تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

تونس: النظام القديم يغير ملابسه

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


في حديث القبرة والصياد قالت له حكمتها الأبلغ "لا تظنن ما لا يكون أنه يكون"، نتذكر حكمة القبرة ونحن نتابع الانتقالات الخريفية أو المركاتو السياسي في برلمان تونس وحوله، نعيد اكتشاف طبيعة مكونات المتاجرين بمناصبهم وخلفياتهم لنقول إن تطور العقل السياسي والأخلاقي لمكونات المنظومة القديمة وممارستها هو ضرب من المستحيل، القبرة علمتنا.

عملية الانتقال التي نتابعها هي لعبة مراهنين يغيرون فرس رهانهم في اللحظة الأخيرة ليبقوا في مجال تحصيل المنفعة بالسياسة، أما مصلحة البلد وحاجته إلى تطوير مؤسساته السياسية المدنية منها والحكمية فمسألة لا تأتي ضمن شواغل مكونات هذه المنظومة منذ تأسست، وما هذه الحركة إلا تغيير جلد أو تغيير ملابس للخروج لحفل جديد من توزيع الغنائم.

الهروب من حضن الرئيس

أريد أن أستعير صورة العصافير التي فتح قفصها فطارت لأقارن خروج نواب النداء من النداء إلى كتلة الائتلاف الوطني الموالية للشاهد، لكنني أجد الصورة غير مطابقة للواقع، لذلك تفرض صورة أخرى نفسها هي صورة الدجاج وقد فتح قنه فانتشر، فلم يتحرر النواب إلى أفق سياسي أرحب وإلى ممارسة سياسية مختلفة بل نقلوا ثقلهم القانوني (كنواب) إلى بيت الشاهد، وقد تيقنوا أن بيت الباجي لم يعد فيه ما يكفي من الغذاء ولكل شيء ثمن.

حركة الانتقالات النيابية لم تحكمها أفكار سياسية، فالشاهد لم يقدم أفكارًا جديدةً في مجال من مجالات الحكم وهو يناور للبقاء، ولم يعرف عنه أفق تفكير سياسي ينتج أطروحات حكم، رجل جاء بالصدفة أو بتقدير غير مدروس وجوهر فعله السياسي (حتى الآن على الأقل) لا يختلف في شيء عن سياسات ما قبل الثورة؛ لذلك فمناصرته لا تتم لفكره أو لبرنامجه بل لأنه مسك خيوط قوة تمكنه من العطاء على قاعدة سياسة بن علي (العطاء على قدر الولاء) وهنا نجد طبيعة الانتقالات إلى صفه وهنا نجد طبيعة منظومة الحكم القديمة.

لقد قرأت مكونات المنظومة والمشهد ووجدت أن الرئيس انتهى كملاذ ومغنم، وهي قراءة صحيحة، لكن عوض تقديم نقد ذاتي والخروج إلى فكرة جديدة بروح مختلفة انتقلوا بمثل حالتهم إلى ملاذ جديد ومغنم جديد.

الرئيس أنهى عهدته قبل الأوان

في حديث الرئيس الباجي الأخير حمّل شريكه في الحكم مسؤولية إنهاء التوافق السياسي الذي حكم بعد انتخابات 2014، وكرر أن الغنوشي نفض يده من الرئيس ومن العمل معه، وكان حرصه على الأمر بمثابة أمر سري لتوجيه الاهتمام بعيدًا عن السبب الحقيقي لنهاية هذا التوافق الذي قبله التونسيون كدواء مر في أزمة صحية، فقد أراد الرئيس صرف نظرنا إلى الجهة الخطأ لكي نغفل أو لا نهتم بمناورته الكبيرة من أجل تمهيد السلطة لولده من بعده.

لم يعد الأمر خافيًا على أحد وأول المنتبهين هم مكونات حزبه (النداء)، فهذه المناورة لم تفكك حزب النداء فحسب بل عزلت الرئيس وأنهت عهدته السياسية قبل أوانها، لقد نطق فيما يشبه اعتراف اليائس أن مستقبله قد صار وراءه وهي عبارة تقتضي أن لا يفكر في ترشيح نفسه أو لعلها العبارة الكاشفة لما روج من أنه تلقى أوامر خارجية بعدم ترشيح نفسه، إن الخدمة الوحيدة المتبقية له الآن هي حماية تونس من انتخابات رئاسية سابقة لأوانها لا يبدو أن أحدًا قد استعد لها، فمن هم خارج حزبه أدركوا ذلك فكيف بمن هو داخل الحزب يتابع مناورات الرئيس وابنه.

أفق المركاتو؟

"تطوير العمل السياسي في أفق انتخابات 2019" هذه جملة قيلت مرات كثيرة في تبرير الانتقالات وهي من حديث القبرة فلا معجزة في الأفق ولكن خلف وجوه النواب السياح وجب أن نرى الجهات/القوى الاقتصادية التي بدأت تغير ولاءاتها نحو الشاهد بدءًا من النواب الأغنياء إلى مؤسسات اقتصادية لا يتكلم مسؤولوها كثيرًا ولكنهم يعرفون أين يخفون بيضهم.

غني عن القول إن النواب ليسوا إلا وجهًا خارجيًا، وإن كان ثقلهم القانوني الآن يزن كثيرًا، فهم ضمانة بقاء الشاهد، إلا أن المنظومة ليست النواب بل هي شبكة علاقات اقتصادية ومالية وارتباطات خارجية خاصة مع الاقتصاد الفرنسي، فهذه المنظومة عرفت كيف تكمن في شهور الثورة الأولى (أيام السفساري) ثم عادت بكل ثقلها مع حزب النداء، فبمجرد أن أطلق الباجي الفكرة وجد عنده حزبًا يغطي كامل تراب البلاد وكتلة نيابية في المجلس التأسيسي.

الآن تشاهد المنظومة الرئيس في حالة ضعفه فتقرأ نهاية دوره فتنقل أثاثها إلى بيت الشاهد، كم يزن الشاهد عندها؟ سيزن بقدر ما يحافظ على أموالها وعلاقاتها وشبكة منافعها الداخلية والخارجية بما في ذلك بل في مقدمة ذلك قنوات الفساد المالي التي تدر عليها أكثر مما يدر عليها وجهها الاقتصادي الرسمي (الشكلي).

قد يطلب الشاهد الكثير فهو الآن في موقع قوة، فالمنظومة لم تنتج رؤوسًا موازية لرأسه يمكن أن تناطحه، ولم تعدد المنظومة الرؤوس والاحتمالات، لذلك ستعطي الشاهد الكثير مما لديها وستكون ترجمة ذلك إعادة بناء المنظومة بقوة المال، عملية ترميم وتجميل مكلفة جدًا لأن بديلها مخيف.

هل يكفي المال لبناء حزب حكم؟ في الحالة التونسية الأمر ممكن جدًا، فقد حكم المال دون أفكار دومًا وتاريخ الحزب الحاكم هو تاريخ حزب بلا أفكار ولا أطروحات، ورغم ما حدث من تعدد حزبي بعد الثورة فإن أسلوب الحكم ظل أقرب إلى التطبيب منه إلى الطب مع شحنات وطنية مزيفة في الإذاعة.

لن يكون الشاهد محتاجًا إلى أفكار كبرى، فربما سيردد مثل سلفه المهدي جمعة (دعونا من القضايا الكبرى)، بل سيكون محتاجًا إلى إسناد مالي داخلي وخارجي أما طبيعة الحكم فستظل واحدة؛ لذلك عنوننا الورقة بأن المنظومة تغير ملابسها أما جسدها فواحد.

بالمال سيجد الشاهد دومًا يسارًا بلا برنامج يتكفل بخوض الحروب الإيديولوجية من أجله، بينما تنشغل دعامته الاقتصادية بتمتين بنيانها، وسنختبر هذا الاحتمال عند مفصل محدد هو مفصل الإضراب العام المعلن قريبًا، فالنقابة ركن أساسي من أركان هذه المنظومة وهي تدرك نهاية الرئيس وابنه ولذلك ستأخذ حصتها في المركاتو تحت التهديد بالإضراب العام.

أين معارضة المنظومة؟ إنها تستعد لتنظيم مراثي الديمقراطية، فالبكاء تعويض جيد عن حالة الخوف الذي يتلبس معارضة فهمت حديث القبرة على أن وصولها للحكم لا يكون أبدًا.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، المنظومة القديمة، الثورة المضادة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 29-09-2018   المصدر: نون بوست

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
فاطمة حافظ ، عدنان المنصر، سامر أبو رمان ، نادية سعد، سلوى المغربي، محمد الطرابلسي، تونسي، محمود فاروق سيد شعبان، صباح الموسوي ، عبد الله زيدان، حسن الطرابلسي، صلاح الحريري، علي عبد العال، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، محمد العيادي، الهادي المثلوثي، عبد الغني مزوز، د. محمد مورو ، أحمد بوادي، طلال قسومي، بسمة منصور، ابتسام سعد، المولدي الفرجاني، مصطفى منيغ، كمال حبيب، د- محمد رحال، رضا الدبّابي، فتحـي قاره بيبـان، محمد أحمد عزوز، رشيد السيد أحمد، إيمان القدوسي، إسراء أبو رمان، حسن عثمان، أحمد النعيمي، كريم فارق، د.ليلى بيومي ، محمد شمام ، شيرين حامد فهمي ، د. مصطفى يوسف اللداوي، مجدى داود، د - محمد بن موسى الشريف ، د - شاكر الحوكي ، د. أحمد بشير، معتز الجعبري، محمود سلطان، رافد العزاوي، سلام الشماع، العادل السمعلي، د. نهى قاطرجي ، د. محمد يحيى ، عصام كرم الطوخى ، عمر غازي، محمد عمر غرس الله، فتحي العابد، د. خالد الطراولي ، إياد محمود حسين ، رحاب اسعد بيوض التميمي، صالح النعامي ، د. الشاهد البوشيخي، منى محروس، فوزي مسعود ، أحمد الحباسي، محمود طرشوبي، صفاء العراقي، مصطفي زهران، أنس الشابي، صلاح المختار، د. طارق عبد الحليم، محمد الياسين، خبَّاب بن مروان الحمد، عراق المطيري، د. أحمد محمد سليمان، د - مضاوي الرشيد، أحمد ملحم، عواطف منصور، د - أبو يعرب المرزوقي، ماهر عدنان قنديل، أشرف إبراهيم حجاج، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، حسني إبراهيم عبد العظيم، محمد إبراهيم مبروك، سيد السباعي، حمدى شفيق ، د- جابر قميحة، يحيي البوليني، د. جعفر شيخ إدريس ، د- هاني السباعي، علي الكاش، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، مراد قميزة، د. عادل محمد عايش الأسطل، عبد الله الفقير، الهيثم زعفان، فاطمة عبد الرءوف، عبد الرزاق قيراط ، محمود صافي ، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، سحر الصيدلي، الشهيد سيد قطب، وائل بنجدو، د - مصطفى فهمي، د - غالب الفريجات، صفاء العربي، د - محمد بنيعيش، د. عبد الآله المالكي، فتحي الزغل، محمد تاج الدين الطيبي، د. نانسي أبو الفتوح، خالد الجاف ، أحمد بن عبد المحسن العساف ، فراس جعفر ابورمان، فهمي شراب، حاتم الصولي، سوسن مسعود، سفيان عبد الكافي، أبو سمية، حميدة الطيلوش، د - المنجي الكعبي، د - الضاوي خوالدية، د. ضرغام عبد الله الدباغ، أحمد الغريب، د- محمود علي عريقات، عزيز العرباوي، محرر "بوابتي"، الناصر الرقيق، سيدة محمود محمد، د. محمد عمارة ، د - محمد سعد أبو العزم، ياسين أحمد، كريم السليتي، هناء سلامة، جمال عرفة، حسن الحسن، د. صلاح عودة الله ، سعود السبعاني، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د - صالح المازقي، رمضان حينوني، د.محمد فتحي عبد العال، يزيد بن الحسين، د- هاني ابوالفتوح، أ.د. مصطفى رجب، د - محمد عباس المصرى، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د. الحسيني إسماعيل ، محمد اسعد بيوض التميمي، رأفت صلاح الدين، د - احمد عبدالحميد غراب، رافع القارصي، إيمى الأشقر، جاسم الرصيف، سامح لطف الله، منجي باكير،
أحدث الردود
انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة