تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

التقدم على طريق الديمقراطية الصعب في تونس

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


خاضت تونس يوم 22 من نوفمبر/تشرين الثاني يومًا سياسيًا بامتياز، وصل فيه الخطاب السياسي إلى قمم حادة، لكن انفضت جموع المتظاهرين دون فوضى أو عراك دموي مما نعرف في بلدان عربية أخرى لا يسمح فيها لمعارض برفع صوته.

قال كثيرون إن ذلك علامة من علامات الديمقراطية وقال آخرون هو عجز الحكومة عن احتواء الشارع وقال آخرون هي حلقات تنفيس الاحتقان كي لا ينفجر، ولكن الحدث طرح أسئلة عن ميلاد الديمقراطية في بلد عانى طويلاً من الديكتاتورية الغاشمة.

ما حدث هو علامة على حياة سياسية نشطة تبني تقاليدها الخاصة ضمن مجالها الثقافي والتاريخي معتمدة على قواها الحية في أفق مفتوح نحو الديمقراطية.

إعادة تقويم النظام السياسي التونسي

في سنوات ما بين 2014-2018 حاول الرئيس الانحراف بالنظام السياسي التونسي المحدد بدستور 2014 نحو نظام رئاسي يوسع سلطات الرئيس على السلطة التنفيذية (الحكومة) بتقليص صلاحيات رئيس الحكومة، وكان من علامات ذلك إقصاء الحبيب الصيد الذي تمسك بصلاحيته، لكن يوسف الشاهد قاوم ما سلط عليه من مؤسسة الرئاسة واستمسك بصلاحيته الدستورية وفرض العودة إلى روح الدستور، وكان آخر خطاب له أمام البرلمان هو خطاب رئيس حكومة لا خطاب وزير أول، بما يعني أنه أعاد تقويم النظام السياسي واستعادة روح الدستور؛ وهو ما ألزم الرئيس بالوقوف عند حده.

لقد تم إنقاذ النظام السياسي من العودة إلى مرحلة ما قبل الثورة، ومكّن لمؤسسة البرلمان من التحرك بحرية أمام الرئيس، فدعمت الحكومة ورئيسها بأغلبية برلمانية مريحة تسمح بالاستمرار والتقدم نحو تكريس النظام الجديد كما حدده الدستور، لكن المعارك عن طبيعة النظام وتوجهاته لم تنته.

مظاهرة الإضراب العام تأتي في سياق الصراع على طبيعة الحكم

نزلت النقابة بثقلها يوم 22 من نوفمبر/تشرين الثاني تحت لافتات الزيادة في أجور الموظف العمومي المتردية وتدهور المقدرة الشرائية للموظفين، وهذا حق لكن أريد به غير ذلك.

هنا وجبت العودة إلى الخصومة السياسية القائمة بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة (قرطاج ضد القصبة)، لقد كانت آخر محاولة للرئيس لعزل رئيس الحكومة المتمرد عليه (وهو صنيعته بالأساس) هي وثيقة قرطاج 2 التي وضعت برنامج حكم ليبرالي من 64 نقطة كانت النقطة الـ64 منها هي عزل رئيس الحكومة واستبداله بشخص ثانٍ يختاره الرئيس ويكون صنيعته الطيعة.

وقف حزب النهضة (شريك الحكم) ضد النقطة الـ64 وتمسك بالاستقرار الحكومي حتى إنجاز انتخابات تغير المشهد البرلماني وبالتالي بنيان الحكومة لما بعد 2019، فخسر الرئيس وبقي رئيس الحكومة، وكانت النقابة قد وافقت بصفتها شريك حكم غير برلماني على النقاط الـ63 كاملة بصيغتها الليبرالية وووقفت مع الرئيس في نقطة استبدال رئيس الحكومة، فلم يكن لديها خطاب السيادة الوطنية في مواجهة مؤسسات الإقراض الدولي (كريستين لاقارد)، فلما خسر الرئيس وجدت النقابة نفسها في صف الخاسرين فاستعادت خطاب السيادة والدفاع عن المفقرين في مواجهة البنك الدولي.

هنا مفتاح فهم ما حصل يوم 22 من نوفمبر/تشرين الثاني؛ لذلك رفع شعار الشعب يريد إسقاط الحكومة، وزيد عليه شعارات معادية لحزب النهضة ورئيسها الغنوشي، بما نقل موضوع المظاهرة من النقابي الاجتماعي إلى السياسي المباشر، وظهرت يد الرئيس الخفية في تحريك الشارع بواسطة النقابة اليسارية المعادية للنهضة.

لم يسلّم الرئيس لرئيس الحكومة بعد، وما زال يناور لإسقاطه بالشارع وفرض خياره التوريثي، لكن الشارع كان أقل حماسًا لذلك، فقد حضر الجمع بشعارات اجتماعية ورفض الانخراط في معركة الرئيس واليسار (عصا الرئيس) ضد النهضة، بما كرس المطلب الاجتماعي وإن على استحياء في مواجهة الأجندة الرئاسية، وهو ما جعل المظاهرة تنتهي بسلام فلا أحد كان يريد صدامًا بين أنصار الحكومة وأنصار الرئيس لأنها معركة لا تعني جمهور الموظفين كثيرًا.

تفويت الشارع للصدام السياسي ثبت الحكومة في مواجهة الرئاسة وكرس سلامة النظام السياسي الجديد الذي يقدم التفاوض الاجتماعي على الصراع السياسي، وتلك خطوة أخرى كبيرة في اتجاه تثبيت الدستور بحكومة 2019.

النقابة ضيعت بوصلتها

بات من المؤكد أن النقابة ليست نقابة وإن حاولت التستر بخطاب اجتماعي، لقد حمل الشق اليساري من النقابة كل النضال النقابي المشروع إلى أجندة سياسية فانخرطت النقابة في الصراع السياسي، فلم تعد النقابة معنية بتحسين شروط المعيشة لمنخرطيها بقدر انخراطها في الحرب الأيديولوجية بين فصائل اليسار التونسي وحزب النهضة، فاليسار انحاز إلى أجندة الرئيس رغم علمه بروحها التوريثية لأن النهضة وقفت ضد ذلك ودافعت عن الاستقرار الحكومي في مواجهة نزوات التوريث.

في هذه اللحظة يجد كثير من التونسيين أن النقابة تعمل كحزب سياسي وقد كرس ذلك خطيب المنظمة في الاجتماع (الأمين العام) إذ أعلن المشاركة في المواعيد الانتخابية (ترشيحًا وانتخابًا)، معولاً على تماسك القاعدة المنخرطة في النقابة، ولكنه تناسى أو تجاهل أن المنخرطين هم أولاً أنصار أحزاب قبل أن يكونوا تابعًا للنقابة.

تسييس النقابة أفقد التحرك زخمه وأفقد النقابة موقعها كطرف اجتماعي فوق سياسي معني أولاً بمفاوضة الحكومة على الاجتماعي قبل السياسي، وجعل الصراع الخفي الكامن يظهر على السطح، وهو ما كان يعول عليه رئيس الحكومة وحزامها السياسي (النهضة بالتحديد) لكي لا يولي اهتمامًا كبيرًا للتحرك، إذ لا يمكن الرد على تحرك سياسي بتوافقات نقابية، وهنا خسرت النقابة وربحت الحكومة وقتًا وجهدًا سيدفع النقابة إلى ابتكار حيل احتجاجية أخرى، فلا يبدو أن جرابها يحتوي أكثر من الإضراب العام في أكثر القطاعات السياسية ثقلاً بشريًا (الوظيفة العمومية)، لقد خسر الرئيس النقابة أيضًا.

آخر المعارك القذرة

نهاية الاستقطاب الأيديولوجي تلوح في الأفق والتحالفات الانتخابية غير الأيديولوجية تتبلور، والباقون في حرب السبعينيات يخسرون، هذه أهم نتيجة لتحرك يوم 22 من نوفمبر، فالضغينة التي يحملها الرئيس ضد رئيس حزب النهضة تدفعه إلى أفعال غير ديمقراطية مثل استقبال ولي عهد السعودية نكاية في النهضة، فيوم 27 من نوفمبر/تشرين الثاني يمكن أن يحل ولي العهد المتورط في دم خاشقجي في تونس وحرب اليمن والتطبيع مع الكيان الصهيوني، لا محبة في تونس ونظامها السياسي الديمقراطي وليد الربيع العربي الذي يعاديه ولي العهد، ولكن تلميعًا لصورته الملوثة بالدم، والرئيس يجدها فرصة للنكاية رغم أنه لن يربح من الزيارة إلا تلويث سمعته بمصافحة قاتل، النكاية ليست من عمل السياسة بل هي كيد ضرائر يلحق ضررًا بالرئيس المؤتمن على الدستور وسمعة التجربة الديمقراطية التي أقسم على صيانتها وتطويرها.

رغم ذلك لا يمكن تجاهل تقدم التجربة الديمقراطية، فالصراعات تجري في العلن والمواقف تتخذ بوضوح، والجمهور الواسع يتابع كل التفاصيل بنباهة وحرص، لذلك فإننا بعد 22 من نوفمبر في تونس أقرب إلى الاستقرار الحكومي وأقرب إلى انتخابات تكرس الفرز بين الديمقراطية وأعدائها وإن كان يجب ملازمة الحذر في التفاؤل لأن التجربة هشة بعد ويمكن كسرها رغم الصبر والأناة.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الإتحاد التونسي للشغل، النقابات العمالية بتونس، النقابة، الإضرابات،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 24-11-2018   المصدر: موقع ميم

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
حاتم الصولي، أ.د. مصطفى رجب، فوزي مسعود ، محمد شمام ، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، أحمد بن عبد المحسن العساف ، سلام الشماع، د. محمد مورو ، د. صلاح عودة الله ، د - الضاوي خوالدية، د - شاكر الحوكي ، محمد إبراهيم مبروك، يحيي البوليني، طلال قسومي، محمد الطرابلسي، صفاء العربي، عدنان المنصر، فتحي العابد، إيمان القدوسي، د - محمد بن موسى الشريف ، حسني إبراهيم عبد العظيم، د- هاني ابوالفتوح، حمدى شفيق ، عزيز العرباوي، د. الحسيني إسماعيل ، هناء سلامة، د - أبو يعرب المرزوقي، سيد السباعي، رافد العزاوي، محمد الياسين، فهمي شراب، جمال عرفة، د. طارق عبد الحليم، د - محمد بنيعيش، حسن الطرابلسي، محرر "بوابتي"، د. محمد يحيى ، د. جعفر شيخ إدريس ، أحمد الحباسي، منى محروس، د.محمد فتحي عبد العال، كريم فارق، مصطفي زهران، عبد الله زيدان، جاسم الرصيف، رافع القارصي، الهادي المثلوثي، محمود طرشوبي، د- محمود علي عريقات، نادية سعد، رمضان حينوني، فتحـي قاره بيبـان، محمد عمر غرس الله، د. عبد الآله المالكي، الشهيد سيد قطب، حميدة الطيلوش، عبد الله الفقير، د- هاني السباعي، إسراء أبو رمان، أشرف إبراهيم حجاج، محمد اسعد بيوض التميمي، العادل السمعلي، د- جابر قميحة، سامر أبو رمان ، د. مصطفى يوسف اللداوي، منجي باكير، أحمد ملحم، عبد الغني مزوز، سوسن مسعود، خبَّاب بن مروان الحمد، وائل بنجدو، يزيد بن الحسين، د - محمد عباس المصرى، فراس جعفر ابورمان، محمد العيادي، المولدي الفرجاني، مراد قميزة، حسن عثمان، د. أحمد محمد سليمان، عمر غازي، صلاح الحريري، كمال حبيب، سامح لطف الله، تونسي، د. عادل محمد عايش الأسطل، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، سعود السبعاني، عبد الرزاق قيراط ، أحمد الغريب، د - محمد سعد أبو العزم، صالح النعامي ، د - غالب الفريجات، د - مصطفى فهمي، صباح الموسوي ، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، حسن الحسن، ياسين أحمد، محمد أحمد عزوز، خالد الجاف ، عصام كرم الطوخى ، محمد تاج الدين الطيبي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، محمود فاروق سيد شعبان، بسمة منصور، صفاء العراقي، رأفت صلاح الدين، د. نانسي أبو الفتوح، د. الشاهد البوشيخي، معتز الجعبري، أنس الشابي، كريم السليتي، محمود سلطان، د. محمد عمارة ، علي عبد العال، سفيان عبد الكافي، رضا الدبّابي، شيرين حامد فهمي ، أحمد النعيمي، سحر الصيدلي، رحاب اسعد بيوض التميمي، د - احمد عبدالحميد غراب، عراق المطيري، الهيثم زعفان، ابتسام سعد، د- محمد رحال، فتحي الزغل، محمود صافي ، ماهر عدنان قنديل، د. أحمد بشير، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د - المنجي الكعبي، علي الكاش، فاطمة حافظ ، فاطمة عبد الرءوف، أحمد بوادي، د - مضاوي الرشيد، إياد محمود حسين ، مجدى داود، د. نهى قاطرجي ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، رشيد السيد أحمد، د. خالد الطراولي ، أبو سمية، د - صالح المازقي، د.ليلى بيومي ، سيدة محمود محمد، سلوى المغربي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، عواطف منصور، الناصر الرقيق، إيمى الأشقر، مصطفى منيغ، صلاح المختار،
أحدث الردود
انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة