنرال من بطل شعبي إلى خائن
  سلسلة المتعاونون مع العدو: هنري فيليب بيتان
  موقعة أينونو و مصطفى عصمت رشاد " إينونو "
  المتعاونون مع العدو
  أبو رغال دليل العدو
  مؤيد الدين بن العلقمي
  الدعارة في أوربا
  مدخل لدراسة الإرهاب الدولي
  اختراع الطباعة
  طريق "أنطونيو متشادو"
  كيف كان هتلر يختار مساعديه ؟
  إلغاء أحكام الإعدام من القانون
  إكرام الميت دفنه
  بسمارك رائد الوحدة الألمانية
  الدروس السياسية لمعركة الأمم وعبرها، قراءة معاصرة
  أكتشافات الأسد المتأخرة

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د - شاكر الحوكي ، رضا الدبّابي، فراس جعفر ابورمان، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، علي الكاش، محمد الياسين، د - أبو يعرب المرزوقي، د. نانسي أبو الفتوح، حسن الطرابلسي، الشهيد سيد قطب، د. محمد يحيى ، كريم السليتي، إيمان القدوسي، محمد شمام ، أحمد بن عبد المحسن العساف ، نادية سعد، سوسن مسعود، محمد عمر غرس الله، د - غالب الفريجات، سلام الشماع، العادل السمعلي، د. صلاح عودة الله ، محمود طرشوبي، الهيثم زعفان، محمود سلطان، سحر الصيدلي، د.ليلى بيومي ، منى محروس، أنس الشابي، د - محمد سعد أبو العزم، د. جعفر شيخ إدريس ، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د- جابر قميحة، رشيد السيد أحمد، شيرين حامد فهمي ، حمدى شفيق ، عصام كرم الطوخى ، محمد الطرابلسي، سيد السباعي، هناء سلامة، عراق المطيري، د. مصطفى يوسف اللداوي، مصطفى منيغ، د. ضرغام عبد الله الدباغ، يحيي البوليني، محمد إبراهيم مبروك، طلال قسومي، د. أحمد محمد سليمان، محمد العيادي، أبو سمية، جاسم الرصيف، سفيان عبد الكافي، محمد تاج الدين الطيبي، صباح الموسوي ، محمود فاروق سيد شعبان، د - مصطفى فهمي، معتز الجعبري، د . قذلة بنت محمد القحطاني، فاطمة عبد الرءوف، أحمد ملحم، صفاء العراقي، المولدي الفرجاني، د. الشاهد البوشيخي، يزيد بن الحسين، حميدة الطيلوش، أحمد الغريب، أ.د. مصطفى رجب، د - صالح المازقي، د. محمد عمارة ، سامح لطف الله، فتحـي قاره بيبـان، إيمى الأشقر، عواطف منصور، حسني إبراهيم عبد العظيم، د. عبد الآله المالكي، كمال حبيب، د. أحمد بشير، منجي باكير، مجدى داود، الهادي المثلوثي، د. محمد مورو ، ابتسام سعد، عبد الله زيدان، رافد العزاوي، د. عادل محمد عايش الأسطل، عبد الرزاق قيراط ، محمد اسعد بيوض التميمي، صفاء العربي، عمر غازي، أحمد الحباسي، علي عبد العال، خبَّاب بن مروان الحمد، سلوى المغربي، جمال عرفة، عدنان المنصر، د - احمد عبدالحميد غراب، د- هاني السباعي، سعود السبعاني، صلاح الحريري، وائل بنجدو، تونسي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د. نهى قاطرجي ، مراد قميزة، رافع القارصي، فوزي مسعود ، خالد الجاف ، محمد أحمد عزوز، د. كاظم عبد الحسين عباس ، حاتم الصولي، سيدة محمود محمد، د - محمد عباس المصرى، فهمي شراب، د. الحسيني إسماعيل ، رمضان حينوني، د- هاني ابوالفتوح، د - الضاوي خوالدية، بسمة منصور، فتحي العابد، أشرف إبراهيم حجاج، ماهر عدنان قنديل، د - المنجي الكعبي، الناصر الرقيق، فتحي الزغل، عبد الله الفقير، رحاب اسعد بيوض التميمي، د. طارق عبد الحليم، د- محمد رحال، د - محمد بنيعيش، مصطفي زهران، صلاح المختار، محرر "بوابتي"، عزيز العرباوي، د.محمد فتحي عبد العال، سامر أبو رمان ، صالح النعامي ، فاطمة حافظ ، أحمد بوادي، إسراء أبو رمان، إياد محمود حسين ، د. خالد الطراولي ، حسن عثمان، د- محمود علي عريقات، د - محمد بن موسى الشريف ، رأفت صلاح الدين، ياسين أحمد، محمود صافي ، كريم فارق، د - مضاوي الرشيد، عبد الغني مزوز، أحمد النعيمي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، حسن الحسن،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة