تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

من يحرق قطار تونس؟

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


أصبح التونسيون يوم الجمعة (14 أيار/ مايو) على نبأ حرق قاطرة جديدة بمنطقة المناجم، وباتوا ليلة الاثنين (17 أيار/ مايو) على نبأ القبض على مجرمين يحاولون حرق قطار آخر. في نفس الفترة اندلع حريق في المنطقة الصناعية بالنفيضة (100 كلم جنوب العاصمة)، وقريبا منه أحرق معمل لفرز الملابس القديمة في الساحل، فمر شريط الحرائق أمام أعين التونسيين.. هذا الصيف أيضا سيكون صيفا آخر للحرائق مثل كل أصياف ما بعد الثورة، حين أحرقت مزارع القمح والغابات وأضرحة الأولياء عبر تراب الوطن، وعاد السؤال: من أحرق تونس ومن يحرقها بعد؟

هذا السؤال مفتاح لفهم ومفتاح لحركة، ولكن أطراف السلطة التنفيذية (الرئيس والحكومة) تنظر من النافذة إلى سرب عصافير يمر، لكي لا يروا دخان الحرائق تصل قريبا من كراسيهم. إذا استمروا في التحديق في الفراغ فإن دخان الحرائق سيدخل عليهم قريبا من النافذة.

الحرائق خطة سياسية وليست تتابع صدف تقنية

منذ بدأت الحرائق في تونس لم يصل تحقيق جنائي إلى نتيجة تشفي الغليل، وظلت كل القضايا مسجلة ضد مجهول. وتسارعت الأحداث فنسي الناس الحرائق، كما نسوا نتائج التحقيقات في العمليات الإرهابية. لكن الجمهور على صواب في تقدير دور الحرائق.. إنها تتزامن مع منعرجات سياسية هامة، فترسل رسائل محددة مضمونها: إذا تم المساس بمسائل محددة فإن البلد سيحرق بمن فيه. وقد صادف هذه التهديد دوما نفوسا خائفة في جهاز الحكم، فطأطأ الحكام لمشعلي الحرائق ولم يتقدموا في تحقيق مطالب الثورة.

هذه الأيام ينتظر الناس تراجع الخوف من وباء كورونا وعودة الحياة الطبيعية إلى مسارها ومعها سؤال مضن عن تقدم الحكومة في محاربة الفساد. الجميع يعرف، وأولهم طبقة الفاسدين المفسدين، أن لا حل أمام الحكومة إلا أن توجه ضربات قاسية لطبقة الفساد لتثبت بها قواعد حكمها، ولتعيد بها طمأنة النفوس الخائفة من الانهيار الاقتصادي.

وأحد أهم الملفات التي ينتظر الناس معالجتها؛ هو إعادة تحكم الدولة في منتج الفسفاط والسيطرة على نقله وتكريره. لذلك جاءت الرسالة الأشد قسوة من هناك.. لقد أحرقت قاطرة جديدة بقيمة خمسة مليارات من المليمات. مغزى الرسالة: لا تقتربوا من خدمة نقل الفوسفات. يوجد هناك لوبي شركات يدير بعضها نائب متنفذ في المجلس؛ لو عادت القطارات إلى سيرها لوجد شاحناته عاطلة عن الحركة. من يحمي النائب؟ أو لنقل بشكل قانوني: لماذا لا يثار اسمه في التحقيقات؟ الخائفون من الحريق يخلقون تلهية أخرى لكي لا يطرح السؤال: من يحرق القطارات؟

الرئيس يمارس رياضة تعديل الدستور

في أيام الدعاية الانتخابية وخاصة في الدور الأول كان أحد أهم الأسئلة الموجهة للمتقدمين لمنصب الرئيس: ما هو تعريفك للأمن القومي؟ وكانت إحدى أهم الإجابات هي إجابة المرشح قيس سعيد: "تأمين غذاء التونسيين من صميم الأمن القومي"، فلما صار المرشح رئيسا لاحظ العبث بمصير أهم ثروة وطنية، وهي الفوسفات، فانصرف إلى تعديل الدستور وترك تأمين غذاء التونسيين جانبا.

إنها نفس التكتيكات الخائفة أمام الفساد المستشري: خلق موضع اهتمام بعيدا عن القضية الأصلية. وطبعا وراء كل هارب من المواجهة الضرورية جمهور مؤثر في السوشيال ميديا، يجذب وراءه الجمهور الطيب فيقع في الفخ، فإذا النقاش محتدم حول تعديل النظام السياسي بينما يستولي اللصوص على غذاء الشعب.

لقد صارت قناعة عند قطاع واسع بأن رياضة تعديل الدستور وجر النقاش العام إلى طبيعة النظام السياسي (هل هو برلماني أو رئاسي)، وجر النقاشات إلى نمط الدولة (لائكي أم ديني، مع كم من الأسئلة المغالطية) هو دخان تمويهي للهروب من مواجهة الفساد والفاسدين.

لماذا تقدموا إلى إدارة البلد إذا كانوا خائفين من مواجهة الفساد؟ ينكشف جزء من الإجابة بأن كثيرا ممن فازوا بالحكم (سواء في موقع تشريعي/ برلمان أو تنفيذي/ حكومة ورئيس) هم من صنائع الفساد. لقد أوصلهم الفساد إلى سدة الحكم، ولا يمكنهم عض اليد الكريمة التي أنفقت عليهم. الذين يحرقون القطارات والمزارع والمعامل ومبيتات التلاميذ وأضرحة الأولياء يملكون جزءا كبيرا من السلطة التنفيذية، أو في أقل الاحتمالات سوءا يحيطون بها من قريب فلا تستطيع منهم فكاكا.

هل نستسلم للفساد يحكم تونس؟

لا أمل في أن يتوقف الرئيس عن رياضته الجديدة، حيث يستلذ شرب عصير المفاهيم القانونية ممزوجة بنصوص الدستور الجافة، ويتنقل في الأرياف دون حراسته المقربة ليستطيب صورته إلى جانب عمر الفاروق.

ولا أمل في الأحزاب المكونة للحكومة، فهي تتصارع أمام أعين التونسيين حول جنس الملائكة أو مقاس حذاء حفتر. وهي تخلق كل يوم قضية جديدة للتلهية، وآخر القضايا التي نبعت فجأة من لا مكان ولا سبب هي ثروة الغنوشي؛ الذي كان بيننا منذ عشر سنوات ولم يسأله أحد عن ثروته دون غيره. لقد رأينا ثروات كثيرة تنمو بعد الثورة، ولكن السؤال توجه فقط للغنوشي بما صرف جمهوره المؤثر في فيسبوك (التونسي خاصة) عن السؤال الأساسي: من يحرق القطارات؟

هي حرائق في جسد السلطة التنفيذية وفي جسد المستقبل المنتظر منها في مرحلة الخروج من الوباء ومواجهة الوباء الأكثر تدميرا، وهو الفساد المتفشي في كل أركان الدولة والمجتمع.

لكن الوعي يزداد بفداحة الجرم والنقاش وينحصر حوله مهما استقوت منظوماته الإعلامية بحيل لصرف الانتباه إلى العصافير في السماء. وقد قدم عماد الدائمي، النائب السابق ورئيس مرصد مكافحة الفساد، أمثلة مشجعة على التقدم في طريق الحرب على الفاسدين، حيث كشف بجهد فردي وبكل شجاعة دور النقابات في الفساد في كل ركن. ويتضح الآن أنه كلما تقدم عماد في عمله القانوني برز دور النقابة كعصا للفساد والإفساد.

عماد يعطي أملا، ولكنه بدون سند شعبي لن يفلت من غدر الفساد. وقد بدأنا نستشعر اشمئزاز مكونات الحكومة من عمله؛ عوض أن نراها ترحب به وتعلن حمايته ودفع مجهوده القانوني إلى المزيد من الفعالية.

هل سنكتب قريبا أن الحكومة وأحزابها فاسدة وتحمي الفساد؟ نحن عاينّا الخوف والتردد، ونظن أن بعضها لا كلها يريد أن يقاوم ولا يستطيع، لذلك سنقول إن بعض الظن بالحكومة ليس إثما، ونتمنى أن تكذبنا الحكومة بالسير على طريق عماد الدائمي. أما الرئيس فسنتمنى له موسما رياضيا طيبا وهو يمضغ فصول الدستور ويرى في منامه عمر الفاروق.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الثورة المضادة، بقايا فرنسا، الحرائق، قيس سعيد،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 20-05-2020   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
أنس الشابي، سعود السبعاني، د - أبو يعرب المرزوقي، محمود فاروق سيد شعبان، أشرف إبراهيم حجاج، د.محمد فتحي عبد العال، حسني إبراهيم عبد العظيم، فوزي مسعود ، خبَّاب بن مروان الحمد، الهيثم زعفان، سحر الصيدلي، ماهر عدنان قنديل، محمود طرشوبي، رافد العزاوي، صباح الموسوي ، طلال قسومي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، سامح لطف الله، د - المنجي الكعبي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، سيد السباعي، رمضان حينوني، الشهيد سيد قطب، فهمي شراب، أحمد بوادي، فتحي الزغل، عبد الله زيدان، د - عادل رضا، د. محمد مورو ، إيمان القدوسي، د. طارق عبد الحليم، أحمد الحباسي، سفيان عبد الكافي، عراق المطيري، د. مصطفى يوسف اللداوي، د - محمد بنيعيش، حسن الحسن، د - صالح المازقي، جاسم الرصيف، عبد الرزاق قيراط ، د. الحسيني إسماعيل ، رضا الدبّابي، كريم فارق، عبد الله الفقير، د. عادل محمد عايش الأسطل، محرر "بوابتي"، عبد الغني مزوز، مجدى داود، عواطف منصور، د - الضاوي خوالدية، معتز الجعبري، صفاء العراقي، سلام الشماع، صلاح الحريري، محمود صافي ، صالح النعامي ، د - مصطفى فهمي، د. أحمد بشير، صفاء العربي، د. عبد الآله المالكي، فاطمة حافظ ، د- هاني ابوالفتوح، د - محمد عباس المصرى، منى محروس، صلاح المختار، محمود سلطان، مصطفى منيغ، كمال حبيب، د - محمد سعد أبو العزم، د- جابر قميحة، رافع القارصي، العادل السمعلي، د. محمد عمارة ، د- محمد رحال، د. نانسي أبو الفتوح، إيمى الأشقر، إياد محمود حسين ، حاتم الصولي، عزيز العرباوي، رأفت صلاح الدين، د- محمود علي عريقات، الناصر الرقيق، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، حمدى شفيق ، محمد عمر غرس الله، سوسن مسعود، منجي باكير، خالد الجاف ، د. الشاهد البوشيخي، أحمد النعيمي، عصام كرم الطوخى ، هناء سلامة، د - شاكر الحوكي ، فاطمة عبد الرءوف، محمد شمام ، مصطفي زهران، فتحـي قاره بيبـان، عدنان المنصر، د. خالد الطراولي ، تونسي، إسراء أبو رمان، محمد إبراهيم مبروك، جمال عرفة، د.ليلى بيومي ، د. محمد يحيى ، فتحي العابد، حسن عثمان، فراس جعفر ابورمان، محمد الطرابلسي، د - احمد عبدالحميد غراب، د. صلاح عودة الله ، ياسين أحمد، بسمة منصور، رحاب اسعد بيوض التميمي، علي الكاش، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، ابتسام سعد، رشيد السيد أحمد، محمد تاج الدين الطيبي، محمد أحمد عزوز، عمر غازي، أ.د. مصطفى رجب، شيرين حامد فهمي ، مراد قميزة، د - غالب الفريجات، د - محمد بن موسى الشريف ، محمد اسعد بيوض التميمي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، وائل بنجدو، د - مضاوي الرشيد، سامر أبو رمان ، أحمد ملحم، حميدة الطيلوش، علي عبد العال، الهادي المثلوثي، المولدي الفرجاني، يزيد بن الحسين، محمد العيادي، د. نهى قاطرجي ، أحمد الغريب، يحيي البوليني، سيدة محمود محمد، د- هاني السباعي، أبو سمية، د. جعفر شيخ إدريس ، نادية سعد، سلوى المغربي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، كريم السليتي، حسن الطرابلسي، د. أحمد محمد سليمان، محمد الياسين،
أحدث الردود
انا من الامارات وفعلا للاسف اغلب المغربيات اللي شفتهن هناك يا دعاره يا تصاحب خليجين وقليل اللي شفتها تشتغل ومحترمه حتى الشغل العادي خلوه دعاره يعني تش...>>

مقال ممتاز
لكن الاصح ان الوجود الفرنسي بتونس لم يكن استعمارا وانما احتلال، فرنسا هي التي روجت ان وجودها ببلداننا كان بهدف الاعمار والاخراج من ح...>>


الاولى : قبل تحديد مشكلة البحث، وذلك لتحديد مسار البحث المستقل عن البحوث الاخرى قبل البدء فيه .
الثانية : بعد تحديد مشكلة البحث وذلك لمعرفة الا...>>


بارك الله فيكم...>>

جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


أعلم أن تعليقك مر عليه سنين، كان عليك بزيارة طبيب نفسي فتعليقك يدل على أنك مريض ، ويحمل تناقضات تقول أنها عاهرة و جاءت لتعمل في الفندق ؟؟؟ عاهرة وأجبر...>>

تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة