تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

تونس.. عملية سياسية بلا أفق واضح

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


لا نأتي بجديد إذا كتبنا أن المزاج العام في تونس ليس سعيدًا ولا متفائلًا بالحكومة الجديدة، ولا نعلم بعد مزاج المكلفين الجدد والاستقبال الشعبي لهم يوشك أن يكون بالحجارة والعصي. تنتج هذه الخيبة العاطفية حالة من الارتداد على الذات والبحث عن تحميل المسؤوليات لمن كان وراء الوضع الحاليّ، ومحاولة إعادة تركيب سلسلة الأخطاء تنتج وضعًا نفسيًا بائسًا، يزداد بؤسًا كلما حاول المرء بناء توقعات لما قد تفعله حكومة بلا سند شعبي أو سياسي، خاصة أن الأحزاب السياسية والكتل البرلمانية لم تعرب عن مواقف نهائية وواضحة بخصوص المصادقة على الحكومة، بما يترك جمهور المهتمين بالشأن العام في حالة أقرب إلى الذهول.

هل هذه هي النخبة التونسية؟
في عملية إعادة تركيب سلسلة الأخطاء نصل إلى حقيقة فاجعة، النخبة التونسية ليست في مستوى المرحلة وتكشف عجزها المزمن عن بناء الديمقراطية. سيبدو هذا حكمًا مزاجيًا غير مسنود بمعطيات موضوعية مما يحب علماء الاجتماع، لكن كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟ متى بدأت علامات العجز تظهر؟ ولماذا لم يتم تلافيها ليكون هناك حد أدنى من العمل السياسي المؤمن بالتعايش، التعايش الضامن للديمقراطية ولو سارت بخطى السلحفاة؟

كنا نميل إلى القول بأن النخب التي عاشت دومًا في معارضة النظام القديم كانت محرومة من التدرب السياسي وتخريج الكفاءات القيادية، فالنظام قمع كل محاولة لبناء نخبة معارضة قادرة على استلام السلطة، لكن يبدو أننا كنا نمارس الشفقة المتعاطفة مع هذه النخب، فعشر سنوات من الثورة كشفت أنها نخب لا تتعلم ولا تتطور بل ترتد عن طموحات الشعب الواضحة والبسيطة في آن واحد، فلم يكن مطلوبًا منها إعادة تعريف السياسة بل إعادة اكتشاف مطالب الشعب ثم العمل على تحقيقها بتدرج بحسب الإمكانات المتاحة في البلد.. لم يحصل ذلك.

انصرفت المكونات الحزبية ذات العناوين السياسية إلى عمل واحد أتقنته سابقًا وهو الصراع فيما بينها على مسائل ليست في جدول مطالب الثورة والناس التي أنجزتها، فوجدت ملهاتها القديمة فاستسهلت البقاء فيها، تتمتع بانتصارات يحصل أغلبها في فيسبوك التونسي وليس في الواقع.

تلك الصراعات القديمة المتجددة منعت كل الأحزاب من الانصراف إلى الأساسي المطلوب شعبيًا الذي كان سينقذها من نفسها أولًا ويمكنها من الحكم الدائم بحسب أحجامها التي يحددها الصندوق ويمكن أن يوسعها في كل انتخابات، فإذا المنظومة القديمة تعيد تنظيم صفوفها وتجد الثغرات لتعود وتتحكم في المشهد وتقدم لنا الآن حكومة من الصفوف الخلفية للتجمع المقبور، ونحن نشاهد النخبة تتباكى على ما ضيعت، لقد انتبهت بعد فوات الأوان، ولات ساعة مندم.

الرئيس تسرب من أخطاء الأحزاب
صراع الأحزاب على خلفيات أيديولوجية اتخذه الرئيس حجة عليها وبالقليل من الكلام وكثير من الاحتقار الصامت ألب عليها قطاعًا واسعًا من الشعب الذي انتظر الإنجازات وخاب، فجعل سبب خيبته في الأحزاب وبرر تجاوزها عمليًا بتقديم حكومة من خارجها.

يصبح السؤال الآن كيف تكون حياة سياسية بلا أحزاب؟ فيكون رد الرئيس وفريقه السياسي غير المتشكل حزبيًا كيف تكون حياة سياسية بمثل هذه الأحزاب؟ وهكذا ندخل حلقة مفرغة، فتجد أحزاب البرلمان نفسها ملزمة بالتصديق على حكومة ليست منها ولا لها وإلا فإنها تتحمل عبء ما قد يصيب البلد من انهيار في غياب حكومة، ويقطف الرئيس النتيجة، وعندما يصل التحليل إلى هذه النقطة نضطر إلى السؤال القديم لماذا رضيت الأحزاب بالقانون الانتخابي الحاليّ الذي لم يمكن حزبًا من تحمل مسؤولية الحكم أمام الشعب؟

هل هذه بداية سلسلة الأخطاء؟ نعم من هناك بدأت عملية تفتيت العملية السياسية حتى وصلنا إلى الوضع الحاليّ، حيث الأحزاب تتفرج على نهايتها باكية، فلماذا لم يتهم الرئيس القانون الانتخابي السابق؟ لقد فعل لكن ليس في اتجاه إعادة تأسيس عملية سياسية حزبية بل تكلم بما يشبه إلغاء مسار العمل الحزبي بديمقراطية مباشرة أو مجالسية (طبعًا لم يتقدم بأي مبادرة تشريعية في الغرض وهو مخول بذلك) بل تسرب من الفشل ليوجه الحكم نحو نظام لم تتبين ملامحه لغيره أو لفريقه السري.

هل خالف الرئيس الدستور؟ سيكون هذا سؤال الأشهر والسنوات القادمة، لقد خول لنفسه حق تأويله في غياب محكمة دستورية، والأحزاب ليست في وضع الاعتراض على تأويله إلا في السوشيال ميديا أما مواقفها الرسمية فمتوجسة وخائفة أو تؤجل اتخاذ مواقف ضمن صراعها القديم، حتى لا ينصر الرئيس بعضها على بعض.

هل هي نهاية مرحلة الديمقراطية التمثيلية؟
حتى الآن البرلمان متعدد طبقًا لنتائج انتخابات 2019، فهل سيذهب الرئيس إلى حله طبقًا لقراءته الدستورية الخاصة، وهل ستستفيق الأحزاب من صفعات الرئيس وتعيد ترتيب مواقفها على أساس الحفاظ على عملية سياسية عادية؟

اختبار حقيقي للنخبة التي فشلت حتى الآن في العمل السياسي الديمقراطي المشترك، ونميل إلى سوء الظن بقدرتها ونتوقع لها مصيرًا حزينًا بحسب أحجامها، وسيكون من عارها أن شخصًا واحدًا مفردًا تسرب إلى السلطة دون أن تدرك نواياه وأنه فعل بها ويفعل ما يريد وهو الفرد الذي لم يتحزب.

لقد كشفت عجزها وجهلها وقلة حيلتها وسيزداد ذلك وضوحًا وهي تصادق مكرهة على حكومة تعاديها وترذلها، سنراها في خطاب المزايدة الثوري الديمقراطي يوم المصادقة ولكن آخر الجلسة ستخرج حكومة التكنوقراط منتصرة على السياسيين الذين سيصير وجودهم البرلماني عبئًا على الشعب ويكمل الإعلام المعادي ترذيلهم أفرادًا وجماعات وكتلًا، فهل سينتفضون على الرئيس وحكومته؟ ستكون تلك معجزة نتمنى حصولها لكن مدى علمنا بالنخبة وطرق عملها وخلفيات مواقفها يسمح لنا بالسير على أرض الخيبات الكبيرة والخديعة الكبرى.

هل يمكن أن يكون هناك سير في غير اتجاه؟ تونس تفقد اتجاهها، فهي تدور على محور ثابت كبغل المعصرة.



 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الإمارات، عبير موسي، قيس سعيد، الثورة المضادة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 31-08-2020   المصدر: نون بوست

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
محمد إبراهيم مبروك، سامر أبو رمان ، د- هاني السباعي، سيد السباعي، أحمد الغريب، د. خالد الطراولي ، د. صلاح عودة الله ، يزيد بن الحسين، رمضان حينوني، الناصر الرقيق، منى محروس، د. محمد مورو ، إياد محمود حسين ، إيمى الأشقر، عبد الله زيدان، د. الحسيني إسماعيل ، محمود صافي ، د - مضاوي الرشيد، سلوى المغربي، مراد قميزة، ياسين أحمد، علي الكاش، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، المولدي الفرجاني، بسمة منصور، د - مصطفى فهمي، حسن الطرابلسي، د. أحمد بشير، د- محمود علي عريقات، صفاء العربي، د. طارق عبد الحليم، د. جعفر شيخ إدريس ، د. مصطفى يوسف اللداوي، أحمد النعيمي، سعود السبعاني، عبد الله الفقير، فراس جعفر ابورمان، الشهيد سيد قطب، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د - أبو يعرب المرزوقي، أنس الشابي، محرر "بوابتي"، د - الضاوي خوالدية، ماهر عدنان قنديل، صلاح المختار، خالد الجاف ، محمد الطرابلسي، رافع القارصي، صلاح الحريري، كريم فارق، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، فتحـي قاره بيبـان، عمر غازي، صالح النعامي ، د- محمد رحال، وائل بنجدو، الهيثم زعفان، محمود سلطان، سامح لطف الله، أحمد بوادي، إسراء أبو رمان، أ.د. مصطفى رجب، د. أحمد محمد سليمان، أشرف إبراهيم حجاج، عزيز العرباوي، محمد شمام ، د - محمد عباس المصرى، جمال عرفة، أحمد ملحم، حسن الحسن، محمود طرشوبي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، خبَّاب بن مروان الحمد، د . قذلة بنت محمد القحطاني، محمد الياسين، سوسن مسعود، منجي باكير، د. عبد الآله المالكي، سيدة محمود محمد، مصطفي زهران، محمد تاج الدين الطيبي، محمد أحمد عزوز، د - محمد سعد أبو العزم، د - محمد بنيعيش، كمال حبيب، جاسم الرصيف، فاطمة حافظ ، مصطفى منيغ، محمد اسعد بيوض التميمي، محمد عمر غرس الله، عواطف منصور، د. نهى قاطرجي ، د. محمد يحيى ، طلال قسومي، د - احمد عبدالحميد غراب، نادية سعد، صفاء العراقي، د. عادل محمد عايش الأسطل، فتحي العابد، د - شاكر الحوكي ، رحاب اسعد بيوض التميمي، هناء سلامة، كريم السليتي، د.ليلى بيومي ، رأفت صلاح الدين، عبد الرزاق قيراط ، العادل السمعلي، صباح الموسوي ، د - عادل رضا، حسن عثمان، د. نانسي أبو الفتوح، د - صالح المازقي، حمدى شفيق ، د.محمد فتحي عبد العال، فاطمة عبد الرءوف، أحمد الحباسي، حسني إبراهيم عبد العظيم، يحيي البوليني، د- هاني ابوالفتوح، معتز الجعبري، عبد الغني مزوز، سلام الشماع، د. كاظم عبد الحسين عباس ، إيمان القدوسي، سحر الصيدلي، حميدة الطيلوش، محمد العيادي، حاتم الصولي، مجدى داود، شيرين حامد فهمي ، د - محمد بن موسى الشريف ، رضا الدبّابي، ابتسام سعد، سفيان عبد الكافي، أبو سمية، عدنان المنصر، فهمي شراب، د. ضرغام عبد الله الدباغ، عراق المطيري، د - المنجي الكعبي، د. الشاهد البوشيخي، فوزي مسعود ، الهادي المثلوثي، عصام كرم الطوخى ، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د. محمد عمارة ، علي عبد العال، فتحي الزغل، د- جابر قميحة، تونسي، د - غالب الفريجات، محمود فاروق سيد شعبان، رشيد السيد أحمد، رافد العزاوي،
أحدث الردود
جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


أعلم أن تعليقك مر عليه سنين، كان عليك بزيارة طبيب نفسي فتعليقك يدل على أنك مريض ، ويحمل تناقضات تقول أنها عاهرة و جاءت لتعمل في الفندق ؟؟؟ عاهرة وأجبر...>>

تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة