تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

تأملات في الفهم

كاتب المقال عبدالكريم بكار   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


مكافحة العماء و (اللاتكوّن) هو العمل الذي لا يكفّ بنو الإنسان عن ممارسته في كل زمان ومكان. وذلك لأن الحقيقة –أية حقيقة- ذات أغوار وأبعاد متتابعة. وكلما اكتشفنا غورًا أو بعدًا برز لنا غور آخر، يتطلب سبره وفهمه معرفة جديدة، تكون في العادة أبعد منالاً وأكثر خفاءً من المعرفة التي احتجناها لاكتشاف الغور السابق، وهكذا فإنه طالما غَمَرنا شعور عام بأن المعرفة أشبه بالمال، المعروض منها دائمًا أقل من المطلوب. نحن في حاجة إلى المزيد من العلم والمزيد من الخبرة من أجل أمرين جوهريين:

1- أن نتعرف على حقول الممارسة المتاحة، وأن نفتح حقولاً جديدة منها ملائمة لما هو متوفر من إمكاناتنا، وما نصبو إلى بلوغه من غايات وأهداف.

2- أن نكتشف السنن الربانية التي تحكم طبائع الأشياء والمنطق الذي يحكم تطورها. ومهمة هذا الكشف هو توفير الوقت والعناء الذي نتكبده نتيجة جهلنا بالممانعات الناشئة من صلابة الأشياء وتأبيها على التشكل الذي نريد. إن العقل بتكوينه الأساسي الفطري لا يستطيع إدراك تلك الممانعات من غير معرفة يمدّه بها المجتمع والواقع المعيش. ولا يستطيع المجتمع الحصول عليها من خلال التأمل المجرّد، وإنما عليه أن ينغمس في التجربة والممارسة أولاً، وبعد ذلك سيكون في إمكانه استخراج بعض الدلالات والمستخلصات حول الطرق المسدودة وحول العلاقات القائمة بين الأشياء، والتي تحكم الكثير من وجوه الانتفاع بها وإعادة تشكيلها، ويمكن أن نقول في هذا السياق: إن عقولنا ستظل متأزمة ومرتبكة وستظل تنتج الفروض الشكلية والبعيدة عن ملامسة المشكلات – ما لم نمتلك الروح العملية، ونحاول تضييق الهوة القائمة بين ما نقول وما نفعل. صحيح أن العقول هي التي ترسم الخطط النظرية؛ لكن إذا ما كانت الأيدي في أزمة وفي عطالة فإن العقل سيجد نفسه يتخبط حيث الافتقار الشديد إلى الأطر التي يعمل داخلها، والمعطيات التي يشتغل على أساسها، ولنضرب بعض الأمثلة على ما نقول:

أ- من غير الممكن في مؤسسة يسودها الظلم وهضم الحقوق جعل العاملين يعملون بحماسة وأريحية. إنهم سيبذلون الحدّ الأدنى من جهودهم بما يكفي لتأمين سير العمل عند حدوده الدنيا. ولكل قاعدة فيما نقول شذوذات لا تجرح صفاء هذه المقولات بمقدار توكيدها لها.

ب- من غير الممكن تكوين ضمير أخلاقي رادع في مجتمع يسوده الخروج على النظم المرعية على نحو سافر وواسع، القانون يولِّد ثقافة . والثقافة حين تتشكل تحمي القانون إلى حد عدم الحاجة إليه في الضبط الاجتماعي، أي تتحول الثقافة إلى قوة ضابطة تحل محل القانون.

ج- لا نستطيع قطع دابر الخلاف في أي قضية وقع بيننا خلاف في تعريفها، وإذا عرفنا أننا لا نستطيع تفادي (الانتقائية) في كل أو معظم التعريفات، عرفنا لماذا يصعب حسم النـزاع في الكثير من القضايا الإصلاحية والتربوية.

د- لا تستطيع أن تكون معتزًا بنفسك أو نسبك أو انتمائك إلى شيء بعينه دون أن تعرِّض نفسك لسوء الفهم والنظر إليك على أنك متعجرف ومتكبر. كما لا يستطيع الحليم أن يمنع الناس من تفسير حِلمه على أنه جبن وخَوَر.

هـ – لا تستطيع الوصول إلى حلول كاملة في وسط غير كامل، وإذا عرفنا أن المعروض من المعرفة ومن المال والأدوات والمتوفر من الظروف هو دائمًا دون ما هو مطلوب عرفنا أن حلولنا ستكون دائمًا ناقصة، وسيكون النصر النهائي شيئًا بعيد المنال.

و- كلما زادت الرقابة الاجتماعية على الأفراد ضعف لديهم الوازع الداخلي؛ وذلك لأن الشعور بالمسؤولية يتطلّب قدرًا من التفويض وقدرًا من الحرية. وهذا يعني أن التدقيق الشديد في حياة الأفراد يدفع بهم دفعًا إلى أن يكون لهم سلوكان، خيرهما الذي يظهر للناس.

ز- من العسير جدًا أن نستطيع توليد مشاعر جميلة في مكان تجتاحه الفوضى أو القذارة أو مكان ضيِّق، لا يستوعب الشاغلين له.

ح – في ظل الفساد الإداري، يمكن للاقتصاد أن يتقدم، ولكن إلى حدود، حيث إن النمو الجيد يتطلب دائمًا درجة عالية من الثقة والمصداقية. وهذا ما يصعب توفيره آنذاك. الفساد الإداري يدفع بالناس إلى القيام بموازنات وإجراء حسابات كثيرًا ما تفضي بهم إلى سحب أموالهم من الدورة الاقتصادية.

ط – الأنشطة السياسية والتربوية والتعليمية والدعوية والتجارية والإدارية، تتم في إطار (نظم مفتوحة) أي في بيئات تسمح بوجود تأثيرات أجنبية خارجة عن إرادتنا وسيطرتنا. ولهذا فإن التنبؤ بنتائج هذه الأنشطة يظل غير دقيق، وهذا على عكس الأنشطة التي تتم وفق نظم مغلقة.

ي- إذا كان الشيء ذا وسط متدرج لم نستطع أن نصدر عليه أحكامًا قاطعة، وكان علينا أن نقنع بالأحكام التقديرية والتقريبية، كما هو الشأن في (الصفات) والسبب في ذلك عدم قدرة النظام اللغوي على مواكبة التدرج الموجود في الأشياء. وهذا هو مصدر ارتباك العقل في التعامل معها.

ك- من الصعب اليوم أن يتعشق شعب المعرفة، ويبذل من أجلها، أو ينتج معارف متقدمة، وأكثريته تعمل في مهن بدائية وحرف يدوية.

ل – من كانت ملكة النقد لديه نامية أكثر مما ينبغي فإنه لا يستطيع أن يتفادى التعرض للجفاف الروحي.

م – الحرية قدرة على الاختيار. ولا اختيار من غير بدائل. وليس لشعب أن يدّعي أنه حرّ كريم والضرورات تحيط به من كل جانب.

ن – ما دامت قدراتنا –مهما عظمت- تظل محدودة فإن الكم في أعمالنا، لا يكون إلا على حساب الكيف. والتقدم الحضاري كثيرًا ما يتطلب تفوق الكيف لا الكم. إن هذه الممانعات تملي علينا المزيد من التبصر والفهم العميق للعلاقات التي تربط بين الأشياء. وإن فقه الأولويات الذي كثر كلامنا فيه لا ينمو على النحو المطلوب إلا إذا زادت حصيلتنا من هذه المفاهيم والمدركات.

س – الانخراط في العمل والاهتمام بالإنجاز واحترام الممارسة –كل ذلك مما يحسن رؤيتنا لما هو ممكن، وما هو في حيز المستحيل والعسير والبعيد. وإن تجاهل طبائع الأشياء والسنن الربانية في تطور الأمور يظل مكلفًا جدًا مع أن صلابة السنن الاجتماعية أقل من صلابة السنن الطبيعية. وإني أشعر أن فقه الطرق المسدودة ما زال لدينا يميل إلى الفجاجة والضآلة، وإن إنضاجه قد يكون شيئًا مهمًا لتقدم الوعي الدعوي والإصلاحي.

----------
تم تعديل العنوان الاصلي للمقال
محرر موقع بوابتي


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

الفكر، التأمل، الفهم، العقل، الواقع،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 1-01-2019   المصدر: إسلام أون لاين

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
فاطمة عبد الرءوف، د. عادل محمد عايش الأسطل، محمود طرشوبي، حاتم الصولي، د - أبو يعرب المرزوقي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د - محمد بن موسى الشريف ، حسني إبراهيم عبد العظيم، صباح الموسوي ، د- محمد رحال، طلال قسومي، د. نانسي أبو الفتوح، رحاب اسعد بيوض التميمي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، محمد اسعد بيوض التميمي، عبد الله زيدان، أحمد بن عبد المحسن العساف ، يحيي البوليني، د. أحمد بشير، د - محمد سعد أبو العزم، ماهر عدنان قنديل، أحمد ملحم، كريم السليتي، عمر غازي، أشرف إبراهيم حجاج، د - المنجي الكعبي، عبد الغني مزوز، د - مضاوي الرشيد، فراس جعفر ابورمان، تونسي، فوزي مسعود ، د. الشاهد البوشيخي، فهمي شراب، حسن الطرابلسي، محمد الطرابلسي، عراق المطيري، د - شاكر الحوكي ، فتحـي قاره بيبـان، بسمة منصور، أحمد بوادي، د- محمود علي عريقات، سامر أبو رمان ، سوسن مسعود، سلام الشماع، إيمى الأشقر، رأفت صلاح الدين، محمود سلطان، رشيد السيد أحمد، مصطفي زهران، رضا الدبّابي، كمال حبيب، محمد تاج الدين الطيبي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، محمود صافي ، عدنان المنصر، الناصر الرقيق، منى محروس، د. أحمد محمد سليمان، حسن الحسن، ابتسام سعد، د - محمد بنيعيش، مراد قميزة، حمدى شفيق ، المولدي الفرجاني، عبد الله الفقير، د. محمد عمارة ، العادل السمعلي، وائل بنجدو، أبو سمية، إيمان القدوسي، حسن عثمان، محمد شمام ، سحر الصيدلي، إسراء أبو رمان، مصطفى منيغ، د. الحسيني إسماعيل ، د - احمد عبدالحميد غراب، صلاح الحريري، صلاح المختار، د. صلاح عودة الله ، سامح لطف الله، د. جعفر شيخ إدريس ، عواطف منصور، د. خالد الطراولي ، الشهيد سيد قطب، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، صفاء العربي، د - غالب الفريجات، علي الكاش، هناء سلامة، د - الضاوي خوالدية، صالح النعامي ، د. كاظم عبد الحسين عباس ، محمد الياسين، أنس الشابي، جمال عرفة، شيرين حامد فهمي ، د. نهى قاطرجي ، علي عبد العال، سفيان عبد الكافي، أحمد الحباسي، د - مصطفى فهمي، كريم فارق، رافع القارصي، عبد الرزاق قيراط ، د- جابر قميحة، جاسم الرصيف، ياسين أحمد، أحمد الغريب، محمد أحمد عزوز، د. مصطفى يوسف اللداوي، الهادي المثلوثي، رافد العزاوي، محمود فاروق سيد شعبان، د. عبد الآله المالكي، الهيثم زعفان، إياد محمود حسين ، يزيد بن الحسين، عزيز العرباوي، عصام كرم الطوخى ، نادية سعد، سيدة محمود محمد، د - صالح المازقي، د. محمد مورو ، فتحي الزغل، د- هاني السباعي، فاطمة حافظ ، د - محمد عباس المصرى، محمد عمر غرس الله، سعود السبعاني، سيد السباعي، رمضان حينوني، سلوى المغربي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، محرر "بوابتي"، د.محمد فتحي عبد العال، أحمد النعيمي، د- هاني ابوالفتوح، د.ليلى بيومي ، محمد العيادي، د. محمد يحيى ، فتحي العابد، أ.د. مصطفى رجب، د . قذلة بنت محمد القحطاني، صفاء العراقي، منجي باكير، حميدة الطيلوش، خالد الجاف ، د. طارق عبد الحليم، معتز الجعبري، خبَّاب بن مروان الحمد، مجدى داود، محمد إبراهيم مبروك،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة