تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

شباب تونس وموسم الانتحار يأسا

كاتب المقال محمد هنيد - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


فاجعة كبيرة لن تكون الأخيرة في سلسلة الفواجع التي تضرب مهد ربيع الثورات تونس. الفاجعة ليست الأولى طبعا بل هي تضاف إلى سلسلة الصدمات التي تضرب المجتمع بكل قسوة ليستفيق على مرارة الواقع وبشاعته وعلى حصاد عقود من الاستبداد والقمع وحكم الفرد الواحد.

بالأمس غرق مركب يقلّ أكثر من مائتي مهاجر في عرض البحر وتقدر أعداد المفقودين والجثامين بما يقارب مائة وعشرين فردا من الشباب خاصة.

مائة وعشرون مأتما ومائة وعشرون جنازة ومائة وعشرون أُمّا مكلومة على فقدان أعز ما تملك هي آخر حصيلة من حصيلة حكم العصابات ودولة العصابات والفساد. التعبير هنا ليس مجازا بل حقيقة مرّة لأن آخر التسريبات حول العملية تكشف وقوف عصابات منظمة وراء تسفير الشباب في قوارب الموت وهي نفس العصابات التي سهرت على تسفيرهم إلى بؤر توتر وجبهات القتال.

حقيقة أخرى لا تخفى على أحد في تونس اليوم وتتمثل في تورط أجهزة الدولة نفسها وخاصة منها الأمنية في عمليات التسفير والحصول على ثروات طائلة من أحلام شباب فقير لا يبحث عن غير العمل والكرامة بالعمل حسب تصريحات الناجين من الكارثة.

لسائل أن يسأل: من الذي يدفع شبابا في ريعان العمر إلى ركوب الأمواج والمخاطرة بالنفس في سبيل مستقبل غامض قد يكون أو لا يكون؟ ماهي القوة الهائلة التي تدفع الفرد إلى مغادرة بلده وأهله ومرتع صباه والإبحار نحو المجهول؟ أية طاقة جبارة تجعل الفرد يهرب من الحضن الذي كبر فيه ويلقي بنفسه في جحيم المجهول؟

الجواب بسيط بل وبسيط جدا: لقد تحول الوطن إلى جحيم لا يطاق وصار الهروب منه غاية وحلم كل شاب وشابة بعد أن نهبت دولة العصابات والمنظومات الفاسدة كل ثروات الوطن وباعتها للمحتل الحقيقي بثمن بخس على حساب مستقبل أبناء الوطن وأجياله.

راكب البحر كالهارب من الجحيم بعد أن غدا الوطن أرضا قاحلة بوارا لم يترك فيها تحالف الاستبداد والفساء أية فرصة للحياة الكريمة. هذا المشهد الموغل في الحزن والكآبة يسمح رغم هول الصدمة بإبداء الملاحظات التالية:

إن تفشي البطالة بين الشباب وانعدام كل أفق لحل ممكن لمستقبل آلاف من المعطلين عن العمل سواء كانوا من خرجي الجامعات أو ممن انقطعوا باكرا عن الدراسة بسبب الفقر والحاجة ينذر بانفجار اجتماعي خطير. البطالة في تونس لا تعود أسباها إلى نفور الشباب من العمل أو إلى قلة الموارد أو إلى انعدام الكفاءات بل هي تتجلى أساسا في انتشار الفساد والمحسوبية والمحاباة في إسناد الوظائف وفي الترقيات وفي تشغيل المقربين.

لقد أنشأ نظام بن علي شبكة عميقة من الفساد الإداري حيث تسند الوظائف والامتيازات والترقيات لمسؤولين في كافة أجهزة الدولة يسهرون على إسناد الوظائف لأبنائهم وأقربائهم. بل صارت الوظائف تجارة رابحة فخصص لكل وظيفة سعر معين في سوق رائجة تحصد المليارات كل سنة.

لا يمس الموت ولا تنال قواربه إلا أبناء الطبقة الفقيرة من أبناء العمق التونسي العميق. ينحدر كل الشباب الذين التهمتهم أمواج المتوسط من الداخل التونسي الفقير حيث تمثل البطالة قدرا لا يفلت منه كل من ولد لعائلة معوزة لم تنخرط في منظومة الفساد ولم تتبع مسالكه.

أما الأحياء الراقية والأشبه بالمحميات أو المستوطنات فإن أبناءها لا يسلكون طريق البحر بل تأتيهم الوظائف والثروة والجاه على طبق ذهبي بفضل شبكة العلاقات التي صنعها أهلهم داخل النظام أو خارجه.

هذا الواقع يكاد يشطر البلاد إلى نصفين لا يلتقيان: طبقة فقيرة معدمة تشمل اليوم حتى الطبقة المتوسطة التي تكاد تختفي وتقابلها طبقة من الأثرياء القدامى والجدد الذين يستحوذون على الجزء الأكبر من الثروة الوطنية. هذا التوزيع الجديد ينذر هو الآخر بتصاعد الاحتقان الاجتماعي وبانفجار معدلات الجريمة والعنف.

ثالث الملاحظات وأخطرها إنما تتمثل في وعي الدولة بهذه المأساة بل ومشاركتها فيها عبر الصمت والعجز أمام شبكات المهربين و مجموعات العصابات التي تقتات من فقر المفقرين ومن أحلامهم ومن معاناتهم ومآسيهم التي لا تنتهي. إن صمت الدولة وعجز مؤسساتها السيادية عن محاسبة من تسبب في هذا النزيف الاجتماعي الذي لا يتوقف والذي يهدد الأمن القومي وينذر المجتمع بالانفجار هو في الحقيقة مشاركة في الجريمة وتستر على المجرمين.

تونس اليوم على صفيح حارق وهي تقف في مفترق طرق مصيري فإما أن تنتهز الفرصة التاريخية بمحاربة شبكات التهريب ومنظومات الجريمة المنظمة وتعلن حربا حقيقية على الفساد بكل مستوياته وإما أن تفتح الباب أمام طريق معلوم من الفوضى والخراب والدمار الذي لن يبقي على أحد.

إن تطبيق القانون واحترام انسانية الانسان في وطنه ليست منة من أحد بل واجب ومسؤولية تعبد الطريق أمام شباب باحث عن بصيص أمل قد يتبخر فيقذف بنفسه عبر أبواب الانحراف المشرّعة من إرهاب وجريمة منظمة وهجرة غير شرعية بما يحوله من عنصر بناء فاعل إلى خطر يحدق بالمجتمع نفسه.

لن تنفع اليوم حلول الأمس من تغاض عن الجرائم ومن تعتيم إعلامي وتخدير للعقل الجمعي ومواصلة لمسيرة نهب الثروات وبيع البلاد للشركات الأجنبية. لن تنفع سياسة التهميش والاحتقار للجزء الأكبر من البلاد وسكانها بل إن الثورة لا تزال هنا ولا تزال المطالب التي اندلعت من أجلها قائمة واشتدت ضراوتها بشكل لن يسمح بإلغائها مهما حاولت قوي النظام القديم وخناجر الثورة المضادة وداعميهم في الداخل والخارج إخماد نارها.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الحرقة، الهجرة السرية، قرقنة، حادثة غرق،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 8-06-2018   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، مراد قميزة، إيمان القدوسي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، سامح لطف الله، د - المنجي الكعبي، رافع القارصي، محمد العيادي، إيمى الأشقر، د- جابر قميحة، فتحي العابد، أنس الشابي، سلام الشماع، محمد اسعد بيوض التميمي، ياسين أحمد، أحمد ملحم، سلوى المغربي، العادل السمعلي، محمد تاج الدين الطيبي، منى محروس، حمدى شفيق ، حاتم الصولي، فاطمة حافظ ، إياد محمود حسين ، سوسن مسعود، أبو سمية، أحمد بن عبد المحسن العساف ، كمال حبيب، يزيد بن الحسين، طلال قسومي، د - الضاوي خوالدية، الناصر الرقيق، د - مصطفى فهمي، أحمد النعيمي، نادية سعد، د. محمد مورو ، جمال عرفة، كريم السليتي، صباح الموسوي ، تونسي، عبد الله الفقير، أحمد الحباسي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د. خالد الطراولي ، د. نهى قاطرجي ، محمد الياسين، رضا الدبّابي، خبَّاب بن مروان الحمد، د. جعفر شيخ إدريس ، د.ليلى بيومي ، رشيد السيد أحمد، صفاء العربي، د. أحمد بشير، عزيز العرباوي، عبد الغني مزوز، حسن الحسن، د. طارق عبد الحليم، حسن عثمان، شيرين حامد فهمي ، رمضان حينوني، د - غالب الفريجات، د- محمود علي عريقات، فراس جعفر ابورمان، د. الحسيني إسماعيل ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، أحمد الغريب، محرر "بوابتي"، محمود فاروق سيد شعبان، د. ضرغام عبد الله الدباغ، محمد أحمد عزوز، حميدة الطيلوش، حسن الطرابلسي، د - احمد عبدالحميد غراب، مصطفي زهران، سفيان عبد الكافي، رحاب اسعد بيوض التميمي، سيد السباعي، وائل بنجدو، محمد إبراهيم مبروك، د - محمد بن موسى الشريف ، صلاح المختار، حسني إبراهيم عبد العظيم، جاسم الرصيف، فهمي شراب، بسمة منصور، عواطف منصور، د. محمد عمارة ، عمر غازي، ماهر عدنان قنديل، سعود السبعاني، رأفت صلاح الدين، يحيي البوليني، د. نانسي أبو الفتوح، د - صالح المازقي، سيدة محمود محمد، عصام كرم الطوخى ، سامر أبو رمان ، منجي باكير، رافد العزاوي، عراق المطيري، د. صلاح عودة الله ، عبد الله زيدان، عدنان المنصر، سحر الصيدلي، كريم فارق، أشرف إبراهيم حجاج، د- هاني السباعي، صفاء العراقي، علي الكاش، د- هاني ابوالفتوح، علي عبد العال، صلاح الحريري، إسراء أبو رمان، د. الشاهد البوشيخي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، محمد شمام ، المولدي الفرجاني، فوزي مسعود ، د. عبد الآله المالكي، الهادي المثلوثي، د - محمد عباس المصرى، د.محمد فتحي عبد العال، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د. أحمد محمد سليمان، ابتسام سعد، أ.د. مصطفى رجب، أحمد بوادي، فاطمة عبد الرءوف، محمد الطرابلسي، عبد الرزاق قيراط ، د - شاكر الحوكي ، د - أبو يعرب المرزوقي، معتز الجعبري، هناء سلامة، د. عادل محمد عايش الأسطل، محمود طرشوبي، خالد الجاف ، مصطفى منيغ، محمود سلطان، د - محمد بنيعيش، الهيثم زعفان، د. محمد يحيى ، فتحـي قاره بيبـان، محمد عمر غرس الله، د. مصطفى يوسف اللداوي، د- محمد رحال، صالح النعامي ، محمود صافي ، مجدى داود، فتحي الزغل، د - محمد سعد أبو العزم، د - مضاوي الرشيد، الشهيد سيد قطب،
أحدث الردود
انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة