تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

آن أوان العدالة المائية في تونس

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


أعادت مدينة جلمة (وسط غرب تونس) أزمة المياه في تونس إلى سطح النقاش، لكن النقاش الجدي لا يبدأ، فالحكومة تعرف فقط أن تردم المشاكل تحت قنابل الدخان، فتونس تعيش أزمة مياه رغم سياساتها المائية المتقدمة على نظيراتها في المنطقة، للأزمة المائية وجهان بارزان وتفاصيل فرعية خاصة بكل منطقة جغرافية: الوجه الأول هو ندرة المصادر المائية خاصة في ظل الانحباس الحراري الآخذ في التفاقم محليًا وعالميًا والثاني هو سياسات سوء التصرف في المتاح من الثورة المائية فوق الأرض وتحتها.

وقد أثارت مدنية جلمة في الوسط التونسي المشكلة بوجهها وسنكتب في الموضوع رغبة في إعادة النقاش إلى السطح خاصة بعد الانتخابات البلدية التي ستمنح نظريًا للمدن سياسات مستقلة قد تصل - وهذا أمل - إلى تدبير سياسات مائية محلية تعالج الأزمات المتكررة بشكل جذري؛ فتخرج تونس من قائمة البلدان المهددة بالعطش.

سوء التوزيع الطبيعي للثروة وسياسة سوء التصرف

الخريطة المائية في تونس ليست متوازنة وهذه معطيات طبيعية لا دخل للحكومات فيها، ففي الشمال الغربي نقترب من منطقة ألف مليمتر في السنة بينما في الجنوب ننزل تحت منطقة 200 مليمتر كمعدل سنوي، لكن الجنوب والجنوب الغربي يسبحان فوق بحيرات مائية عميقة قادرة على تعويض النقص في التساقطات.

تمت تعبئة موارد مياه الشمال في شبكة من السدود بنسبة تفوق 80% من الكميات المحتملة سنويًا وهذا نجاح تراكم عبر سنوات طويلة، ظل خط المدن الساحلية فقيرًا إلى المياه الجوفية ومياه الأمطار، ومن هنا بدأ سوء التصرف في الثورة المائية.

الطلب المرتفع على مياه الري في منطقة الساحل الممتدة من نابل (الوطن القبلي) إلى أقصى الجنوب (جربة) وخاصة نتيجة الاستثمار الكثيف في السياحة الساحلية جعل الحكومات منذ الاستقلال تعتمد على مياه الشمال فتنقلها إلى الساحل وخاصة بعد سنة 1980 (تاريخ إطلاق مشروع مياه الشمال عبر قناة مجردة الوطن القبلي والتي تم تمديدها عبر السنوات إلى ولاية المهدية)، بدا هذا ضروريًا كحل وحيد متاح لمشكلة نقص المياه في الساحل لكن هذا التبرير يغطي ما يمكن تسميته بفضيحة تنموية، فمناطق الشمال التي يخرج الماء من تحت أقدام أهلها (السدود قديمها وحديثها) بقيت بلا أي استثمار سياحي أو زراعي يعوض أو يقابل غياب كل بنية صناعية فيها.

حدث شيء مماثل في الوسط والجنوب، إذ تم استنزاف مياه المائدة الجوفية العميقة الباردة والساخنة لصالح مدن ساحلية صفاقس وقابس خاصة، فصفاقس تمول بمياه الحوض الأوسط من تحت القصرين وما جاورها وآخر الآبار التي أثارت المشكل بئر حديثة بمنطقة جلمة حفرت لتزويد صفاقس رغم أن مطالب أهل المنطقة في الماء رفعت قبل ذلك بوقت طويل.

في الجنوب الشرقي وبموازاة مشروع مياه الشمال أطلقت حكومة محمد مزالي 1980 مشروع مياه الجنوب الذي نقل مخزون 6 آبار عميقة (أكثر من 2500 متر عمق) إلى مدينة قابس لإحياء الواحة القديمة وغسل الفسفات ولاحقًا لري المدينة بعد إنشاء محطة تحلية.

كل مناطق تصدير (أو تحويل) المياه هي مناطق فقيرة جدًا وبها نسب بطالة عالية وفقر مدقع كما أنها تمتلك أكبر مساحات زراعية غير مستصلحة (أو قابلة للاستصلاح)، لكن النتيجة أن الأرض بارت والسكان (خاصة الشباب) انتقلوا للبحث عن العمل في مدن الساحل (و/أو هاجروا سرًا إلى أوروبا) ومن بقي منهم وصل مرحلة العطش وهذا سبب تمرد أهل جلمة على المزيد من ضخ المياه من منطقتهم نحو صفاقس في حين أنهم يعطشون وتعطش أشجارهم القلية ودوابهم التي تهاجر للشمال هربًا من الجفاف المتكرر.

الفضيحة التنموية

هي أنه عبر الزمن تحولت مناطق الشمال والوسط الغربي والجنوب الشرقي إلى مناطق مصدرة للمياه ولليد العاملة، فالعمالة تولد في الشمال كما يسقط المطر ثم تلتحق بمياه الأمطار للعمل في مصانع الساحل ونزله وينتهي بها الأمر بتعمير الساحل الذي كلما ازداد عدد سكانه ازداد طلبه على الماء فزاد من تفقير الشمال وإقفار أرضه، وقد كشفت إحصاءات السكان لسنة 2014 أن مدن الشمال تفقر سكانيًا بأسرع مما ينتج عن ارتفاع نسب الوفيات وانخفاض نسب الولادات الطبيعي.

التصدي الخشن لتحركات جلمة الأخيرة كشف شعور الحكومة الحاليّة وريثة تاريخ السياسات القاصرة لما قبل الثورة بالعجز أمام معضلة المياه وعدم قدرتها أو رغبتها (وهو ما أرجحه) على معالجة المشكل بشكل جذري يعيد توزيع الثورة على قاعدة الإنصاف بين الجهات.

لقد كان يمكن نظريًا زرع إمكانات تنموية صناعية في مناطق إنتاج الماء لتعويض الخلل بالنظر إلى فقدان مدن الساحل لإمكانات مائية، ولكن الذي حصل أن مدن الساحل استحوذت على السياحة والصناعات القليلة واستنزفت الماء من الشمال والجنوب فوسعت الشرخ التنموي بشكل غير قابل للإصلاح.

عملت الحكومات وتعمل على إبقاء مناطق فقيرة وضعيفة مصدرة لليد العاملة الرخيصة وغير قادرة على الاستفادة من الثورات الطبيعية التي تحت أقدامها، وهذا أسهل لدى الحكومات من وضع سياسة مائية جديدة لا تقوم على استنزاف الموجود بل خلق الثورة المائية من البحر وهو مصير محتوم يتأخر التفكير فيه بالنظر إلى كلفته العالية الآن وبالنظر خاصة إلى أنه يمكن أن يؤدي الى توازن جهوي يفقد السلطة السياسة ذات القاعدة الجهوية القدرة على السيطرة على أطراف البلد التي لا تحتاج أن تتسولها للعمل.

العدالة في الماء هي عدالة في التنمية

ليس من مصلحة أي حكومة أن يتركز سكانها في منطقة واحدة وتفقر بقية المناطق خاصة إذا كانت غنية وقابلة لمزيد من إنتاج الثروة، إن ما جرى في جلمة من كسر شوكة الاحتجاج على العدالة المائية لا ينتج حلاً دائمًا، إنه إخماد حق بقوة العصا، لكن الألم كمن تحت القشرة الهادئة وسيتجدد لأنه كلما تقدم الزمن استنزفت المائدة وعطش من فوقها وانتهت فرص النزوح إلى المدن، وجب إذًا البحث عن سبل العدالة المائية (وقد نص عليها الدستور بإرساء الحق في المياه حقًا دستوريًا) وهناك مؤشر يمكن البدء به والنسج على منواله، إذ يجرى الآن إنشاء محطة تحلية مياه البحر بجربة وهي جزيرة فقيرة إلى المياه العذبة وتستهلك بحكم السياحة أكثر من حاجة ساكنتها الأصلية.

وجب إذًا أن يثمن موقع تونس على البحر 1200 كيلومتر من الشواطئ النظيفة وأن يكون ماء البحر بابًا للعدالة المائية ليبقى ماء الشمال في الشمال وماء الجنوب في الجنوب، فهناك احتمالات تنمية واستقرار سكاني ضروري في قادم الزمن حتى لا تميل سفينة التوزيع الديمغرافي وهنا سيكون على المجالس الجهوية أن ترسم هذه الخرائط الجديدة وأن تضع برامجًا للعدالة المائية تكون قاعدة انطلاق لعدالة تنهي الميز والحيف، ساعتها سيمكن الحديث عن الميز الإيجابي ولن يرد على احتجاجات العطش في جلمة بالغاز المسيل للدموع لأن جلمة لن تحتاج إلى تحرك تحتمي به من عطش السنين.



 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الماء، الثروة المائية، التفاوت بين الجهات، الإقتصاد،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 20-05-2018   المصدر: نون بوست

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د. كاظم عبد الحسين عباس ، فاطمة عبد الرءوف، سامر أبو رمان ، عزيز العرباوي، سيد السباعي، محمود طرشوبي، حسن عثمان، د. صلاح عودة الله ، إيمى الأشقر، عصام كرم الطوخى ، د- محمود علي عريقات، د- هاني السباعي، محمد اسعد بيوض التميمي، خالد الجاف ، محمد العيادي، ماهر عدنان قنديل، سلام الشماع، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، شيرين حامد فهمي ، طلال قسومي، بسمة منصور، رافد العزاوي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، سامح لطف الله، د- جابر قميحة، رافع القارصي، د - المنجي الكعبي، د. مصطفى يوسف اللداوي، فراس جعفر ابورمان، منجي باكير، صفاء العراقي، يحيي البوليني، حاتم الصولي، صالح النعامي ، صلاح الحريري، سفيان عبد الكافي، رمضان حينوني، فوزي مسعود ، نادية سعد، د. أحمد بشير، عبد الله زيدان، د. نهى قاطرجي ، عبد الرزاق قيراط ، حمدى شفيق ، رضا الدبّابي، معتز الجعبري، حسن الحسن، عراق المطيري، د. نانسي أبو الفتوح، الهادي المثلوثي، رأفت صلاح الدين، محمود فاروق سيد شعبان، سيدة محمود محمد، أحمد الحباسي، د. عبد الآله المالكي، تونسي، الهيثم زعفان، سعود السبعاني، الناصر الرقيق، علي الكاش، د - محمد بن موسى الشريف ، العادل السمعلي، د. محمد مورو ، د. الحسيني إسماعيل ، علي عبد العال، محمد عمر غرس الله، عبد الغني مزوز، يزيد بن الحسين، د . قذلة بنت محمد القحطاني، محمد إبراهيم مبروك، د - شاكر الحوكي ، سحر الصيدلي، د. محمد عمارة ، أنس الشابي، أبو سمية، د - مضاوي الرشيد، ابتسام سعد، أحمد بوادي، هناء سلامة، عواطف منصور، د. خالد الطراولي ، محمد الياسين، مصطفي زهران، د - غالب الفريجات، محمد تاج الدين الطيبي، د - صالح المازقي، محمود سلطان، أشرف إبراهيم حجاج، كريم السليتي، فاطمة حافظ ، وائل بنجدو، د. محمد يحيى ، د - محمد بنيعيش، جاسم الرصيف، فتحي العابد، محمد شمام ، أحمد النعيمي، د.محمد فتحي عبد العال، رحاب اسعد بيوض التميمي، إيمان القدوسي، د- محمد رحال، رشيد السيد أحمد، مراد قميزة، صفاء العربي، منى محروس، د. الشاهد البوشيخي، الشهيد سيد قطب، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، صباح الموسوي ، د. أحمد محمد سليمان، إياد محمود حسين ، محمد الطرابلسي، إسراء أبو رمان، د - احمد عبدالحميد غراب، فتحـي قاره بيبـان، د - مصطفى فهمي، مجدى داود، فهمي شراب، عبد الله الفقير، سوسن مسعود، صلاح المختار، حسني إبراهيم عبد العظيم، أ.د. مصطفى رجب، أحمد ملحم، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، أحمد بن عبد المحسن العساف ، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، المولدي الفرجاني، مصطفى منيغ، كمال حبيب، محمد أحمد عزوز، خبَّاب بن مروان الحمد، جمال عرفة، حميدة الطيلوش، عدنان المنصر، سلوى المغربي، د - الضاوي خوالدية، د. عادل محمد عايش الأسطل، محمود صافي ، د. طارق عبد الحليم، كريم فارق، عمر غازي، أحمد الغريب، د- هاني ابوالفتوح، د - أبو يعرب المرزوقي، د - محمد سعد أبو العزم، حسن الطرابلسي، د - محمد عباس المصرى، ياسين أحمد، د.ليلى بيومي ، فتحي الزغل، د. جعفر شيخ إدريس ، محرر "بوابتي"،
أحدث الردود
أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة