تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

حكومة الحد الأدنى السياسي في تونس

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


مثل طالب غير مستعد استنزف زمن الامتحان حتى الثواني الأخيرة ليسلم ورقته وقد ظن أن الإلهام ينزل في آخر الوقت على من يفتقد الفهم والحسم في السؤال منذ البداية، أعلنت حكومة في تونس في آخر ساعات الأجل الدستوري لتشكيلها وستمر أمام البرلمان للمصادقة وقد ضمنت بعد جهد جهيد حزامًا سياسيًا غير متوافق لكنه هارب من العودة للصندوق الانتخابي أي إلى الشعب صاحب السيادة.

هل ستنجح الحكومة؟ في أمانينا نرغب في نجاحها ولكن في الواقع نرجح أن الصراعات الأيديولوجية والفئوية نُقلت من بلاتوهات الإعلام إلى مكتب رئيس الحكومة وسنشهد معارك كثيرة في كل قرار يتخذ أو في كل مشروع قانون ترفعه الحكومة للبرلمان.

حكومة الحد الأدنى
هل نلوم السياسيين على التأخر في التشكيل أم نشكرهم لأنهم سلموا ورقة الامتحان أخيرًا؟ لم يطلب أيّ من المواطنين حكومة معجزات تغير وضع البلد في رمشة عين، بل حكومة تسير بسرعة دنيا من أجل علاج مشاكل الناس المؤجلة منذ الثورة على أمل المرور فعلًا إلى مرحلة بناء مستقبل جديد لبلد يفتقد إلى الموارد الكبرى ويعيش أهله بكد يمينهم ولم يعتادوا المعجزات من قياداتهم منذ صار لهم بلد وحكومات.

كان احتمال التشكيل سريعًا متاحًا منذ البداية ولا يحتاج صراعات سياسية ليكون، ولكن عمق الخلافات الأيديولوجية من مكونات الطبقة السياسية التونسية ظهر أكبر مما قرأنا في تاريخ الصراعات. هذه الصراعات انتهت إلى حكومة غير متجانسة سياسيًا ولم تضم خيرة كفاءات البلد من كل الأحزاب، فقد اعترض الجميع على الجميع بما سمح لشخصيات منسية بالعودة إلى المشهد ونيل وطرها من الحكم دون أن تشقى حتى بحملة انتخابية في حي صغير.

صراع الضرائر الأيديولوجية جاء بالفخفاخ الفاشل في الرئاسات وبحزبه الذي اندثر (التكتل) وبوزراء يوالون شخصه دون سند حزبي بما قلل من حظوظ الأحزاب التي خاضت الانتخابات وملكت سندًا برلمانيًا. لقد استولى غير المنتخبين على حقوق المنتخبين مستهينين بالصندوق الانتخابي ونتائجه على الأرض، وسلم المنتخبون في حقوق هي لهم بقوة الصندوق من أجل حرمان بعضهم البعض من مواقع قرار سياسي وحكومي، بما جعل الحكومة ضعيفة ومهددة في أي لحظة.

نستذكر هنا قصة الشاعرين المختصمين الذين وقفا يمدحان ملكًا ونبههما أن سيجازي الثاني بضعف الأول إذا لم يعجبه شعرهما فلما لم يرق له المدح قال الشاعر الأول للملك اطمس لي عينًا وكان يعرف أنه سيعود أعور ولكنه كان واثقًا أن خصمه سيعود أعمى.

كم ستصمد الحكومة؟
ليتها تدوم خمس سنوات وليتها تنجح في إخراج البلد من الورطة الاقتصادية الماثلة فوق رؤوس الناس لكن هل تملك أسباب الديمومة؟

إن عنصر التثبيت الحقيقي لهذه الحكومة هو ضغط خارجي بالأساس، فقد أثّر المانحون الدوليون في قرار التوافق باللحظة الأخيرة، وقد كنا نتابع خوف الطبقة السياسية من هذه الضغوط وخاصة بعد إيقاف صرف أقساط القروض الخارجية المنتظرة لتغطية مصاريف نصف السنة الجارية.

ولذلك لم يترك للسياسيين رفاه المزايدة بالانتخابات المبكرة ويبدو أن هذا الضغط الخارجي سيظل ماثلًا فوق رأس الحكومة فلا تنحل ونرى أن هذا أهم سبب في تشكيلها وسيكون أهم سبب في بقائها، فهي وإن تغنى السياسيون بخطاب السيادة الوطنية والاستقلال، فهي حكومة البنك الدولي التي ستحمل عار التشكل تحت ضغط غير سيادي أي غير شعبي وستنفذ برنامجه وليس لها أن تعود إلى عنتريات الخطاب الانتخابي.

كما يوجد عنصر وهن داخلي فعال هو أن الحكومة تركت كتلة برلمانية أكبر من الثلث المعطل خارجها، يتكون من حزب الائتلاف وحزب عبير موسي ومستقلين كثر وننتظر يوم المصادقة لنعرف كم سيصوت لها من حزب قلب تونس (القروي) فموقفه بقي ملتبسًا فلا هو مقبول في الحكومة ولا هو معارض فعلًا لوجودها.

وإلى ذلك نضيف أن جروح مرحلة التشكيل والطعنات التي تبادلها السياسيون ستظل تنزف من دم التوافق على الحدود الدنيا، فقد أثخنوا بعضهم رغم الابتسامات التليفزيونية ولا نراهم إلا مواصلين بصوت أقل حدة في المكاتب ولكن بغُلٍّ أشد، ويبقى في الساحة مشعلو الحرائق الذين لم يحظوا بأي تقدير سياسي من الشارع ولا في الحكومة وهم كثر وليس لديهم ما يخسرون إذا صبوا الزيت على نار الصراعات.

لن تصارع الحكومة على جبهة الفقر بل ستبذل جهدًا أكبر في تليين مواقف مكوناتها وإخفاء شقاقهم داخلها وهم يتصيدون أخطاء بعضهم وسيلعب الإعلام المعادي دورًا قذرًا في تخريب كل تقارب يحتاجه رئيسها ليصرف الجهد في سياق الإصلاح.

سنبحث عن بصيص أمل
رغم الوهن الداخلي والضغط الخارجي سننتظر أن يتقدم بطل محاربة الفساد لمواجهة كبيرة، فالسيد عبو وحزبه التيار بنى مجده السياسي على شعار محاربة الفساد وقد أوكل إليه ما أراد، فهو الآن في مواجهة مفتوحة. من أين سيبدأ وإلى أين قد يصل وهل يصدقنا القول في حربه المقدسة؟ بصيص الأمل في أن ينجح في مهامه ولا بأس أن يوسع شعبية حزبه بمكاسب حزبية من معركة وطنية، لكن اختبار صدقه وشجاعته هو أيضًا أمل فإما أن نقول له أحسنت أو أن نتخلص من خطاب سفيه.

الأمل أيضا أن نوايا ومخططات الإقصاء لم تنجح وإن عطلت المسار زمنًا مع حكومة الفخفاخ ستدخل تونس مرحلة تشارك مع الإسلاميين بالقوة لا بالرغبة، فلم يمكن تشكيل الحكومة دون المكون الإسلامي ولن تنجح الحكومة دون الاعتماد عليه في البرلمان. لقد حولت انتخابات 2019 الإسلاميين إلى جزء رئيسي من قاعدة الحكم وأقوى دليل على ذلك أن السيد الفخفاخ ظل يمسك ورقة الأسماء منتظرًا قرار حزب النهضة بمساندته أو معارضته، فلما سمع خبر الموافقة أعلن حكومته. ليس هذا انتقالًا إلى حالة من الديمقراطية الكاملة ولكن عجز الاستئصاليون فاستسلموا لثقل الحزب السياسي وخضعوا لشروط العمل معه تحت تهديد مبطن غالبًا وصريح أحيانًا.

ولن يمكن لهم استعادة مواقف التطهر السياسي على حسابه، إنها معركة موشكة على النهاية بعد أن عطلت مسار الثورة ومسار العمل السياسي دهرًا طويلًا وهذا في حد ذاته انتقال إلى مرحلة جديدة.

لدعم هذا الأمل الشحيح سنقول لقد خرجنا من عنق الزجاجة وسنمجد الصراع غير المسلح تحت سقف الدستور ونقول متعزين من حالة العرب بجوارنا نحن نترامى بالسديم المفتل كصويحبات إمرئ القيس فيما يتراشق أخوة لنا في الجوار بمضاد الطائرات، هل هي تعزية جيدة؟ ما من تعزية ولكنها بلاد الحد الأدنى بنخب لم تقل الشعر يومًا ولم تحلم بالمجد.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، إلياس فخفاخ، تشكيل الحكومة، إسقاط الحكومة، الثورة المضادة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 20-02-2020   المصدر: نون بوست

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د - عادل رضا، وائل بنجدو، تونسي، عراق المطيري، سفيان عبد الكافي، فتحي الزغل، رمضان حينوني، د - المنجي الكعبي، د - احمد عبدالحميد غراب، مجدى داود، إيمى الأشقر، د. صلاح عودة الله ، د.محمد فتحي عبد العال، علي الكاش، حسني إبراهيم عبد العظيم، مصطفي زهران، منجي باكير، حسن الطرابلسي، الناصر الرقيق، عصام كرم الطوخى ، عمر غازي، طلال قسومي، رافع القارصي، سوسن مسعود، د. نانسي أبو الفتوح، د.ليلى بيومي ، د - محمد عباس المصرى، منى محروس، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، يزيد بن الحسين، د. ضرغام عبد الله الدباغ، محمود طرشوبي، د- محمد رحال، أحمد النعيمي، الهادي المثلوثي، د - الضاوي خوالدية، حسن الحسن، سامر أبو رمان ، د. أحمد محمد سليمان، إياد محمود حسين ، أحمد الحباسي، أنس الشابي، د. محمد مورو ، د- هاني السباعي، مصطفى منيغ، عدنان المنصر، د - صالح المازقي، أحمد الغريب، محمود فاروق سيد شعبان، إسراء أبو رمان، حسن عثمان، د. عبد الآله المالكي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، محمد تاج الدين الطيبي، د- هاني ابوالفتوح، مراد قميزة، كمال حبيب، صفاء العربي، محمود سلطان، عبد الله زيدان، د. نهى قاطرجي ، أحمد بوادي، عبد الله الفقير، عبد الرزاق قيراط ، د - شاكر الحوكي ، د - مضاوي الرشيد، د- محمود علي عريقات، جمال عرفة، د. جعفر شيخ إدريس ، د - محمد سعد أبو العزم، د - غالب الفريجات، صلاح الحريري، د. كاظم عبد الحسين عباس ، حاتم الصولي، إيمان القدوسي، المولدي الفرجاني، فاطمة حافظ ، د. أحمد بشير، يحيي البوليني، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د - محمد بن موسى الشريف ، محمد العيادي، سعود السبعاني، كريم السليتي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، محرر "بوابتي"، د. عادل محمد عايش الأسطل، حميدة الطيلوش، سحر الصيدلي، محمود صافي ، صالح النعامي ، محمد اسعد بيوض التميمي، العادل السمعلي، سامح لطف الله، فهمي شراب، د - أبو يعرب المرزوقي، د. محمد عمارة ، أبو سمية، محمد أحمد عزوز، أحمد ملحم، رضا الدبّابي، رأفت صلاح الدين، د - مصطفى فهمي، محمد عمر غرس الله، خالد الجاف ، د. الشاهد البوشيخي، د - محمد بنيعيش، صفاء العراقي، محمد شمام ، فراس جعفر ابورمان، فتحي العابد، شيرين حامد فهمي ، أ.د. مصطفى رجب، كريم فارق، ماهر عدنان قنديل، د. مصطفى يوسف اللداوي، محمد إبراهيم مبروك، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، ابتسام سعد، رحاب اسعد بيوض التميمي، رشيد السيد أحمد، محمد الياسين، سلام الشماع، ياسين أحمد، عبد الغني مزوز، نادية سعد، سيد السباعي، حمدى شفيق ، بسمة منصور، خبَّاب بن مروان الحمد، فوزي مسعود ، أشرف إبراهيم حجاج، د. خالد الطراولي ، صلاح المختار، علي عبد العال، أحمد بن عبد المحسن العساف ، الشهيد سيد قطب، د. طارق عبد الحليم، عواطف منصور، فاطمة عبد الرءوف، محمد الطرابلسي، صباح الموسوي ، عزيز العرباوي، د- جابر قميحة، سيدة محمود محمد، معتز الجعبري، د. محمد يحيى ، الهيثم زعفان، رافد العزاوي، سلوى المغربي، د. الحسيني إسماعيل ، هناء سلامة، جاسم الرصيف، فتحـي قاره بيبـان،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة