تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

توحّش السلطة هو آخرُ أطوار الاستبداد العربي

كاتب المقال محمد هنيد - تونس / فرنسا   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


قد يكون من المستحيل اليوم حصر الانتهاكات اليومية التي يتعرض لها المواطن على امتداد الرقعة العربية بل قد لا نبالغ إن قلنا إنّ بلاد العرب هي اليوم موطن القمع والتنكيل بلا منازع. تختلف الوسائل وتتباين أشكال القمع قصفا بالطائرات أو تعذيبا حتى الموت أو الإعدام شنقا أو حتى السحل في الشوارع حتى تنقطع أنفاسك.

سيكون من المستحيل حتما حصر الطريق إلى الموت في بلادنا لكنّنا بلغنا في هذا المضمار ما لم تبلغه الأمم الأخرى، في مؤشر خطير على تآكل الأمة من الداخل. في مصر يعدمُ خيرة أبنائها وقيادييها وفي تونس يُسحل المواطن عاريا في الطريق حتى يلفظ أنفاسه أما في سجون البلاد العربية فإن الموت أقرب إلى الإنسان من باب الزنزانة.

لن نخوض هنا في المعارك والحروب والنزاعات أو في ما يرتكبه الصهاينة في فلسطين من جرائم أو ما تقصفه الطائرات الروسية والأمريكية ومختلف المليشيات الأجنبية في بلاد العرب، لكننا سنتحدث في ما ترتكبه الدولة بما هي الضامن لحرية الفرد وسلامته الجسدية.

ما الذي يدفع الدولة العربية ـ إن سلّمنا جدلا بوجود الدولة ـ إلى توحش القمع؟ لماذا لا تتحرك المؤسسات الحكومية وغير الحكومية لحماية المواطن؟ لماذا يفشل الخارج دوما في منع الجرائم المتعلقة بالتعذيب أو انتهاكات حقوق الإنسان؟ وما هي النتائج الطبيعية لتوحّش الدولة العربية؟

مشاهد القمع

لا تزال مصر تحت صدمة جديدة إثر تثبيت محكمة النقض الحكم بالإعدام على عدد من قيادات الشرعية التي انقلب عليها العسكر هناك صيف 2013. في تونس مثّل مشهد سحل شاب حتى الموت مجردا من ثيابه مؤشرا خطيرا على عودة دولة القمع والتعذيب التي ثار ضدها التونسيون في 2010.

المشهدان لا يغطيان كل ما يحدث من جرائم بشعة في حق المواطن العربي من العراق إلى موريتانيا، حيث لم يعد في المعجم ما يكفي من المصطلحات لتوصيف فنون التنكيل بالبشر في بلاد العرب والمسلمين. لكنهما من جهة أخرى يعكسان حجم البشاعة التي وصل إليها نظام الحكم وأدواته بعد أكثر من عقد على ثورات الحرية التي طالبت بنهاية القمع.

في مصر يسعى النظام الانقلابي إلى تحقيق هدفين لتثبيت نفسه وضمان ديمومته:

أما الأول فهدف خارجي عبر التطبيع مع فرقاء الأمس مثل تركيا وقطر وهما الدولتان اللتان وقفتا دون تحفظ مع المطالب الشعبية الجارفة خلال ثورات الربيع.

ثانيا يسعى النظام إلى إرهاب خصومه عبر تفعيل آلية الانتقام القصوى وهي الحكم بالإعدام على غريم سياسي تشفيا منه وتحذيرا لكل من تسوّل له نفسه تهديد الانقلاب مجددا.

قد لا نملك الأدوات الوصفية الكافية لرسم ما يحدث داخل الزنازين المصرية فهي دون شك جحيم لا يوصف ومقبرة للأحياء بعلم ومعرفة المنظمات الحقوقية والدولية التي تغض الطرف عن هذه الجرائم. هذه الجرائم لا تقتصر على المعارضين السياسيين أو النشطاء والصحفيين أو حتى من صفّق للانقلاب بالأمس بل هي جرائم تطال كل من لا يسير في ركب النظام ومن لا يبارك قمعه.

يختلف الأمر في تونس، حيث نجحت الثورة في حماية النشطاء السياسيين وفي ضمان حدّ كبير من حرية التعبير الذي هو أهم وأعظم مكاسب الثورة. صحيح أن التجاوزات ومحاولات تكميم الأفواه والعودة إلى النسق القديم لا تزال قائمة لكنها لم تنجح في تحقيق الهدف الذي تسعى إليه.

بقطع النظر عن بعض التسريبات التي ترى في الجرائم الأمنية مخططا مكشوفا من بعض القوى السياسية المرتبطة بالدولة العميقة لإشعال الشارع ودعم مخطط الرئاسة في الانقلاب على الحكومة والبرلمان فإنّ سلوك النظام بشكل عام لم يتغيّر ولا تزال عقلية النظام الاستبدادي تسيطر على سلوكات الدولة الفردية والجماعية.

صورة المواطن في وعي النظام

إن قراءة جذور وعي القمع وسلوكاته في البلاد العربية تحيل إلى مرجعين أساسيين يتعلّق الأول بنشأة ما يُسمّى زورا الدولة الوطنية والتي لم تكن في الحقيقة إلا واجهة الوكالة الاستعمارية. ويرتبط الثاني بغياب الشرعية عن الأنظمة الحاكمة التي لا تستند في أغلبها على شرعية شعبية بل تتأسس على الانقلابات العسكرية أو التحالف مع القوى الأجنبية الضامنة لوجودها. وليست الانتخابات إلا خير دليل على ذلك حيث تكون وسيلة النظام لضمان شرعية دولية زائفة مثل مسرحية الانتخابات الأخيرة في سوريا.. وفي حال وصول أطراف لا تحظى بدعم دولي يكون الانقلاب العسكري الدامي وسيلة النظام العالمي للقضاء على الشرعية الوطنية. تقودنا هذه المسارات إلى تبيّن صورة المواطن أو الفرد العربي في وعي النظام وهي الصورة التي تسمح بالبحث في جذور القمع وانتهاك حرمة الإنسان.

لمّا كان النظام لا يستمدّ شرعيته من الشعب نفسه بما أنه قائم على القوة المسلحة وعلى التحالف مع القوى الأجنبية فإنه من الطبيعي أن لا يعير لهذا الشعب قيمة أو شأنا. لكنه من جهة أخرى يُدرك أنه لا يستطيع أن يحكم ويمارس السلطة وينهب الثروات دون إخضاع الجماهير سواء بالوسائل الناعمة أو بالوسائل الخشنة.

يمثل المواطن في صورته الفردية أو الشعب في تصوّره الجماعي كابوس النظام لأنّه يشكل مدار السلطة ومدار الثروة ومضمون الحكم نفسه. لذا فإنّ إخضاع المواطن أو الشعب يعدّ أهمّ التحديات التي تشغل بال السلطة وتؤرق أجهزتها القمعية والرقابية.

لكن من جهة ثانية هل يصحّ الحديث عن الشعوب العربية مثل الحديث عن بقية شعوب العالم المتحضر؟ وهل يليق بالفرد العربي مصطلح المواطن بما يتضمنه مفهوم المواطنة من حقوق وواجبات؟ أليست الشعوب العربية أقرب إلى الرعية منها إلى الشعب؟ ما قيمة المواطن العربي في بلده هذا إذا اعتبرنا أنّ له قيمة أصلا؟

إعدامات مصر أو سحل المواطن حتى الموت في تونس أو زنازين التعذيب المفتوحة على طول البلاد العربية هي أخطر المؤشرات على انهيار قيمة الإنسان العربي في بلاده. لا قيمة له في بلد الانقلابات أو في بلد الثورة ولا قيمة له في النظام الملكي أو في النظام الجمهوري ولا قيمة له في الدولة الغنية أو في الدولة الفقيرة.

لن تتوقف دوامة توحش النظام حتى تعود للإنسان قيمته وكرامته على أرضه مؤسسةً على شرط الحرية والوعي بأنه لا بديل عن الثورة بعد أن رفض النظام الرسمي القبول بحتمية التغيّر التاريخية. إنّ ما يحدث اليوم من إمعان السلطة العربية في القمع والتنكيل ليس إلا آخر أطوار الانتحار في بنية سياسية استوفت كلّ شروط وجودها بعد أن قادت شعوبها وأوطانها إلى الخراب الكبير.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

النظام العربي، الظلم، الفساد، مصر، السيسي،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 18-06-2021   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د. طارق عبد الحليم، محمد عمر غرس الله، أحمد بوادي، فاطمة عبد الرءوف، سيدة محمود محمد، صلاح المختار، عبد الله الفقير، كريم فارق، أشرف إبراهيم حجاج، حسني إبراهيم عبد العظيم، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، حاتم الصولي، د - محمد بنيعيش، د - صالح المازقي، د. عبد الآله المالكي، مجدى داود، عصام كرم الطوخى ، سامح لطف الله، د . قذلة بنت محمد القحطاني، رشيد السيد أحمد، د. نهى قاطرجي ، منى محروس، حمدى شفيق ، عمر غازي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، حسن عثمان، كمال حبيب، الهيثم زعفان، د - محمد سعد أبو العزم، كريم السليتي، سلوى المغربي، جمال عرفة، وائل بنجدو، رافع القارصي، خبَّاب بن مروان الحمد، سوسن مسعود، يزيد بن الحسين، سيد السباعي، خالد الجاف ، الهادي المثلوثي، صفاء العراقي، جاسم الرصيف، ضحى عبد الرحمن، د - الضاوي خوالدية، صفاء العربي، هناء سلامة، د - محمد عباس المصرى، د. محمد يحيى ، عبد الله زيدان، د - أبو يعرب المرزوقي، د.محمد فتحي عبد العال، سلام الشماع، د - المنجي الكعبي، المولدي الفرجاني، فاطمة حافظ ، علي عبد العال، سامر أبو رمان ، د - شاكر الحوكي ، د- جابر قميحة، سفيان عبد الكافي، مصطفي زهران، رافد العزاوي، عراق المطيري، أ.د. مصطفى رجب، د - احمد عبدالحميد غراب، شيرين حامد فهمي ، بسمة منصور، تونسي، محرر "بوابتي"، د. نانسي أبو الفتوح، العادل السمعلي، معتز الجعبري، علي الكاش، د. خالد الطراولي ، فتحي الزغل، نادية سعد، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، يحيي البوليني، د. محمد مورو ، عواطف منصور، محمد إبراهيم مبروك، سليمان أحمد أبو ستة، محمود فاروق سيد شعبان، د. الحسيني إسماعيل ، محمد الطرابلسي، ياسين أحمد، صلاح الحريري، محمد أحمد عزوز، د. عادل محمد عايش الأسطل، د. كاظم عبد الحسين عباس ، محمد الياسين، د - مضاوي الرشيد، صباح الموسوي ، محمود طرشوبي، د. الشاهد البوشيخي، إيمى الأشقر، فتحي العابد، محمد العيادي، أنس الشابي، أبو سمية، محمود سلطان، رضا الدبّابي، د.ليلى بيومي ، د. صلاح عودة الله ، د. محمد عمارة ، د. مصطفى يوسف اللداوي، د. جعفر شيخ إدريس ، إياد محمود حسين ، رمضان حينوني، محمد تاج الدين الطيبي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د - غالب الفريجات، طلال قسومي، الشهيد سيد قطب، حسن الحسن، أحمد ملحم، د. أحمد بشير، أحمد الحباسي، حميدة الطيلوش، د- هاني السباعي، منجي باكير، عبد الغني مزوز، عزيز العرباوي، فراس جعفر ابورمان، حسن الطرابلسي، مصطفى منيغ، محمد اسعد بيوض التميمي، إسراء أبو رمان، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، أحمد الغريب، أحمد النعيمي، صالح النعامي ، د - عادل رضا، د - محمد بن موسى الشريف ، رحاب اسعد بيوض التميمي، إيمان القدوسي، د- محمد رحال، عدنان المنصر، محمود صافي ، سعود السبعاني، د - مصطفى فهمي، الناصر الرقيق، سحر الصيدلي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، رأفت صلاح الدين، مراد قميزة، محمد شمام ، فتحـي قاره بيبـان، فوزي مسعود ، د- هاني ابوالفتوح، ماهر عدنان قنديل، ابتسام سعد، د- محمود علي عريقات، عبد الرزاق قيراط ، فهمي شراب، د. أحمد محمد سليمان،
أحدث الردود
انا اماراتي وتزوجت مغربيه على زوجتي الاولى مع ان الاولى ماقصرت فيني لكن ماعرف ليه خذتها اعترف اني كنت راعي بارتيات وهي كانت ربيعتي وربيعه الكل معرف كي...>>

انا من الامارات وفعلا للاسف اغلب المغربيات اللي شفتهن هناك يا دعاره يا تصاحب خليجين وقليل اللي شفتها تشتغل ومحترمه حتى الشغل العادي خلوه دعاره يعني تش...>>

مقال ممتاز
لكن الاصح ان الوجود الفرنسي بتونس لم يكن استعمارا وانما احتلال، فرنسا هي التي روجت ان وجودها ببلداننا كان بهدف الاعمار والاخراج من ح...>>


الاولى : قبل تحديد مشكلة البحث، وذلك لتحديد مسار البحث المستقل عن البحوث الاخرى قبل البدء فيه .
الثانية : بعد تحديد مشكلة البحث وذلك لمعرفة الا...>>


بارك الله فيكم...>>

جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


أعلم أن تعليقك مر عليه سنين، كان عليك بزيارة طبيب نفسي فتعليقك يدل على أنك مريض ، ويحمل تناقضات تقول أنها عاهرة و جاءت لتعمل في الفندق ؟؟؟ عاهرة وأجبر...>>

تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة