تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

هل تصمد حكومة الفخفاخ طويلا؟

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


نستبشر ونجمع مؤشرات التفاؤل وننفخ في صورة الأمل بعد قيام حكومة السيد إلياس الفخفاخ في تونس، لكننا نحتفظ بكثير من الواقعية. فقد أعدم صراع النخب في تونس ذلك الفرح الطفولي الذي يشعر به الناس في المناسبات السعيدة، لذلك نحاول استشراف عمر حكومة الفخفاخ عوض السؤال عن نجاحاتها العملية. فهناك في تركيبة الحكومة وفي برنامجها عناصر غير مطمئنة، خاصة أمام إعلام معاد يشعر بالخسران من كل نجاح.

الميراث الثقيل

تواجه حكومة تونس ميراثا ثقيلا، فهي تستلم البلد والمؤشرات الاقتصادية سيئة، والوضع الاجتماعي متفجر وزاده الجفاف بؤسا، فالسنة الفلاحية تنذر بكارثة بعد انحباس الغيث على كامل البلد طيلة الشتاء الماطر عادة. هذه التركة الثقيلة متراكمة منذ ما قبل الثورة، وكل الحكومات بعد الثورة قدمت علاجات ظرفية مؤجلة كل حل جذري بحجج مختلفة.

خُيّل إلى كثيرين أن النقابة قد شاركت في تأليف الحكومة، وأنها بالنظر إلى هذا الدور السياسي الاعتباري ستمنح الحكومة هدنة اجتماعية طالب بها السياسيون النقابة منذ الثورة، لكن إضرابات متوحشة في قطاع التعليم انطلقت منذ الساعات الأولى لعمل الحكومة منذرة إياها ببقاء الوضع على ما هو عليه، وهو ما كشف أن ليس للنقابة رأسا واحدة، وأن القرار بالتحرك الاحتجاجي في أي قطاع لا يعود إلى المركزية النقابية بل للخلفية السياسية الخاصة بكل قطاع. فالأذرع النقابية للأحزاب الباقية خارج الحكومة ستتحرك طبقا لأجنداتها الحزبية بقطع النظر عن محاولات المركزية التهدئة، وسيزداد الأمر سوءا عند الاقتراب من حلحلة معضلة الفوسفات، وليس للحكومة قدرة على تقديم ترضيات سياسية قبل التفاوض على أي مشكل اجتماع واقتصادي معلق، أي أن الهدنة الاجتماعية المرغوبة لن تحصل.

هل ستخوض حكومة الفخفاخ المعركة اللازمة ضد النقابة لتلزمها بحدود معقولة؟ نرجح أنها ستميل إلى مهادنة النقابات وتأجيل التصادم، خاصة أن النقابة هي من اختارت وزيرها للشؤون الاجتماعية وهو أقرب في مواقفه إلى النقابة منه إلى الحكومة، وكل مهادنة تجعل النقابات تمد ساقها في المشهد الاجتماعي وتبتز المرحلة رغم علمها بالصعوبات الماثلة أمام الجميع. وفوق ذلك تستعد النقابة لعقد مؤتمرها في 2020، وقد دأب النقابيون على المزايدة بالتصعيد في الشارع لحيازة مواقع داخل النقابة.

حكومة فسيفساء

توجد في الحكومة خمس مجموعات سياسية متنافرة فضلا عن المستقلين، وتواجه معارضة من أكثر من الثلث المعطل. ورغم أننا نلاحظ بدايات هدوء في الخطاب بين هذه المكونات بعد حروب كلامية جارحة في مرحلة التشكيل، إلا أننا نتوقع وميض نار تحت رماد خفيف. لقد أمضى الجميع على وثيقة سياسية ملزمة تجبرهم على العمل معا لتنفيذ محتوى الوثيقة، ولكن الأثمان السياسية لتنفيذ الوثيقة ستكون مكلفة في المدى المتوسط. ونعرف أن جميع المكونات ترنو إلى انتخابات 2024 وطموحاتها المستقبلية أكبر من أحجامها الحالية، وقد دخلت حكومة الفخفاخ كوسيلة لإثبات وجودها في المستقبل أكثر من رغبتها في إنجاح الحكومة الحالية.

تنفيذ وثيقة الحكم سيمر بالخضوع إلى شروط المقرضين الدوليين، حيث ستخوض الحكومة تفاوضا مذلا حول برنامج الأليكا (العلاقة مع الاتحاد الأوروبي). ولهذا ثمن سياسي في الراهن وفي المستقبل، ونرجح أن أي مناورة للقبول ستكلف أحزاب الخطاب الثوري (حركة الشعب بالذات) الكثير من رصيدها. فمسؤولية تبرير تقليص التشغيل في الوظيفة العمومية تقع على وزيرها في وزارة التشغيل، بينما يجد وزيرها على التجارة نفسه مجبرا على قيادة التفاوض وإمضاء التنازلات التي بنى الحزب نفسه على رفضها.

وإلى ذلك نراقب الشحن الإعلامي المعادي للحكومة، والذي بدأ يحرّض بعض مكوناتها ضد بعض محاولا دق الأسافين بين الأحزاب. ويبدو أن هناك استجابات لهذا الشحن، ودليلنا أن ظهور حالة أولى من وباء الكورونا لم ينتج موقفا موحدا من مكونات الحكومة المتنافرة رغم مرور أكثر من خمسين ساعة عليه، بل حمّل الإعلام مسؤولية ظهور الوباء لوزير الصحة (من حزب النهضة) كأنه جلب الوباء في حقيبته، ولم يعلن رئس الحكومة موقفا وطنيا موحدا في التصدي للوباء حتى الساعة.

العلاقة الإشكالية مع رئس الدولة

يستشعر التونسيون ضغينة تكبر تحت غطاء المجاملات الرسمية بين رئيس الدولة ورئيس البرلمان (رغم أن حزبه منح تصويته للرئيس في الدور الثاني). ونرجح أن تظهر الخلافات للعلن إذا أصر رئيس البرلمان على دفع التعديل في القانون الانتخابي الثلاثاء (3 آذار/ مارس) أو ما اصطلح عليه بقانون العتبة (5 في المئة)، حيث تبين أن حزام الحكومة (130 صوتا) ليس متفقا على التعديل، فحركة الشعب ترفض ذلك وتميل إلى موقف الرئيس الذي يعتزم تعديل النظام السياسي بتعديل جذري على القانون الانتخابي.

هذا اختبار أول لتماسك الموقف السياسي داخل الحكومة ولشكل العلاقة مع الرئيس نفسه الذي يتمدد على حساب الحكومة، محاولا في ذات الوقت إلزام رئيس البرلمان بدوره التشريعي دون لعب أي دور سياسي خاصة في المجال الدبلوماسي.

لا يوجد إلزام أخلاقي أو سياسي لمكونات الحكومة في أن تكون على موقف موحد في جميع الملفات السياسية خارجها، لكن كل خلاف خارج الحكومة سيكون له أثر على عمل مكوناتها في التنفيذي، وهذا سبب إضافي لاضطراب عملها، وفي غياب الأجندة السياسية الموحدة لمكونات الحكومة سيشتغل كمعيق لكل اتفاقاتها في التنفيذي، وهذه حقيقة مخيفة.

فضلا عن ذلك، فإن أي خلاف حول تحقيق رغبات الرئيس وأجندته السياسية الخاصة سيشتت موقف الحكومة وينتج عزلة بين رأسي التنفيذي تباعد بين الأحزاب، وسيكون التصويت على قانون العتبة مؤشرا على مستقبل العلاقة مع الرئيس، حيث من المنتظر أن يصوت حزب قلب تونس مع النهضة، بما يوسع الفجوة بين الغنوشي وسعيد؛ المعادي للقروي والراغب في حرمانه من أي دور سياسي مستقبلي.

المشهد برمته يتقدم في الهشاشة ويسير على حد السكين، وكل عناصره تتصيد أخطاء بعضها البعض لمراكمة مكاسب على المستقبل (2024) عوض الدخول في مرحلة تعاون جدي، وهي أجواء غير ملائمة لمواجهة جذرية مع الميراث الكارثي الذي وجدته الحكومة. ونرى الفخفاخ في مهمة ربان في عاصفة بأشرعة حريرية.

سنطيل بالنا فترة أطول مع هذا الوضع الهش، وندعو للحكومة والدعاء ليس عنصرا من التحليل.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، حكومة الفخفاخ، مجلس نواب الشعب،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 4-03-2020   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د. محمد مورو ، سحر الصيدلي، حسني إبراهيم عبد العظيم، أ.د. مصطفى رجب، إيمى الأشقر، كمال حبيب، د. محمد عمارة ، صلاح الحريري، محمد الطرابلسي، د - مضاوي الرشيد، سيد السباعي، د - الضاوي خوالدية، د- محمود علي عريقات، سفيان عبد الكافي، علي عبد العال، د. نهى قاطرجي ، إيمان القدوسي، محمد اسعد بيوض التميمي، محمود طرشوبي، د. الحسيني إسماعيل ، حسن عثمان، فهمي شراب، أبو سمية، حمدى شفيق ، أحمد الحباسي، د.ليلى بيومي ، حاتم الصولي، د - احمد عبدالحميد غراب، سلام الشماع، عصام كرم الطوخى ، جمال عرفة، محمد إبراهيم مبروك، رمضان حينوني، صالح النعامي ، ياسين أحمد، محمود سلطان، فراس جعفر ابورمان، إياد محمود حسين ، جاسم الرصيف، د - عادل رضا، فاطمة عبد الرءوف، د - محمد بنيعيش، د - أبو يعرب المرزوقي، د. أحمد بشير، علي الكاش، د. خالد الطراولي ، الناصر الرقيق، يحيي البوليني، د. عادل محمد عايش الأسطل، كريم فارق، الشهيد سيد قطب، رشيد السيد أحمد، تونسي، محمد العيادي، رضا الدبّابي، عمر غازي، فتحـي قاره بيبـان، منجي باكير، د- هاني السباعي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، فوزي مسعود ، رأفت صلاح الدين، خالد الجاف ، يزيد بن الحسين، صلاح المختار، أشرف إبراهيم حجاج، د. الشاهد البوشيخي، د - المنجي الكعبي، د - شاكر الحوكي ، إسراء أبو رمان، د. محمد يحيى ، عبد الغني مزوز، د.محمد فتحي عبد العال، عواطف منصور، د. جعفر شيخ إدريس ، مجدى داود، محمد الياسين، الهادي المثلوثي، رحاب اسعد بيوض التميمي، د- محمد رحال، فتحي الزغل، هناء سلامة، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د - مصطفى فهمي، معتز الجعبري، شيرين حامد فهمي ، حميدة الطيلوش، د - صالح المازقي، عدنان المنصر، أنس الشابي، د. نانسي أبو الفتوح، د - غالب الفريجات، عبد الله الفقير، صفاء العربي، د. عبد الآله المالكي، كريم السليتي، بسمة منصور، د- جابر قميحة، صباح الموسوي ، د- هاني ابوالفتوح، د. صلاح عودة الله ، منى محروس، رافع القارصي، نادية سعد، محمود صافي ، محمد شمام ، د. ضرغام عبد الله الدباغ، أحمد الغريب، حسن الحسن، د . قذلة بنت محمد القحطاني، أحمد بوادي، محمود فاروق سيد شعبان، طلال قسومي، د - محمد بن موسى الشريف ، أحمد النعيمي، حسن الطرابلسي، أحمد ملحم، مصطفى منيغ، الهيثم زعفان، سامح لطف الله، د - محمد عباس المصرى، د. كاظم عبد الحسين عباس ، ماهر عدنان قنديل، صفاء العراقي، سيدة محمود محمد، عبد الله زيدان، فاطمة حافظ ، عبد الرزاق قيراط ، مصطفي زهران، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، سامر أبو رمان ، محمد عمر غرس الله، فتحي العابد، المولدي الفرجاني، سلوى المغربي، سعود السبعاني، ابتسام سعد، د. طارق عبد الحليم، عزيز العرباوي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، عراق المطيري، محمد تاج الدين الطيبي، خبَّاب بن مروان الحمد، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د. مصطفى يوسف اللداوي، محرر "بوابتي"، د. أحمد محمد سليمان، العادل السمعلي، د - محمد سعد أبو العزم، مراد قميزة، رافد العزاوي، محمد أحمد عزوز، وائل بنجدو، سوسن مسعود،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة