تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

من وحي مطالبة لبنانيين بعودة الإحتلال الفرنسي

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


أبدأ من الخبر العجيب: لبنانيون يمضون بالآلاف على عريضة تطالب بعودة الاحتلال الفرنسي.. هذا خبر يجعل بشارة الخوري يتقلب في قبره، وربما أعاد تضمين هذا القهر التاريخي في قصيد الهوى والشباب لينوح بها عبد الوهاب في بلاد النيل. فالهوى والشباب ضاعا من يديه ومن يدي كل شاعر مجد الوطن.

أفزع إلى تأويل هذه العريضة بأنها ردة فعل عاطفية غاضبة على المصيبة التي حلت ببيروت خاصة وبلبنان عامة، وهي من جنس اتهام النخب الحاكمة بالفشل. ولكن بالنظر إلى وجود تعبيرات أخرى ممكنة ومتاحة عن الغضب الشعبي في المصائب والكوارث والأزمات، فإني أذهب إلى قراءة أخرى، ولو تيسر لي معرفة الممضين عليها لوجدت أنهم ليسوا حالة شاذة في الأقطار العربية. إني أراهم، دون معرفة الأسماء والصفات والمواقع الاجتماعية التي يحتلونها في لبنان، جزءا من نخبة عربية كسولة ومحافظة ورافضة لكل تغيير، رغم أنها في المعلن من أفكارها وسلوكها تصنف نفسها نخب تقدمية وثورية ومجددة. إني أراهم عينة من نخبة مريضة صنعتها دول مريضة.

دولة الريع خلقت نخبة محافظة

في البدء كانت الدول العربية مشاريع دول اجتماعية، فقد كشف الاستقلال عن الاحتلال المباشر أبنية اجتماعية هشة، وشعوبا فقيرة وجاهلة ومريضة بكل أمراض الدهر. وكان الفاعل الوحيد القادر على النهوض بهذه الشعوب دولة اجتماعية، في سياق التحديث الاقتصادي والاجتماعي. وكانت أطروحة التحديث المهيمنة هي التحديث على النمط الغربي، والفرنسي منه بالتحديد (خاصة ما كان من البلدان تحت الاحتلال الفرنسي). واحتاجت الدولة إلى جهاز دعاية فخلقت نخبتها الخاصة، وأوكلت إليها مهمة تحديث المجتمع عبر التعليم والثقافة والاقتصاد والسياسة.

مع استقرار المجتمعات ملكت هذه النخبة حق التقرير في مصير الشعوب في أدق تفاصيل اليومي المعيشي، وتملكت مواقع الفعل والفائدة (أو الغنيمة)، وتملكت بالتالي حق توجيه الناس نحو ما تريد وتنفيرهم مما لا ترغب. وصار جهدها ونشاطها أشبه بعمل إكلريوس ديني يملك حقيقة اللحظة والمستقبل، بما جعل كل طموح للتغيير يتحول إلى كفر.

مارست هذه النخب دورا مزدوجا فهي تتحدث إلى الشعب بضرورة الثورة والتغيير، ولكنها تبرر للأنظمة كل فعل معاد للتغيير، وتقبض بكل أريحية من ممارسة هذا الدور العجيب. وجدت الأنظمة في ذلك خلاصها، فالخطاب الثوري يقوم بدور تنفيس الأحقاد والخيبات من فشل التحديث الاقتصادي والاجتماعي، ولكن التبرير النخبوي كان كفيلا بتشريع وجود الأنظمة الفاسدة واستمرار فعلها التخريبي.

لقد كانت أعطيات الدولة للنخب وفيرة، فجعلت منها نخبا ريعية تتلمظ غنائم الدولة، وتكسل عن كل فعل تغييري، وتمعن في رومانسية ثورية لا يحاسبها عليها أحد.

الربيع العربي فضح النخب قبل الأنظمة

أوشك أن أضع مفردة الربيع العربي في باب المجاز الأدبي، فكمُّ الفشل في إدارة التغيير يوشك أن يحطم كل الآمال التي علقت عليه. لقد كان هذا الربيع حركة تغيير عميقة صعدت من الباطن الشعبي بدون أدنى دور للنخب التي نظرت للثورات وبررت للسلطة، وفي لحظة تعميق التغيير بوسائل السياسة قفزت النخب لقطع الطريق، فكان الانقلاب المصري، وكانت عودة منظومة ابن علي للحكم في تونس، وكان إجهاض الثورة في السودان وفي لبنان نفسه. نذر التغيير كانت تستهدف نخب التبرير التي شعرت بخطر فقدان مراكزها ومنافعها وأداورها؛ التي عاشت منها وباعت منها أوهام الثورة لشعوب لم تخرج من الأمية السياسية ومن الفقر طيلة زمن هيمنة هذه النخبة على صناعة الوعي.

وإذ أحاول قراءة عريضة المطالبة بعودة الاحتلال (الانتداب) إلى لبنان، فإني أقارن ولا أجد فرقا بين وقائع متشابهة، مثل مطالبة مثقفة تونسية متخصصة في حقوق الإنسان لوزير خارجية فرنسا بالقدوم إلى تونس وحماية الديمقراطية من "الإخوانجية"، ومثل سفر نواب المجلس التأسيسي إلى البرلمان الأوروبي لمطالبته بحل البرلمان التونسي الواقع من سيطرة "الإخوانجية"، ومثل نكران رئيس دولة تونس المنتخب بفضل الربيع العربي تاريخ الاحتلال الفرنسي لتونس؛ والاكتفاء بتوصيفه قانونيا كمرحلة حماية، قبل أن يقبل كتفي الرئيس الفرنسي في خضوع مذل.

إنه نفس التوجه النخبوي القائم على رفض التغيير، والمفارقة أن كل ذلك تم تحت شعارات الثورة والتغيير. إن كم التناقض الذي مارسته النخب العربية بعد الربيع العربي يكشف أن لا فرق بينها وبين كل تاجر متنفذ موشك على فقدان موقعه وغنيمته. فالتغيير يأتي بنخب جديدة ويقطع رزق المتنفذين، ولو كانوا تنفذوا بخطاب الثورة. وفي الحالة اللبنانية وصلت ردة الفعل إلى حالة من النكوص إلى ما قبل الاستقلال. إنها تقدمية عربية ذات مشروع تحديثي تعيد عجلة التاريخ قرنا إلى الوراء.

نخب خائنة بصراحة

هذا حكم أخلاقي متعسف على كثيرين، ولكن في الواقع عندما بحث المواطن العربي المجهول عن النخب لقيادة الثورة والتغيير وجدهم يطالبون بعودة الاستعمار أو ينقلبون بالعسكر على الديمقراطية.

يسعفنا الزمن بمقارنة "إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ".. هذا هو رأي غرامشي في المثقف المحافظ أو الرجعي أو النكوصي.

نظريا وحسب ما كتبته هذه النخب عبر تاريخها الطويل في التنظير، فإن ردة الفعل الوحيدة الأخلاقية والثورية بعد كارثة بيروت هي احتلال الشارع ودفع ثمن إسقاط النظام الطائفي الذي خرب لبنان، وهو الموقف الذي انتظره شعب مصر من نخبته فوجدها تبرر للعسكر، وهو ما انتظره شعب تونس من نخبه فوجدها تقبل كتف الرئيس الفرنسي وتنكر جهاد آبائها وأجدادها.

لقد بدا لهم أن عودة الاحتلال أيسر وأكثر جدوى من مقارعة حكامها في الشارع ودفع ثمن الدم والحرية. إنها طبيعة النخبة التي صنعتها الدولة الوطنية ورعتها وسمّنتها، حتى وصلت إلى إنكار الدولة، ونعتقد أنها لم تعترف بوجود شعب أبدا رغم أنها كتبت له كراسات ثورية.

يمكنها في انتظار عودة الانتداب أو الحماية أن تبيع للشعب الطيب الغبي فيروز "بي راح.. راح العسكر بي علاّ بي عمّر حارب وانتصر في عنجر"، ولن تنتبه إلى أن أجيال لبنان وتونس ومصر وفلسطين وسوريا والجزائر غنت دوما مع بشارة الخوري الهوى والشباب والأمل المنشود.. ضاعت جميعها من يدي.

--------------
وقع تغيير العنوان الأصلي للمقال
محرر موقع بوابتي


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

التبعية، فرنسا، الإحتلال، النخب، التحرر، الإستقلال،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 11-08-2020   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
حسن الطرابلسي، شيرين حامد فهمي ، د. عادل محمد عايش الأسطل، أحمد بوادي، صلاح الحريري، ضحى عبد الرحمن، محمد الياسين، المولدي الفرجاني، صفاء العراقي، كمال حبيب، مجدى داود، محمد تاج الدين الطيبي، د- محمود علي عريقات، عراق المطيري، ابتسام سعد، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، علي عبد العال، الشهيد سيد قطب، محمود طرشوبي، ماهر عدنان قنديل، حسني إبراهيم عبد العظيم، د - المنجي الكعبي، د. كاظم عبد الحسين عباس ، نادية سعد، سوسن مسعود، طلال قسومي، الناصر الرقيق، د- جابر قميحة، عبد الرزاق قيراط ، عواطف منصور، سعود السبعاني، فاطمة حافظ ، حسن عثمان، رأفت صلاح الدين، رحاب اسعد بيوض التميمي، د.محمد فتحي عبد العال، إيمان القدوسي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، محمد الطرابلسي، رافد العزاوي، بسمة منصور، عبد الله زيدان، محرر "بوابتي"، فتحي العابد، الهيثم زعفان، العادل السمعلي، عدنان المنصر، فهمي شراب، د - عادل رضا، سحر الصيدلي، صفاء العربي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، مصطفى منيغ، فراس جعفر ابورمان، حسن الحسن، محمود فاروق سيد شعبان، فوزي مسعود ، محمد أحمد عزوز، سلوى المغربي، سامر أبو رمان ، أحمد الحباسي، يزيد بن الحسين، سامح لطف الله، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، جاسم الرصيف، د. محمد مورو ، د. مصطفى يوسف اللداوي، د- محمد رحال، د - الضاوي خوالدية، محمد إبراهيم مبروك، منى محروس، أ.د. مصطفى رجب، د. محمد عمارة ، د. أحمد بشير، د. عبد الآله المالكي، وائل بنجدو، د. جعفر شيخ إدريس ، خالد الجاف ، سلام الشماع، خبَّاب بن مروان الحمد، عبد الله الفقير، أنس الشابي، صلاح المختار، منجي باكير، كريم السليتي، رشيد السيد أحمد، مصطفي زهران، هناء سلامة، د.ليلى بيومي ، د - غالب الفريجات، د - محمد بن موسى الشريف ، د - مضاوي الرشيد، إسراء أبو رمان، أحمد ملحم، د - أبو يعرب المرزوقي، ياسين أحمد، رمضان حينوني، أحمد النعيمي، د- هاني السباعي، د - شاكر الحوكي ، الهادي المثلوثي، كريم فارق، د - محمد بنيعيش، رافع القارصي، فاطمة عبد الرءوف، د - محمد سعد أبو العزم، حاتم الصولي، سيدة محمود محمد، رضا الدبّابي، د. محمد يحيى ، محمد عمر غرس الله، محمد اسعد بيوض التميمي، إيمى الأشقر، د. الشاهد البوشيخي، عمر غازي، د - مصطفى فهمي، د. صلاح عودة الله ، محمود سلطان، مراد قميزة، د- هاني ابوالفتوح، د . قذلة بنت محمد القحطاني، أبو سمية، عصام كرم الطوخى ، أشرف إبراهيم حجاج، فتحـي قاره بيبـان، د. طارق عبد الحليم، د - محمد عباس المصرى، محمد العيادي، د. نانسي أبو الفتوح، تونسي، د. الحسيني إسماعيل ، فتحي الزغل، إياد محمود حسين ، أحمد الغريب، د - صالح المازقي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، سيد السباعي، صالح النعامي ، د. خالد الطراولي ، حميدة الطيلوش، سليمان أحمد أبو ستة، صباح الموسوي ، حمدى شفيق ، د - احمد عبدالحميد غراب، محمود صافي ، جمال عرفة، د. أحمد محمد سليمان، سفيان عبد الكافي، عبد الغني مزوز، محمد شمام ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، عزيز العرباوي، يحيي البوليني، د. نهى قاطرجي ، علي الكاش، معتز الجعبري،
أحدث الردود
انا من الامارات وفعلا للاسف اغلب المغربيات اللي شفتهن هناك يا دعاره يا تصاحب خليجين وقليل اللي شفتها تشتغل ومحترمه حتى الشغل العادي خلوه دعاره يعني تش...>>

مقال ممتاز
لكن الاصح ان الوجود الفرنسي بتونس لم يكن استعمارا وانما احتلال، فرنسا هي التي روجت ان وجودها ببلداننا كان بهدف الاعمار والاخراج من ح...>>


الاولى : قبل تحديد مشكلة البحث، وذلك لتحديد مسار البحث المستقل عن البحوث الاخرى قبل البدء فيه .
الثانية : بعد تحديد مشكلة البحث وذلك لمعرفة الا...>>


بارك الله فيكم...>>

جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


أعلم أن تعليقك مر عليه سنين، كان عليك بزيارة طبيب نفسي فتعليقك يدل على أنك مريض ، ويحمل تناقضات تقول أنها عاهرة و جاءت لتعمل في الفندق ؟؟؟ عاهرة وأجبر...>>

تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة