تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

تونس: حلقة من الصراع ضد الوجود الفرنسي

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


برغم الوباء المتفشي وبرغم الخوف على المستقبل الذي يسكن قلوب التونسيين، تأبى النخبة الفرانكفونية في تونس إلا أن تخوض معارك التمييز السلبي من التونسيين، وتفرض أجنداتها الثقافية من وراء الصفوف المتراصة ضد الوباء وضد الخراب الاقتصادي القادم بعده. نعني هنا بالتمييز السلبي فرض أجندة ثقافية فئوية أقلية مغتربة عن ثقافة الشعب الأصيلة الفاقدة، حتى الآن، لكل سلطة قرار ومواقع تأثير في المشهد الثقافي التونسي إلا في الهامش المنسي، حيث تولد وتموت ولا يصل إليها متلق إلا من جوار قريب.

وزارة اللوبيات

كنا نعرف هذا من قبل الثورة لأننا كنا نشاهد عليه الأدلة الكثيرة وكنا عاجزين عن البوح، وقد حررت الثورة الألسن ولكنها لم تحرر الوزارة من نفوذ جماعة محددة تعشش في أركان الوزارة وتحلب ضرعها فتدميه. والوزير الوحيد الساعي في التغيير وتحرير الثقافة الذي تسرب إليها زمن الترويكا تعرض إلى اعتداء جسدي من الأدوات الصغيرة التي تستعملها هذه المجموعات الضاغطة، فأقصي وسقط مشروع تحرير الثقافة من جديد في حجر من نسميهم بمافيا الثقافة والسينما في تونس.

هذه اللوبيات عادت بعد كمون قصير من وراء الناس المشغولين بالتوقي من الوباء، لتفرض عبر وزيرة منها (هي من فرضتها في حكومة الفخفاخ بأسلوب مخاتل تتقنه) عودة قانونية لتصوير أعمال درامية لرمضان، متجاوزة بذلك كل تراتيب الحجر الصحي التي تسهر كل أركان الدولة، بدءا من الرئيس، على تطبيقها، حيث تبين للعالم أن لا دواء من كورونا غير التوقي بالحجر الجماعي لتقليل العدوى.

فقدت اللوبيات غنيمة مالية كانت تتدبرها في شهر رمضان ببيع الإنتاج الدرامي للتلفزيون الرسمي والقنوات الخاصة، وما يرافق ذلك من مردود الاستشهار الذي يحسب بملايين الدينارات.

للتذكير، فإن تنظيم الإنتاج الثقافي في تونس يمر عبر كواليس الإدارة، وذلك من زمن الرقابة المتغطرسة لابن علي ونظامه. وهو أمر لم يتغير رغم وجود منتجين خارج الوزارة (شركات إنتاج خاصة)، غير أن الحيلة في الأمر أن هذه الشركات تحظى بدعم من الدولة. ومن هنا يتبين حرص اللوبيات على عدم تغيير القوانين السارية لأنها تضمن لها الدعم حتى في أعمال خاصة تسوقها لحسابها ولا يعود منها للدولة شيء. اللوبيات تختار الوزير المناسب والوزير يرد الجميل بتوفير الدعم رغم الوباء الفاشي بين الناس. هكذا جرى بعد الثورة وقبلها.

تبريرات مضحكة

بررت الوزيرة بحجة اللوبيات أن المنتج الدرامي سيلزم الناس على البقاء في بيوتهم زمن الحجر. وقال قائلهم نحن خارجون للجهاد من أجل الشعب التونسي مثلما يخرج جيش الأطباء، ونسيت الوزيرة أو تناست أن المنتج الدرامي العربي والمدبلج يستقطب الأسر التونسية، وخاصة منه التركي والشامي (سوريا ولبنان) بعد أن كانت الصدارة للمنتج المصري، وأن متابعة الأسر للمنتج التونسي قليلة أو منعدمة. ولهذا أسباب في المنتج نفسه.

لقد أحصى أحد المتابعين 45 مشهدا لشرب الخمر في مسلسل واحد يبث في رمضان، ودامت المشاهد أكثر من ساعة موزعة بين 15 حلقة (وهو تقريبا الطول المتوسط لمسلسل تونسي). تستخدم لوبيات الثقافة كتابا ومخرجين من نفس التيار الفكري (الأيديولوجي) المعادي لتراث الشعب التونسي الثقافي والديني (توجد استثناءات تؤكد هذه القاعدة)، وهو التيار الوحيد الذي يجد حظوة، بينما يقصى كل كاتب أو سيناريست أو مخرج أو مسرحي مخالف لذلك.

وهذا التيار ينتج دراما لرمضان موجهة لأسر تراعي شعيرة الصيام، لتسخر من عقيدتها من وسلوكها التعبدي. فتصورها بمظهر الريفيين الجهلة والحمقى والمتكالبين، وحياتهم مليئة بالجريمة والنفاق والخبث، بينما تبني صورة مثالية لكل من يعيش حياة غير متدينة. ثم تعتذر الوزيرة بأنها تريد إمساك الشعب في البيوت لدعم الحجر. وكان ذلك منها العذر الذي فاق الذنب وقاحة. فهذا الشعب (المنحط) هو جمهور مسلسلاتها، ونخبتها أو لوبياتها المحيطة بكرسييها تحميه وتأكل من فضله.

ثقافتان في صراع وجودي

لم تكن معركة أولى من أجل مسلسلات رمضانية تنجز بنشر الفيروس بحجة حمايته من الفيروس. إنها معركة من حرب طويلة بين صيغة حداثية وافدة يقودها لوبي ثقافي فرانكفوني مغترب، ضد ثقافة أصيلة فاقدة للقوة السياسية (أو حرمت منها وهو الأصح) منذ زمن تأسيس الدولة. واتخاذ المثقفين مرتزقة في ركاب السلطة تغدق عليهم فيشرعون لها.

لقد صارت قاعدة في تونس أنه إذا رغبت في أن تتدبر رزقا من الثقافة أو شهرة وجوائز أدبية محلية ودولية مع إكرامية عشاءات راقية مع سفير فرنسا، فيجب الالتحاق بهذا اللوبي والتكلم من داخله بفرنسية باريسية، مع جرعة ثابتة من امتهان العربية وإظهار العداوة الحاسمة للتيار الديني والدين عامة في آخر السهرة.

وبينما يقبع ألف شاعر شعبي وألف قصاص وحكواتي في الأرياف يولدون ويموتون بقصصهم ولوحاتهم الفنية كأن لم يوجدوا، فإذا جيء بهم فلكي يكونوا موضع تندر من لهجتهم ومن لباسهم، وحتى من ركوبهم للخيل على طريقة الفروسية القديمة.

هذا المعركة مستمرة وتطفو على السطح عندما يفحش هذا اللوبي في الطلب فيتجاوز كل قدرة الناس على الصمت عليه. وحتى عندما ينفجر نقد جذري ضده فإنه يحسن طأطأة رأسه لتمر العاصفة ثم يعود بأسلوب الضباع في افتكاك صيد الآخرين. إنه التمييز السلبي الذي ترعاه الدولة بين الثقافتين؛ ثقافة قاهرة بقوة الدولة ومقهورة بقوة الدولة نفسها.

متى تنتهي هذه المعركة ويعود للثقافة الشعبية حظوتها؟ لن يكون ذلك في حكومة إلياس الفخفاخ، فهو قادم من قلب هذه اللوبيات وإن تزيا بزي اجتماعي ديمقراطي، ولا يملك الجرأة على تحدي اللوبي الفرانكفوني المستقوي بالسفير الفرنسي. إنه قادم من داخل صيغة الحداثة المغتربة، ولا يعرف الريف ولا ثقافاته المتعددة في كل منطقة، ولا يهتم بالبحث في هذا العمق، ودليلنا تخليه عن أسماء مثقفين كثر قادمين من النواحي وتقديم الوزيرة الحالية التي تربت في قلب هذا اللوبي الثقافي.

ستكون نهاية هذه المعركة بعد جيل آخر، وسيكون ذلك بدء الميز الإيجابي في الحقل الثقافي التونسي. يوما سنكتب (إن بقينا) أن الثقافة التونسية منطقة محررة.

-----------
وقع تغيير العنوان الأصلي للمقال
محرر موقع بوابتي


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

كورونا، تونس،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 15-04-2020   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
أبو سمية، سحر الصيدلي، عدنان المنصر، د. محمد مورو ، صالح النعامي ، عراق المطيري، الهادي المثلوثي، محرر "بوابتي"، فاطمة حافظ ، مصطفي زهران، د - الضاوي خوالدية، معتز الجعبري، رمضان حينوني، أحمد النعيمي، د. أحمد بشير، محمود سلطان، محمود طرشوبي، سلوى المغربي، محمد إبراهيم مبروك، د. خالد الطراولي ، رأفت صلاح الدين، محمود فاروق سيد شعبان، د - مضاوي الرشيد، د - محمد عباس المصرى، د. نهى قاطرجي ، فتحـي قاره بيبـان، الشهيد سيد قطب، فوزي مسعود ، العادل السمعلي، منى محروس، المولدي الفرجاني، جمال عرفة، د. محمد عمارة ، د - صالح المازقي، حميدة الطيلوش، عبد الرزاق قيراط ، د. الشاهد البوشيخي، محمد شمام ، د - محمد سعد أبو العزم، د - شاكر الحوكي ، بسمة منصور، محمود صافي ، سفيان عبد الكافي، محمد عمر غرس الله، سيد السباعي، كريم السليتي، طلال قسومي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، أحمد الغريب، د. صلاح عودة الله ، سلام الشماع، د . قذلة بنت محمد القحطاني، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، علي الكاش، سيدة محمود محمد، شيرين حامد فهمي ، حسني إبراهيم عبد العظيم، د- هاني ابوالفتوح، هناء سلامة، د.محمد فتحي عبد العال، د. عادل محمد عايش الأسطل، محمد الطرابلسي، رافد العزاوي، أحمد بوادي، ياسين أحمد، خالد الجاف ، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د. طارق عبد الحليم، عواطف منصور، د- محمود علي عريقات، أ.د. مصطفى رجب، د. الحسيني إسماعيل ، منجي باكير، الهيثم زعفان، خبَّاب بن مروان الحمد، سوسن مسعود، د - محمد بن موسى الشريف ، حسن عثمان، مراد قميزة، محمد الياسين، حسن الحسن، عزيز العرباوي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، د - غالب الفريجات، د - مصطفى فهمي، إيمى الأشقر، د.ليلى بيومي ، علي عبد العال، فتحي الزغل، عبد الله زيدان، سامح لطف الله، جاسم الرصيف، عبد الغني مزوز، د- محمد رحال، حاتم الصولي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، الناصر الرقيق، عبد الله الفقير، د- جابر قميحة، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، مجدى داود، د. عبد الآله المالكي، د - محمد بنيعيش، ابتسام سعد، أشرف إبراهيم حجاج، د - عادل رضا، فهمي شراب، محمد اسعد بيوض التميمي، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د - المنجي الكعبي، فراس جعفر ابورمان، أنس الشابي، كريم فارق، حمدى شفيق ، د. نانسي أبو الفتوح، د. جعفر شيخ إدريس ، د- هاني السباعي، محمد تاج الدين الطيبي، يحيي البوليني، محمد أحمد عزوز، مصطفى منيغ، تونسي، حسن الطرابلسي، رضا الدبّابي، عمر غازي، د - أبو يعرب المرزوقي، إسراء أبو رمان، د - احمد عبدالحميد غراب، كمال حبيب، سعود السبعاني، إياد محمود حسين ، نادية سعد، فتحي العابد، رافع القارصي، صلاح الحريري، رحاب اسعد بيوض التميمي، عصام كرم الطوخى ، د. أحمد محمد سليمان، ماهر عدنان قنديل، سامر أبو رمان ، يزيد بن الحسين، أحمد ملحم، أحمد الحباسي، محمد العيادي، د. محمد يحيى ، فاطمة عبد الرءوف، صفاء العربي، صفاء العراقي، وائل بنجدو، د. مصطفى يوسف اللداوي، إيمان القدوسي، صباح الموسوي ، رشيد السيد أحمد، صلاح المختار،
أحدث الردود
انا من الامارات وفعلا للاسف اغلب المغربيات اللي شفتهن هناك يا دعاره يا تصاحب خليجين وقليل اللي شفتها تشتغل ومحترمه حتى الشغل العادي خلوه دعاره يعني تش...>>

مقال ممتاز
لكن الاصح ان الوجود الفرنسي بتونس لم يكن استعمارا وانما احتلال، فرنسا هي التي روجت ان وجودها ببلداننا كان بهدف الاعمار والاخراج من ح...>>


الاولى : قبل تحديد مشكلة البحث، وذلك لتحديد مسار البحث المستقل عن البحوث الاخرى قبل البدء فيه .
الثانية : بعد تحديد مشكلة البحث وذلك لمعرفة الا...>>


بارك الله فيكم...>>

جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


أعلم أن تعليقك مر عليه سنين، كان عليك بزيارة طبيب نفسي فتعليقك يدل على أنك مريض ، ويحمل تناقضات تقول أنها عاهرة و جاءت لتعمل في الفندق ؟؟؟ عاهرة وأجبر...>>

تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة