تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

الحاجة إلى بناء سياسة خارجية استقلالية في تونس

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


سيكون لتونس رئيس جديد، ولكن هل ستكون للرئيس خطة سياسية جديدة، وخاصة في مجال العلاقات الخارجية؟ حتى اللحظة، والمترشحون يتوافدون على الهيئة الوطنية للانتخابات، لم نسمع خطابا جديدا، بل نسمع حديث المحافظة على الثوابت والانتماء إلى دبلوماسية بورقيبة القائمة على "صفر مشاكل" مع الجيران والأصدقاء، وهذا مؤشر سلبي لا يمكن الاطمئنان إليه، بل نقرأ من خلاله فقر المخيال السياسي وغياب الشجاعة السياسة في إعادة بناء العلاقات الخارجية للبلد على ضوء الحاجة إلى تحقيق استقلال كامل.

بورقيبة المتحذلق

الثوابت والمحددات البورقيبية سقطت بالتقادم، فوضع تونس في 2020 ليس وضعها سنة 1956، سنة إعلان الاستقلال عن فرنسا.

ربط بورقيبة (زعيم الاستقلال) البلد باتفاقيات تعاون مع البلد المحتل فرنسا بزعم الحاجة إلى خبرتها في بناء الإدارة الجديدة، فبنت فرنسا بواسطة لغتها وثقافتها وتقاليدها القانونية نخبة إدارية تونسية تعود لها في الصغيرة والكبيرة، فجاءت الدولة التونسية وإدارتها نسخة قاصرة من الإدارة الفرنسية. وكان لفرض اللغة الفرنسية في التعليم القانوني والاقتصادي الدور المركزي في هذا الاستنساخ الإداري.

هذه النخبة تعيش من هذا الدور، ولذلك تحرص على تأبيده وتخشى كل مطالب التغيير في اتجاه الاستقلال عن التفكير الإداري الفرنسي، رغم تبلور وعي عام وعالمي بأن نموذج التسيير الفرنسي ليس هو النموذج الأنجع، بل إن نخبة تونس تشاهد وتتابع تحول الإدارة الفرنسية إلى نموذج التسيير الأسكندنافي والأنجلو- سكسوني، بينما تعيد تصدير نموذجها المتهالك إلى بلدان مثل تونس؛ تماما كما تعيد تصدير الملابس القديمة ليلبسها فقراء المستعمرات.

العلاقات الدبلوماسية للبلد ومن خلفها العلاقات الاقتصادية؛ تدخل ضمن هذا المخيال المنسوخ. ففي الخمسينيات كانت البلدان الحديثة الاستقلال تبحث عن حام بين المعسكرين، فاختار بورقيبة أن يحتمي بفرنسا المحتلة.. سقط المعسكران وتغيرت الأحلاف الدولية، ولكن الدبلوماسية التونسية لم تغير مراجعها، وكلما طرح هذا الموضوع للجدال السياسي عاد البورقيبيون إلى حكمة الزعيم، وقالوا بالثوابت والصفر مشاكل، وبقية المعزوفة المذلة؛ من قبيل أن تونس بلد ضعيف اقتصاديا وفي حاجة إلى أوروبا، وبالتحديد إلى فرنسا، لحماية مصالحنا هناك.

في سياسة الصفر مشاكل لم تفلح تونس بربع خطوة في توحيد المغرب العربي، باعتبار الزعيم أحد أقطاب مؤتمر طنجة التوحيدي (1952). فلم تفكك موضوع الأزمة بين المغرب والجزائر بخصوص قضية الصحراء، وهرب بورقيبة أمام بومدين وتخلى عن جزء من التراب الوطني الغني بالنفط لكي لا يصطدم بالجزائر، وقضى ردحا من الزمن يهادن القذافي ويجتنب أذاه؛ حتى وصلت الجرأة بالقذافي إلى أن استقطب زوجة بورقيبة تتجسس عليه في غرفة نومه.

في اتفاقيات "كامب ديفيد" الذليلة، اكتفت الدبلوماسية التونسية بالفرح لنقل مقر الجامعة وتدبير وظائف مجزية في كواليسها لبعض الحاشية. ويمكن تعداد الأمثلة المشابهة من زمن بن علي الذي دخل مرحلة التطبيع بفتح سفارة له في تل أبيب.. والنتيجة حتى الآن دبلوماسية بلا لون ولا طعم ولا رائحة ولا شخصية ولا موقف. وكان الباجي علما في إعادة إنتاج هذه السياسة، فمد في أنفاسها خمس سنوات. وليس صدفة أن يكون وزير خارجيته هو سفير بن علي لدى الكيان الصهيوني.

التغيير ضرورة تاريخية

منذ 1956 تغير العالم، فقد سقطت قوى سياسية وصعدت أخرى، وتغيرت الأحلاف والقوى، وتغير الاقتصاد، لذلك فإن إعادة تتريب علاقات البلد الخارجية صار حتمية لا مناص منها. فكيف تكون وإلى أين تتجه؟

الثورة أجابت تقريبا على هذا المطلب بإعادة ملف الاستقلال والسيادة ومناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني إلى الطاولة، بعد طول تجاهل ومحاولات تطبيع سرية ومفضوحة. والمطلوب من الرئيس المنتخب أن يبدأ من حيث أمرت الثورة، ليقطع ويؤسس.

أول أركان الاستقلال هو أن فرنسا ليست بوابة العالم، وأنه يمكن الدخول في الاقتصاد العالمي من بوابات أخرى أكثر فائدة وأقل كلفة. ومطلوب من الرئيس الجديد أن لا يفكر في مصلحة فرنسا قبل مصلحة بلده، فليست الوكالات السياحية الفرنسية هي الوحيدة التي يمكن أن تجلب سياحا لنُزل تونس، وليست التقنية الفرنسية هي الوحيدة الموجودة في السوق في مختلف المجالات، فيكفي أن يتعلم التقني التونسي تهجئة اللافتات التعليمية بالإنجليزية ليجد أن هناك في العالم تقنيات أخرى ومنتجين آخرين أكثر تعاونا. وقد عرف الفلاح التونسي أن الشاحنة الهندية أكثر تحملا من الشاحنة الفرنسية، وأن معاصر الزيت التركية أفضل مردودا وأقل كلفة وأيسر في التسيير من المعصرة الفرنسية.. والأمثلة لا تحصى.

بثت فرنسا رهبة في نفوس النخبة التونسية بأنه إذا انقطع حبل الود مع فرنسا فتسقط السماء على رأس تونس. وهذا وهم يعيش منه البعض ويجد له فيه رزقا، ولكنه وهم ضيّع بلدا وضيّع شعبا وأذله، وفوت عليه كل فرص التطور والنمو المستقل. وهنا يمكن للرئيس أن يتدخل، ولكن هل نسمع حديثا في هذا المعنى؟

سِيَر المترشحين لا تشير إلى ذلك، بل إن خطاباتهم (وهي قليلة بعد) تؤكد الاستمرار. ولدى الجميع الرهبة من نقد البورقيبية، بل التنافس على تبنيها كما هي، رغم التغيير الحاصل من حول تونس.

في زيارة لزعيم حركة النهضة لفرنسا؛ صرح بأن اللغة الفرنسية لن تضار في تونس، بما يعني المشاركة في الحفاظ على وضع الهيمنة الثقافية (عبر اللغة) على الإدارة والتصرف. الرئيس المرزوقي بدأ حملته الانتخابية سنة 2014 بخطاب الاستقلال، ثم ركز فقط على مناصرة المقاومة الفلسطينية، مغفلا كل ما عداها، وخاصة إعادة ترتيب العلاقات مع أوروبا دون المرور بالبوابة الفرنسية، رغم أن كل أوروبا استقبلته كزعيم ثورة، مع خطاب في البرلمان الأوروبي بنخوة ثائر. وهاتان شخصيتان كان المعول عليهما في تحديد مستقبل البلد.

لسنا في موضع الأمر لأحد، ولكننا في موضع التذكير بأنه ما لم تتغير السياسات الخارجية التونسية في اتجاه تكريس السيادة والاستقلال عن فرنسا بالخصوص، بتجديد الأحلاف والوجهات الاقتصادية، فإن الوضع لن يظل فقط على ما هو عليه بل سينهار أكثر، فالعالم من حول تونس لا يتوقف عن التقدم، وليس لفرنسا أي تقدير في العالم الاقتصادي يجعل منها هذه القوة المخيفة.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، فرنسا، التبعية لفرنسا، الإستقلال، التحرر،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 21-08-2019   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
العادل السمعلي، محمد الياسين، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د. أحمد بشير، عصام كرم الطوخى ، د. الحسيني إسماعيل ، أحمد الغريب، إياد محمود حسين ، د. عبد الآله المالكي، طلال قسومي، سوسن مسعود، حسن الطرابلسي، فوزي مسعود ، عبد الله الفقير، الهادي المثلوثي، محمد الطرابلسي، د - محمد عباس المصرى، فهمي شراب، د - أبو يعرب المرزوقي، محمد العيادي، سحر الصيدلي، عواطف منصور، حسن الحسن، حسن عثمان، د - المنجي الكعبي، د. عادل محمد عايش الأسطل، د.محمد فتحي عبد العال، د- هاني ابوالفتوح، محمد إبراهيم مبروك، د. الشاهد البوشيخي، عراق المطيري، د. طارق عبد الحليم، حاتم الصولي، إسراء أبو رمان، سلام الشماع، نادية سعد، د - غالب الفريجات، فراس جعفر ابورمان، محمود فاروق سيد شعبان، رأفت صلاح الدين، د. صلاح عودة الله ، سلوى المغربي، منى محروس، سامر أبو رمان ، جمال عرفة، فاطمة عبد الرءوف، جاسم الرصيف، د. محمد مورو ، أحمد ملحم، رحاب اسعد بيوض التميمي، محمد تاج الدين الطيبي، أنس الشابي، د. نهى قاطرجي ، صفاء العراقي، صالح النعامي ، أشرف إبراهيم حجاج، د- محمود علي عريقات، الناصر الرقيق، د - مصطفى فهمي، سيدة محمود محمد، محمود صافي ، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، سفيان عبد الكافي، رافد العزاوي، محمد شمام ، د - محمد بن موسى الشريف ، عزيز العرباوي، د - شاكر الحوكي ، د. ضرغام عبد الله الدباغ، كريم فارق، د - احمد عبدالحميد غراب، سامح لطف الله، د - صالح المازقي، بسمة منصور، سيد السباعي، فتحـي قاره بيبـان، أحمد بوادي، رشيد السيد أحمد، ياسين أحمد، حميدة الطيلوش، د. محمد يحيى ، عدنان المنصر، محرر "بوابتي"، عمر غازي، رضا الدبّابي، د. كاظم عبد الحسين عباس ، محمد أحمد عزوز، فاطمة حافظ ، د- محمد رحال، صلاح المختار، الشهيد سيد قطب، أحمد بن عبد المحسن العساف ، سعود السبعاني، صفاء العربي، شيرين حامد فهمي ، كمال حبيب، د - محمد سعد أبو العزم، د.ليلى بيومي ، أحمد النعيمي، مجدى داود، أحمد الحباسي، حسني إبراهيم عبد العظيم، وائل بنجدو، د - محمد بنيعيش، صباح الموسوي ، إيمان القدوسي، مراد قميزة، عبد الله زيدان، خالد الجاف ، د. نانسي أبو الفتوح، أبو سمية، رمضان حينوني، تونسي، هناء سلامة، ماهر عدنان قنديل، فتحي الزغل، يزيد بن الحسين، د - الضاوي خوالدية، د. محمد عمارة ، د. جعفر شيخ إدريس ، يحيي البوليني، صلاح الحريري، علي عبد العال، مصطفى منيغ، محمد عمر غرس الله، د - عادل رضا، ابتسام سعد، مصطفي زهران، د. خالد الطراولي ، د- جابر قميحة، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، خبَّاب بن مروان الحمد، عبد الرزاق قيراط ، محمود سلطان، فتحي العابد، محمد اسعد بيوض التميمي، أ.د. مصطفى رجب، عبد الغني مزوز، الهيثم زعفان، كريم السليتي، د- هاني السباعي، د - مضاوي الرشيد، المولدي الفرجاني، معتز الجعبري، رافع القارصي، د. أحمد محمد سليمان، منجي باكير، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د. مصطفى يوسف اللداوي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، حمدى شفيق ، إيمى الأشقر، علي الكاش، محمود طرشوبي،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة