تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

الحرب النفسية والدعاية والتضليل في تغطية الأزمات

كاتب المقال محمد قيراط   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


فشل المنظرون وعلماء الإعلام والاتصال فشلا كبيرا في وضع معايير ومحددات لشرح سلوك المؤسسات الإعلامية والصحفيين أثناء تغطية الحروب والأزمات. فالنظريات الأربع: نظرية السلطة، نظرية الحرية، النظرية السوفيتية، نظرية المسؤولية الاجتماعية لم تتطرق إلى إشكالية علاقة الحكومة بوسائل الإعلام في زمن الحرب والأزمات، كما لم تتطرق إلى علاقة الصحافي بالسلطة في هذه الظروف.

وما يمكن قوله في هذا السياق هو أن الممارسة الإعلامية في زمن الحروب والأزمات لا تختلف من نظام إعلامي إلى آخر ولا من نظام سياسي إلى آخر و تصبح متشابهة حيث يتحول الإعلام إلى مزيج من الإعلام والعلاقات العامة والحرب النفسية والدعاية والتلاعب والتضليل والتشويه سواء تعلق الأمر بالدول الديمقراطية أو الدول الديكتاتورية أو الدول المتقدمة أو الدول النامية أو غيرها من الأنظمة السياسية المتواجدة في هذا الكون.

من جهة أخرى نلاحظ أن الممارسة الإعلامية في زمن السلم والظروف العادية تختلف عن زمن الحروب والأزمات خاصة إذا تعلق الأمر بالدول الديمقراطية والتي لها تقاليد في حرية الصحافة. يعيش عالم اليوم صراعات ونزاعات عنيفة وحروبا وأزمات عديدة ومختلفة كالإرهاب والأزمة المالية العالمية؛ أزمات تتسم كلها برهانات وانعكاسات وخيمة جدا تمس الفرد والمجتمع والدولة. فالأزمات طالت كل المجالات الحياتية وأدت إلى إعادة تشكيل العلاقات بين الأمم والدول والشعوب وفق عوامل ومعطيات يعجز الأفراد والمؤسسات وحتى الأنظمة على التحكم فيها.

كيف تتعامل وسائل الإعلام مع الأزمات المختلفة وهل أداؤها في هذه الظروف يختلف عن أدائها في الأوقات العادية؟ هل تكتفي وسائل الإعلام بتغطية الأزمة؟ أم تسعى إلى تقديم حلول لها أم إنها تسّيسها وتستغلها لتحقيق أهداف ومصالح معينة؟ هل تواجه المؤسسات الإعلامية ضغوطا معينة عندما تتعامل مع الأزمات؟ هل هناك قرارات أخلاقية يلجأ القائمون على المؤسسات الإعلامية إلى اتخاذها نظرا للرهانات والانعكاسات العديدة التي تتميز بها كل أزمة؟

في وقت تنتشر وتتكاثر فيه الأزمات بمختلف أنواعها وأشكالها وفي مختلف مناطق العالم، وفي ظروف صعبة يسودها التعتيم والتضليل والتشويه والأفكار المسبقة والصور النمطية وصراع الثقافات والحضارات والعنصرية والجهل وثقافة إقصاء الآخر والصراع المحتدم على الصورة والرأي العام، يتساءل الفرد في المجتمع عن مصداقية ما يشاهده ويسمعه ويقرؤه. أين هو الحياد والموضوعية والأخلاق في تغطية وسائل الإعلام لما يجري في مصر وفي سوريا وفي أنحاء عديدة من العالم.

أين هو الصدق وأين هو التهويل؟ أين هي الحقيقة وأين هي الدعاية؟ ما هو دور الإعلام في مثل هذه الحالات؟ هل تتحول وسائل الإعلام في زمن الحروب والأزمات إلى آلات لإثارة الفتنة والتهويل والتضخيم والتسييس والتلاعب بدلا من تنوير وتثقيف وتوعية الرأي العام بهدف الحوار والنقاش والتفاهم وإطفاء نار الضغينة والحقد والكراهية. هل صحيح أن منطق الحرب يقوم على أن "الحرب بدون تلفزيون ليست حرب" وهل أن جوبلز على حق عندما قال "اكذب ثلاث مرات ففي المرة الثالثة ستصدق كذبتك".

تهيمن هذه الأيام ظاهرة انتشار التضليل والتعتيم والصور النمطية والتشويه، وانتشار ظاهرة ثقافة الحقد والكراهية والخوف من الأخر والعمل على إقصائه في وسائل الإعلام المختلفة. فالعالم اليوم يعيش صراع الصورة وصراع شرس على كسب الرأي العام، وهذه الصراعات مع الأسف الشديد تحدث في أحيان كثيرة بتواطؤ غير أخلاقي وغير شريف لوسائل الإعلام مع سلطة المال والسياسة.

فالإعلام العربي اليوم مطالب أكثر من أي وقت مضى بأن يتعامل بمهنية وحرفية وبأخلاق عالية مع الأزمات المختلفة سواء كانت محلية أو إقليمية أو دولية، ومطالب بأن يتحلى بالقيم الإسلامية السمحاء، وبنقل ثقافة الحوار والتسامح إلى الآخر والتفاعل الإيجابي معه. فالإعلام العربي اليوم مطالب بتقديم صورة الإسلام والحضارة الإسلامية والثقافة الإسلامية إلى الآخر في مختلف القضايا المصيرية التي تهم البشرية ودفع جسور التواصل مع شعوب العالم والحوار مع الآخر وحوار الثقافات، فشعوب العالم اليوم في أشد الحاجة إلى الأديان السماوية التي تنادي بالوحدانية واحترام إنسانية البشر جميعا مهما اختلفت أجناسهم وألوانهم والتاريخ خير شاهد على ما يحدث من مآس إنسانية حين تتغلب الطلقة على الكلمة ويفرض منطق القوة الغاشمة سطوته على حديث العقل.

فمعادلة الإرهاب والإعلام، على سبيل المثال لا الحصر، تطرح مشكلة الوطنية وحق الفرد في المعرفة وابتزاز واستغلال الإرهابيين لوسائل الإعلام للحصول على منبر يحقق لهم العلانية والحضور الإعلامي والوصول إلى الرأي العام محليا ودوليا. أين هي مصلحة الفرد والمجتمع في ظل هذه العلاقة المعقدة وهل هناك تعارض بين الابتزاز والاستغلال وحق الفرد في المعرفة؟ وهل هناك تعارض بين الحرفية والمهنية من جهة، والبحث عن السبق الصحافي والإثارة والتهويل والتضخيم من جهة أخرى؟ رهانات وتحديات عديدة تواجهها وسائل الإعلام في مثل هذه الظروف وما العمل؟ التغطية والتلاعب والبحث عن الإثارة والسبق الصحفي أم المقاطعة؟ من خلال تغطية الحروب نلاحظ أزمة النظرية الإعلامية في تفسير سلوك الصحافيين والمؤسسات الإعلامية.

فعلى عكس الظروف العادية والطبيعية، تواجه التغطية في زمن الحروب والأزمات رهانات وتحديات عديدة وتصبح الممارسة الإعلامية جزءا لا يتجزأ من الحرب نفسها. ظروف الحرب إذن تفرز اختراق مبادئ الحرية والموضوعية، بحيث أن الممارسة الإعلامية خلال الحرب تختلف عنها في الظروف العادية. وفي الأخير نلاحظ انحياز المؤسسة الإعلامية في تغطيتها للحرب إلى موقف الدولة التي تنتمي إليها من الحرب.

في ظل الأزمات والصراعات الكبيرة بين مختلف القوى سواء داخل الدولة الواحدة أو بين الدول هو أن الخطاب الإعلامي أصبح بعيدا كل البعد عن الرسالة الشريفة للإعلام وعن الحياد والموضوعية والكلمة الحرة والصادقة. فأصبحت هناك خطابات عديدة متضاربة ومتناقضة وكأنها تتعلق بأزمات مختلفة وليست نفس الأزمة. فاختراق الأخلاق والمهنية والقيم التي تقوم عليها الصحافة الشريفة أصبح من سمات إعلام عصرنا الحاضر، الإعلام الذي فشل في المساهمة في حل الأزمات والحروب والأعمال الإرهابية، بل ساهم ويساهم في التشويه والتضليل والدعاية وبث الحقد والكراهية وثقافة الإقصاء بين الشعوب والأمم.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام: ما هي أهداف الإعلام؟ وما هي رسالته في عالم يحتاج إلى السلم والأمان والتقارب بين الشعوب والحضارات والديانات وليس الحروب والأزمات؟


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

الدعاية، الإعلام، الحرب، الغرب،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 24-08-2018   المصدر: الشرق الأوسط

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
محمد أحمد عزوز، د. محمد عمارة ، فتحي العابد، صفاء العربي، فاطمة عبد الرءوف، رحاب اسعد بيوض التميمي، د- هاني ابوالفتوح، محمد تاج الدين الطيبي، د. مصطفى يوسف اللداوي، د. خالد الطراولي ، نادية سعد، د. أحمد محمد سليمان، عبد الله زيدان، صفاء العراقي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د. جعفر شيخ إدريس ، د - غالب الفريجات، تونسي، عبد الرزاق قيراط ، د. نانسي أبو الفتوح، د - مصطفى فهمي، جمال عرفة، سامر أبو رمان ، معتز الجعبري، عصام كرم الطوخى ، أحمد الحباسي، د - المنجي الكعبي، علي عبد العال، محمد الطرابلسي، د. أحمد بشير، الهادي المثلوثي، د. محمد يحيى ، محمود سلطان، شيرين حامد فهمي ، أ.د. مصطفى رجب، أبو سمية، د - احمد عبدالحميد غراب، عواطف منصور، حسن عثمان، ابتسام سعد، منجي باكير، ياسين أحمد، كريم السليتي، محرر "بوابتي"، د. صلاح عودة الله ، د - أبو يعرب المرزوقي، حميدة الطيلوش، د- محمود علي عريقات، سعود السبعاني، سيد السباعي، إسراء أبو رمان، عدنان المنصر، حسني إبراهيم عبد العظيم، يحيي البوليني، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، وائل بنجدو، د. عادل محمد عايش الأسطل، منى محروس، د. عبد الآله المالكي، د- محمد رحال، د - شاكر الحوكي ، مراد قميزة، إيمى الأشقر، محمود فاروق سيد شعبان، فهمي شراب، محمد الياسين، مجدى داود، ماهر عدنان قنديل، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د - محمد بنيعيش، سفيان عبد الكافي، رافع القارصي، كمال حبيب، عمر غازي، خبَّاب بن مروان الحمد، محمد العيادي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، عراق المطيري، أحمد الغريب، طلال قسومي، صلاح الحريري، العادل السمعلي، عبد الغني مزوز، فوزي مسعود ، محمد إبراهيم مبروك، رشيد السيد أحمد، د. محمد مورو ، د - الضاوي خوالدية، أحمد ملحم، هناء سلامة، مصطفي زهران، د.محمد فتحي عبد العال، سلام الشماع، محمد شمام ، صالح النعامي ، صلاح المختار، د. الحسيني إسماعيل ، د. نهى قاطرجي ، سحر الصيدلي، حسن الطرابلسي، د. طارق عبد الحليم، رضا الدبّابي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د - صالح المازقي، الشهيد سيد قطب، عبد الله الفقير، رأفت صلاح الدين، د - محمد عباس المصرى، فراس جعفر ابورمان، فاطمة حافظ ، فتحي الزغل، د - مضاوي الرشيد، د - محمد سعد أبو العزم، أنس الشابي، حمدى شفيق ، أحمد النعيمي، د. الشاهد البوشيخي، محمد عمر غرس الله، سوسن مسعود، المولدي الفرجاني، محمد اسعد بيوض التميمي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، محمود طرشوبي، حاتم الصولي، إيمان القدوسي، محمود صافي ، عزيز العرباوي، صباح الموسوي ، خالد الجاف ، إياد محمود حسين ، بسمة منصور، الناصر الرقيق، د - محمد بن موسى الشريف ، أشرف إبراهيم حجاج، فتحـي قاره بيبـان، حسن الحسن، د- هاني السباعي، مصطفى منيغ، أحمد بوادي، رمضان حينوني، كريم فارق، د- جابر قميحة، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، الهيثم زعفان، يزيد بن الحسين، سيدة محمود محمد، رافد العزاوي، سلوى المغربي، د.ليلى بيومي ، علي الكاش، سامح لطف الله، جاسم الرصيف،
أحدث الردود
ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة