تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

الخيار في المساواة أشدّ فتنة من الحسم فيها

كاتب المقال د.عبد المجيد النجار - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


في الجدل الدائر على قضية المساواة في الإرث بين الذكر والأنثى يُطرح التشريع للخيار بين اعتماد المساواة واعتماد القسمة الشرعية، ويروَّج لهذا الخيار أن يكون مدرجا ضمن القانون كحلّ وسط بدل اعتماد التقنين للمساواة الحاسمة ، وتُستدرَج النهضة إلى هذا الرأي حتى يظنّ بعضهم أنه وإن كان لا بدّ فلنوافق عليه تفاديا للتقنين الصارم للمساواة.

وفي الحقيقة وعند التأمّل يظهر أنّ التقنين لهذا الخيار هو أكبر فتنة من التقنين للمساواة، وبيان ذلك كما يلي:

1 ـ تشخيص صور الخيار
للخيار كما هو رائج في المقترحات المطروحة ثلاث صور
أ ـ أن يقنّن للمساواة أصلا ويترك للمورّث أن يختار الوصية باعتماد التقسيم الشرعي، وهو مقترح رئيس الجمهورية,
ب ـ أن يبقى التشريع كما هو بحسب التقسيم الشرعي ولكن للمورّث الوصية بالتقسيم بالمساواة، وهو اقتراح ورد في التقرير
ج ـ أن يترك الخيار للمرأة الوارثة في أن تعتمد القسمة بالمساواة أو بالتقسيم الشرعي، وهو ورد هذا في التقرير أيضا

2 ـ الأصول التي بُـني عليها نظام التوريث

ولبيان ما في هذه الصور كلّها من شرّ نمهّد ببيان أصلين رئيسيين بُـني عليهما نظام التوريث في الشريعة :

أ ـ ملكية المال، وهو أصل عقائدي، يقوم على أنّ الملكية الحقيقية للمال في العقيدة الإسلامية هي ملكية لله تعالى والإنسان إنما هو مستخلف فيه يتصرّف فيه بحسب أوامر المستخلف.. وبناء على ذلك فإنّ الإنسان في حياته يملك المال ملكا استخلافيا فإذا ما مات انقطعت ملكيته الاستخلافية هذه، فليس له أن يتصرّف في حياته في المال الذي سيتركه بعد موته لأنه يفقد الصفة التي يكون بها التصرّف وهي صفة الملكية، ويتولى تقسيم هذا المال المالكُ الحقيقي وهو الله تعالى.
فإذا ما قسّم في حياته المال الذي سيتركه بعد موته فإنه يكون قد تصرّف فيما لا يملك ( يستثنى من ذلك الوصية المشروعة بشروطها وهي لا علاقة لها بالورثة)

ب ـ حسم النزاع، وهو أصل مقاصدي، فشهوة المال هي من أقوى الشهوات التي ينشأ بسببها النزاع؛ ولذلك فإن الله تعالى تولى قسمة المال الموروث ولم يترك ذلك للناس، والمقصد من ذلك حسم مادّة النزاع على الأموال الموروثة إذ هي مقسومة بدقّة من مصدر علوي فينصاع لها الناس طوعا ولا يبقى مجال للظنون والشكوك في التحايل والمحاباة والمراكنات، وهو مقصد عظيم الأثر في استقرار الأسرة والمجتمع.

3 ـ وجوه الفتنة في التقسيم بالخيار :
الخيارات الثلاثة المطروحة تحمل من الفتنة أكثر مما يحمله التشريع الحاسم بالقسمة مساواة وبيان ذلك:

أ ـ التقنين بترك الخيار للمورّث أو للوارث في كيفية القسمة مساواة أو بحسب الشريعة هو تصرّف للإنسان فيما لا يملك، ذلك لأن مال المورّث بعد موته ليس ملكا له فالموت قطع صلته به، وقد قسّمه مالكه الحقيقي في أوامر قطعية، فتدخُّـل الإنسان في تقسيمه مخالف للمبدإ العقدي ومخالف للأمر التشريعي القطعي.. فالتشريع بذلك فتنة دينية كبيرة.

ب ـ حينما يُترك التقسيم للإنسان على سبيل الاختيار بين طرق التقسيم فإنّ المقصد الأعلى من تقسيم المواريث وهو حسم النزاع يسقط تماما، ويفتح بابا واسعا للإحن والنزاعات والخلافات في نطاق الأسرة خاصّة.. فلماذا أبي أوصى لي بالنصف وكان يمكنه الوصية بالثلثين، لا بدّ أنه ضغط عليه في ذلك فلان أو فلانة من الأقارب، أو أنه لا يحبني فحرمني، ولماذا أختي (في الصورة الثالثة) تقاسمت معي بالمناصفة وكان يمكنها إعطائي الثلثين، لا بدّ أنّ زوجها أثّر عليها استئثارا منه بثروة والدي،..
وهكذا يفتح في بناء الأسرة باب من الفتن ظنونا وأوهاما وحزازات ومؤامرات ومراكنات كفيل بأن يأتي عليها بالتقويض، وقد كان الأمر مسلّما به في حال القسمة الشرعية الربانية، وقد يكون أيضا مسلّمًا به في حال التقنين الصارم بقسمة المساواة
وإذن فإنّ طريقة التقسيم باختيار المورّث أو الوارث تشترك مع طريقة التقسيم القانوني بالمساواة في فتنة الدين إذ في كلّ منهما مخالفة لما هو قطعي، ولكنّ طريقة التقسيم بخيار المورّث أو الوارث تزيد عليها بفتنة الإحن والتوجّس والحزازات في نطاق الأسرة فهي أكثر منها شرّا لمخالفتها للمبدإ العقدي ومخالفتها للمقصد الشرعي.

ج ـ في تحويل تقسيم الميراث من الأمر الإلهي إلى الخيار الإنساني فتنة اجتماعية كبيرة، إذ فيه تجرئة على تجاوز حدود الله المنضبطة في نظام الأسرة، فإذا سقطت من نظام الأسرة هذه الحجرة الركنية (تقسيم الميراث) فإنّ البناء الأسري كله سيتخلخل ويكون من ذلك شر كبير على البناء المجتمعي بالاستهتار بالبناء الأسريالذي هو الركن الركين فيه .

د ـ فتنة التقسيم بالخيار ستطال النهضة بعنف إذا ما مالأت فيه أو ارتخت في رفضه أو تلقته بالقبول حلا وسطا؛ ذلك لأن الرفض الشعبي لتغيير نظام الإرث في اتجاه المساواة رفض عارم، وممالأة الحركة فيه فضلا عن تلقيه بالقبول وهي المنسوبة إلى المرجعية الإسلامية سيجعلها تسقط في الميزان الشعبي سقوطا لا قيام بعده.

ولاتقاء هذه الفتن العامّة والخاصّة ينبغي التصدّي بقوّة لتغيير نظام الميراث بالقوانين المقترحة تقسيما بالمساواة أو تقسيما بخيار المورّث أو الوارث اتقاء لغضب الله واتقاء لفتنة أسرية واجتماعية واتقاء لموقف يعدّه الناخبون خيانة وغدرا.
والله ولي التوفيق

---------

الدكتور عبد المجيد النجار
عضو المجلس التأسيسي التونسي سابقا
الأمين العام المساعد لرئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
عضو المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، مسألة الميراث، الباجي قائد السبسي،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 17-08-2018  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د - غالب الفريجات، سعود السبعاني، د. ضرغام عبد الله الدباغ، د - محمد بن موسى الشريف ، سلام الشماع، د . قذلة بنت محمد القحطاني، فهمي شراب، علي عبد العال، محمد تاج الدين الطيبي، د - محمد عباس المصرى، أحمد ملحم، الهيثم زعفان، سحر الصيدلي، صباح الموسوي ، يحيي البوليني، مجدى داود، رشيد السيد أحمد، أحمد النعيمي، د- محمود علي عريقات، د- هاني ابوالفتوح، عبد الرزاق قيراط ، أشرف إبراهيم حجاج، د. أحمد محمد سليمان، د. محمد عمارة ، محمد الياسين، د - الضاوي خوالدية، د- جابر قميحة، محمود سلطان، د. الحسيني إسماعيل ، علي الكاش، محمود صافي ، د - محمد بنيعيش، فتحـي قاره بيبـان، جمال عرفة، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د - مضاوي الرشيد، عراق المطيري، المولدي الفرجاني، عبد الله زيدان، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، فاطمة حافظ ، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د - أبو يعرب المرزوقي، حسن عثمان، سامح لطف الله، د. خالد الطراولي ، حسن الطرابلسي، فوزي مسعود ، طلال قسومي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، حاتم الصولي، ياسين أحمد، الهادي المثلوثي، د. أحمد بشير، رمضان حينوني، د. مصطفى يوسف اللداوي، أنس الشابي، محمود طرشوبي، عزيز العرباوي، أ.د. مصطفى رجب، نادية سعد، الشهيد سيد قطب، سلوى المغربي، د - صالح المازقي، ابتسام سعد، رأفت صلاح الدين، كريم فارق، ماهر عدنان قنديل، فتحي العابد، هناء سلامة، أبو سمية، عواطف منصور، مراد قميزة، عبد الله الفقير، د. طارق عبد الحليم، إسراء أبو رمان، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، أحمد بوادي، سيدة محمود محمد، رافع القارصي، إياد محمود حسين ، أحمد الحباسي، تونسي، د.ليلى بيومي ، العادل السمعلي، محمد العيادي، صالح النعامي ، حميدة الطيلوش، عبد الغني مزوز، مصطفي زهران، د. الشاهد البوشيخي، د - احمد عبدالحميد غراب، د - شاكر الحوكي ، حسن الحسن، د.محمد فتحي عبد العال، رضا الدبّابي، شيرين حامد فهمي ، محمد شمام ، صلاح الحريري، محمود فاروق سيد شعبان، سيد السباعي، د - محمد سعد أبو العزم، د. عبد الآله المالكي، إيمى الأشقر، جاسم الرصيف، منى محروس، فراس جعفر ابورمان، د. عادل محمد عايش الأسطل، د. نهى قاطرجي ، د - مصطفى فهمي، د- هاني السباعي، إيمان القدوسي، سوسن مسعود، محمد أحمد عزوز، صفاء العراقي، د - المنجي الكعبي، الناصر الرقيق، يزيد بن الحسين، د. صلاح عودة الله ، د. كاظم عبد الحسين عباس ، محمد إبراهيم مبروك، خالد الجاف ، محمد الطرابلسي، منجي باكير، عصام كرم الطوخى ، رحاب اسعد بيوض التميمي، مصطفى منيغ، د- محمد رحال، د. نانسي أبو الفتوح، فتحي الزغل، عدنان المنصر، فاطمة عبد الرءوف، عمر غازي، كريم السليتي، سفيان عبد الكافي، محرر "بوابتي"، بسمة منصور، محمد اسعد بيوض التميمي، صفاء العربي، صلاح المختار، محمد عمر غرس الله، كمال حبيب، د. جعفر شيخ إدريس ، رافد العزاوي، وائل بنجدو، حمدى شفيق ، حسني إبراهيم عبد العظيم، سامر أبو رمان ، معتز الجعبري، خبَّاب بن مروان الحمد، أحمد الغريب، د. محمد مورو ، د. محمد يحيى ،
أحدث الردود
كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة