تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

الشيخ الطاهر الحداد والتضليل الحداثوي

كاتب المقال لطفي الحيدوري - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


كان المشهد فلكلوريا في أحد أيام شهر ماي 2012، عندما تجمعت نسوة حول قبر الطاهر الحداد في مقبرة الجلاز، الدافع على احتضان القبر كان الخوف على صاحبه وما يحمله من رمزية بالنسبة إليهنّ، وبينهنّ كانت قاضية معروفة وجامعيات سارعن إلى المكان بعد نشر خبر عن وجود طلاء أسود طمس الجملة التأبينية المكتوبة على القبر، رغم أنّه لم يثبت القصد الإجرامي في الحادثة خاصة أنّ اسم الطاهر الحداد ظلّ منقوشا دون تشويه.

تبعث هذه القصة على السخرية، فغير بعيد عن لفيف “الحداثيات” بزينتهنّ ولباسهنّ الأنيق توقد العجائز الشموع وتشعلن المباخر تحت قباب “أولياء الله الصالحين” المنتشرين في هضبة الجلاز حتى مقام “سيدي بلحسن الشاذلي” المطلّ على مدينة تونس..

كان وهْم المخلّص هو الجامع بين الفئتين، لكن الفرق بينهما صادم، إذ الفئة التقليدية التي تحتمي بالوليّ تعتبره مشتركا يمكن أن يستظلّ به الجميع، أمّا المنتسبات إلى الحداثة فتدّعين ملكية الطاهر الحداد وتجعلنه،بعنف لفظيّ أحيانا، رمز تمايزهنّ عن تيارات فكرية أخرى، وذلك ضمن قراءة مقدسة لبعض نصوصه، يبدو أنّها فرضت على التونسيين وأصبحت حاجزا متكلسا أمام النفاذ إلى آرائه.

فكيف لعلمانيين أن ينتسبوا إلى شيخ زيتونيّ؟
أليس ذلك نوعا من التحيّل والتضليل الفكريّين؟ يكفي لفهم هذه التناقض أن تتابع ردود الفعل المستنكرة العنيفة عندما تسوق رأيا مغايرا

مفاده أنّ الحداد شيخ إصلاحي لم يتخفّف من الإرث الفقهي التقليدي وأنّ ما ورد في كتابه مبثوث في كتابات الزيتونيين المحسوبين على التقليد، بل إنّ أجوبة 6 من أبرز علماء الزيتونة (عبد العزيز جعيط ومحمد الطاهر ابن عاشور وبلحسن النجار والحطاب بوشناق وأحمد بيرم وعثمان بلخوجة) عن 12 سؤالا وضعها الحداد في قسم “آراء لعلمائنا في المرأة والزواج” في كتابه “المرأة في الشريعة والمجتمع” تلتقي في معظمها مع رؤيته لإصلاح وضع المرأة التونسية.

لقد طمست هذه الحقيقة في ظلّ الحملة التي أثيرت ضدّ الكتاب والتي يؤكّد عدد من الباحثين في الفكر الإصلاحي مثل الدكتور جمال الدين الدراويل أنّها كانت تعكس “انتفاض المؤسسة الدينية التقليدية ضدّ تجاسر أحد خرّيجيها من المتطوّعين “الآفاقيّين” على إبداء رأيه في مسائل كان الناموس السائد يقضي بأنّ العلماء الرسميين وحدهم أصحاب الحق في التصدّي لها”.

والطاهر الحداد نفسه كان واعيا بذلك وعبّر عنه في رسالة إلى المقيم العام قال فيها: “لا يمكن أن اعتقد أنّ عائلات ورثت مقاعدها في المجلس الشرعي ونظارة جامع الزيتونة في استطاعتها إدخال وإخراج من تشاء من الإسلام”.

لقد نجح التحيّل والتضليل الفكريان، اللذين مارستهما نخبة دولة الاستقلال ممّن يدّعون أنّهم أبناء بورقيبة، في أن يأسر طائفة كبيرة من\ الإسلاميين الذين يدّعون أنّهم امتداد للحركة الإصلاحية في كمّاشة الصراع الذي دارت رحاه أوائل الثلاثينات حول كتاب الطاهر الحداد.

ذلك أنّه من الصعب أن تجد كتاب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” ضمن الأدبيات التكوينية للإسلاميين، بل إنّ تزييف موضوع الحجاب، كان كفيلا بالدفع إلى الإعراض عن قراءة الكتاب الذي يكفي تصفحه ليتضح أنّ المقصود بالحجاب أمران: المكث بالمنزل ووضع النقاب على الوجه. وأمّا السفور فهو سفور الوجه.

ويتبيّن أيضا أنّ الحداد داعية إلى الفضيلة ومكافح للانحلال والبدع وكان معاديا للتصوّف (أسّس في العشرينات من القرن الماضي جمعية مقاومة البدع والإسراف)، ومتمسّك بدينه حدّ اعتباره رديفا للجنسية ولذلك وصف سنة 1923 التونسي المتجنس اختيارا بأي جنسية أخرى بالمرتدّ والكافر. كما يعتقد الحدّاد أنّ الإسلام جاء ليؤسس دولة فهو القائل إنّ “الإسلام هو دستور العمل النافع.. بل إنّه أراد أن يكون نافذا في يومه وفاعلا أثره في النفوس والدولة التي يؤسسها”.

وتتعدّد أفكار الشيخ الطاهر الحداد التي تنتاب قارئها الدهشة عندما يستمع إلى بعض جامعيينا و”مفكرينا” يتحدثون عن علمانية الحداد طورا وشيوعيته طورا آخر، وهو ما به يصحّ القول إنّ الحداد تعرّض، إضافة إلى عمل منهجي فكري تضليلي، إلى عملية اختطاف تستوجب جهدا جماعيا، عسيرا، لإعادته إلى سياقه.

وقد بدأت اليقظة بين الإسلاميين تنتشر في هذا السياق، ولعلّ من الإشارات الرمزية على ذلك الصورة التي تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي لاحتفال بعيد العمال في مدينة بنزرت في ماي 2015 بإشراف راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة عندما ظهرت خلفه على المنصة معلّقة التظاهرة تتوسّطها صور كبيرة لمحمد علي الحامي والطاهر الحداد وفرحات حشاد.

وكتب المفكر الإسلامي المغربي أحمد الريسوني مقالا بعنوان “الـحِداد على امرأة الـحدّاد”؟ متحدثا عن المخاوف على أفول نموذج المرأة التي نظّر لها الطاهر الحداد.

إنّ استعادة الرموز تقتضي أيضا كشف التناقضات، فكيف نتحدث مثلا عن الحبيب بورقيبة بوصفه محرر المرأة، ولا نذكر أنّه لم يساند الطاهر الحداد في محنته سنة 1930، بعد صدور كتابه، وتعمد مسايرة الموجة الشعبية والدفاع عن الحجاب في نفس الفترة التي اتهم فيها الحداد بالتهجم على رموز الإسلام؟

وتتواتر تناقضات الحداثيين المفتخرين بـ”الأب” بورقيبة رغم أنّ المجلس القومي التأسيسي الذي أفرز دستور الجمهورية الأولى برئاسته لم يُسمح للمرأة بالتصويت في انتخابات أعضائه، فالفصل الثاني من الأمر المؤرخ في 6 جانفي 1956 المتعلق بتحديد نظام انتخاب المجلس القومي التأسيسي يعتبر ناخبين “التونسيون الذكور البالغ عمرهم 21 عاما والمقيمون بالتراب التونسي..”، فلم تكن أي امرأة من رائدات الحركة النسائية الوطنية إلى جانب بورقيبة “محرر المرأة” في المجلس القومي التأسيسي، لا راضية الحداد ولا بشيرة بن مراد ولا شاذلية بوزقرو ولا توحيدة بن الشيخ ولا سعاد الختاش وغيرهنّ..

يوم 13 أوت من كل عام، يجري الاحتفال بذكرى صدور مجلة الأحوال الشخصية، وتعيد المنابر تمجيد المجلّة باعتبارها مكسبا حداثيا. أمّا اعتبار معظم نصوصها اجتهادا فقهيا إسلاميا وكون مسوّدتها أعدّت من قبل شيخ زيتوني تقليدي وتم تزكيتها من أغلب زملائه، فسيظل الحديث عنه خجولا، ما دامت بصمة إعلانها من قبل بورقيبة “العلماني” هي الصدى المتردّد.

وسيعود الحديث أيضا عن تطوير المجلة لمسايرة دستور الجمهورية الثانية ويخفي البعض تحفّظه على المجلة بسبب مرجعيتها الفقهية الإسلامية “التي تهدد في كل حين بالتراجع عن مكاسب المرأة”.

وفي ظل هذه المسالك في معالجة الموضوع ستبقى “المرأة” محورا للمزايدة الفكرية والانتخابية لن يتحقق النجاح في حلّها إلاّ بالتحلّي بالشجاعة في التخلّص من بعض “العُقَد” التاريخية.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الطاهر الحداد، الحداثيون بتونس، اليسار بتونس،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 9-09-2018   المصدر:ميم

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
كريم فارق، سلوى المغربي، محمد الياسين، جاسم الرصيف، د. خالد الطراولي ، صفاء العربي، محمود فاروق سيد شعبان، د. أحمد محمد سليمان، د - محمد عباس المصرى، د. محمد يحيى ، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، فاطمة عبد الرءوف، د- هاني السباعي، أ.د. مصطفى رجب، نادية سعد، أحمد النعيمي، كمال حبيب، طلال قسومي، منى محروس، د - مصطفى فهمي، محمد عمر غرس الله، رشيد السيد أحمد، محمد اسعد بيوض التميمي، سامر أبو رمان ، صلاح المختار، د. محمد عمارة ، سحر الصيدلي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، محمود سلطان، أحمد بن عبد المحسن العساف ، محمود طرشوبي، د. الشاهد البوشيخي، د- محمد رحال، فهمي شراب، ابتسام سعد، الشهيد سيد قطب، بسمة منصور، صالح النعامي ، ياسين أحمد، د - المنجي الكعبي، محمد الطرابلسي، د- جابر قميحة، سعود السبعاني، د. محمد مورو ، أحمد الغريب، رافد العزاوي، فوزي مسعود ، كريم السليتي، عبد الرزاق قيراط ، د - صالح المازقي، محمود صافي ، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، منجي باكير، عدنان المنصر، إيمان القدوسي، إياد محمود حسين ، د - شاكر الحوكي ، وائل بنجدو، أنس الشابي، سيدة محمود محمد، علي عبد العال، فتحـي قاره بيبـان، محمد أحمد عزوز، صفاء العراقي، د - احمد عبدالحميد غراب، أحمد الحباسي، د - محمد سعد أبو العزم، د. أحمد بشير، حاتم الصولي، د- هاني ابوالفتوح، فاطمة حافظ ، د. صلاح عودة الله ، د.ليلى بيومي ، الناصر الرقيق، د. ضرغام عبد الله الدباغ، علي الكاش، شيرين حامد فهمي ، مصطفى منيغ، يزيد بن الحسين، د. نهى قاطرجي ، حسن الحسن، المولدي الفرجاني، عزيز العرباوي، خبَّاب بن مروان الحمد، صلاح الحريري، محمد إبراهيم مبروك، حسني إبراهيم عبد العظيم، مصطفي زهران، فتحي العابد، الهادي المثلوثي، د- محمود علي عريقات، مجدى داود، د. عبد الآله المالكي، محرر "بوابتي"، د - الضاوي خوالدية، تونسي، محمد العيادي، محمد شمام ، حسن عثمان، د - غالب الفريجات، عصام كرم الطوخى ، رحاب اسعد بيوض التميمي، حسن الطرابلسي، د - عادل رضا، د - مضاوي الرشيد، محمد تاج الدين الطيبي، د - محمد بن موسى الشريف ، د. كاظم عبد الحسين عباس ، عبد الغني مزوز، خالد الجاف ، عبد الله الفقير، رافع القارصي، فراس جعفر ابورمان، معتز الجعبري، عبد الله زيدان، د - محمد بنيعيش، مراد قميزة، ماهر عدنان قنديل، سوسن مسعود، يحيي البوليني، سلام الشماع، د. جعفر شيخ إدريس ، هناء سلامة، صباح الموسوي ، د. الحسيني إسماعيل ، د. طارق عبد الحليم، سفيان عبد الكافي، حميدة الطيلوش، إيمى الأشقر، فتحي الزغل، رأفت صلاح الدين، العادل السمعلي، د.محمد فتحي عبد العال، د. عادل محمد عايش الأسطل، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، سيد السباعي، عواطف منصور، جمال عرفة، عراق المطيري، إسراء أبو رمان، رضا الدبّابي، سامح لطف الله، أحمد ملحم، أحمد بوادي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، عمر غازي، د. نانسي أبو الفتوح، د - أبو يعرب المرزوقي، حمدى شفيق ، د. مصطفى يوسف اللداوي، رمضان حينوني، أبو سمية، أشرف إبراهيم حجاج، الهيثم زعفان،
أحدث الردود
تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة