تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

لماذا لم يفلح العلمانيون في تونس؟

كاتب المقال نزار بولحية - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


إن أخفقوا وخسروا في مكان آخر فربما سيجد البعض لهم بدل العذر الواحد ألف عذر. أما ألا يفلحوا فيها بالذات فسيكون من الصعب ان يعثر احد على تفسير مقنع لذلك. السبب هو ان الفرص التي يملكها العلمانيون العرب في تونس قد لا تتوفر لهم في أي بلد آخر. فلديهم هناك عدا ترسانة التشريعات التي لا نظير لها في الإقليم سلطة لا تعاديهم بل تتبنى على العكس فكرهم وتسمح لهم، وفق اتفاق ضمني معها، بالسيطرة الفعلية على مدى أكثر من ستين عاما على كل مواقع القرار والإعلام، ووضع اليد على جميع مفاصل التربية والتعليم والثقافة في الدولة.

ومع ذلك، ورغم كل نقاط التفوق التي يملكها علمانيو تونس مقارنة بغيرهم من العلمانيين العرب، فإنهم لم يستطيعوا إلى الآن أن يكسبوا الشارع لصفهم، ومازالوا يسقطون عند أي اختبار شعبي حاصدين الخيبة تلو الأخرى كلما احتكموا لارادة الجماهير. فكيف يحصل ذلك؟ هل لخلل ما في العلمانية والحداثة التي يدعون الانتساب لها؟ أم لعيب شكلي أو اتصالي في طريقة الترويج لفكرها؟ أم فقط بسبب ضعف مشروعهم مقابل قوة وصلابة المشروع الإسلامي المنافس؟

ربما كان المشكل في أن معظم محاولات فهم ذلك الإخفاق ظلت ترتبط بشكل أو بآخر بالعداء التاريخي بين من يصنفون بالحداثيين، ومن ينعتون بالإسلاميين أو المحافظين. لقد كان شعار المرحلة الاستبدادية، ألا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية، وهو ما كان يعني إقصاء الإسلاميين ودخول الدولة في حالة حرب مفتوحة ضدهم. ولم يكن الاستبداد في ذلك الوقت بالنسبة لطيف واسع من النخب الجامعية والإعلامية يشكل حاجزا يحول بينها وبين التحالف مع النظام، لاجل محاربة من كان يوصف بالظلامية وبالعدو المشترك للطرفين. ولعل الاستثناء الفارق لذلك كان ما عرف بحركة الثامن عشر من اكتوبر، التي جمعت للمرة الاولى تقريبا وجوها علمانية واسلامية على فكرة النضال من أجل تكريس الديمقراطية، وأقرت في أحد بياناتها بأن» المواطنة تعني وفقا للشعار الرائع الذي رفعته المنظمة التونسية لحقوق الإنسان تمتع جميع التونسيات والتونسيين بجميع الحقوق بدون استثناء. فالحقل الديمقراطي يجب أن يتسع لجميع الحساسيات، طالما انها تقبل بقاعدة اللعبة التعددية، وتنبذ العنف والتكفير.

ومن هذا الاعتبار فإن حركة النهضة الإسلامية لها الحق بالتمتع بالوجود وحرية التعبير في إطار الشرعية الديمقراطية، وبالمستوى نفسه مع جميع مكونات المعارضة غير المعترف بها قانونا، التي تحظى بشبه تسامح في وجودها. كما أن لها حق المشاركة في الحوار والصراع الفكري، الذي يمثل جوهر الديمقراطية ذاتها». لكن تشتت المعسكر الحداثي وانقسامه بين متمسك بذلك الخط عن قناعة، وربما حتى عن ضرورة، ومعارض ورافض له واعتماده فقط على خطاب الضد للتعريف بمشروعه، بعد سقوط نظام بن علي لكسر القوة الاسلامية الصاعدة، جعله يفشل في كسب أصوات التونسيين، في اول انتخابات حرة تجري بالبلاد، ثم يفرط في جزء مهم من الاصوات بتكرار تحالفه مع بقايا النظام القديم، ممثلين بحزب النداء ضمن ما عرف بالتصويت المفيد لمواجهة الإسلاميين. ولعل الاستنتاج الذي حصل من تجربة السنوات السبع الاخيرة، هو أن الديمقراطية التي يؤمن بها قسم واسع من العلمانيين والحداثيين، ليست سوى تلك التي تكون الطريق الالتفافي الأقصر للتخلص من الخصوم الإسلاميين، وإنهم قد يكفرون بها ويتنكرون لها متى جاءت على خلاف ذلك، بل قد يدعون صراحة الى الانقلاب العسكري عليها، مثلما صفقوا لانقلاب العسكر في مصر. وربما كانت الانتخابات البلدية التي جرت في السادس من مايو الجاري هي الشاهد الجديد على ذلك، فبدلا من ان يتحول ذلك الموعد الى يوم نصر وطني يحتفي فيه كل الفرقاء بقدرة ديمقراطيتهم على استكمال مسارها، رغم كل الصعوبات والعراقيل التي واجهتها فقد أعادت النقاشات العقيمة التي تلت ظهور النتائج الاولية للانتخابات، الجدل المزمن حول حقيقة التطبيع الفعلي بين الإسلاميين والدولة، وحول ما إذا كان نجاح التجربة الديمقراطية مرتبطا بالضرورة بفشلهم أو إفشالهم بطريقة ما ولو ضد إرادة الصندوق.

لم تزور الأوراق مثلما كان يحصل في الماضي، بل أقر الجميع هذه المرة بحسن سير العملية، بمن فيهم بعثة الاتحاد الاوروبي، التي اقرت بأن «الناخبين التونسيين تمكنوا في السادس من مايو من التعبير عن اختيارهم بكل حرية عبر انتخابات ذات مصداقية». لكن ولأن الأرقام كما يقول المثل المعروف لا تكذب، فقد فصلها بعض العلمانيين والحداثيين مثلما شاؤوا. ولم يعد حصول حركة النهضة على أعلى عدد من الأصوات في ثلاثمئة وخمسين دائرة انتخابية هي مجموع الدوائر البلدية بالنسبة لهم يعني فوزها في الانتخابات، بل صار مؤشرا على أنها انهزمت فيها بفوزها بالمرتبة الاولى مثلما كتب أحد الإعلاميين على صفحته على فيسبوك، شارحا تلك النظرية بالقول «خلافا لما يعتقده الكثيرون فالنهضة حزينة لفوزها والتظاهر بالفرح يخفي هلعا كبيرا وخوفا أكبر على حظوظها في مقبل الاستحقاقات. ففي ظرف ست سنوات فقط خسرت النهضة مليونا ومئتي ألف ناخب، اي جزء مهم جدا من قواعدها، وهذه كارثة بكل المقاييس عندما يتعلق الأمر بحزب عقائدي. فوزها في البلديات جاء بطعم المرارة، لأن ما توفر لها من إمكانيات مادية ولوجستية كان أضعاف أضعاف ما توفر لخصومها، ومع ذلك كانت الحصيلة مهينة.

فوزها جاء بطعم المرارة لأنه حصل أمام خصوم سياسيين في اضعف حالاتهم… ولأن الغنوشي تنازل عن كل قناعاته مؤقتا ليسحب ورقة النساء من تحت أقدام الباجي، ولكن مقاطعة النساء للانتخابات أفسدت حساباته… فوزها بطعم المرارة، لأن غياب الشباب وإن كان مألوفا فإنه يصبح أمرا صادما ومفجعا عندما يتعلق الامر بغياب شباب النهضةـ فهو علامة على بداية تفكك وتآكل الحركة على مستوى القواعد وتعمق الشرخ بين القيادة وقواعدها». ولم يقل ذلك الاعلامي ولا غيره، هل ان الحداثيين والعلمانيين انتصروا بالمقابل بهزيمتهم الانتخابية تلك أم لا؟ وما الذي ستفعله تونس بمئات الآلالف من التونسيين الذين منحوا أصواتهم للنهضة، ولم يمنحوها لخصومها العلمانيين. والأدهى من ذلك هو ما فعلته بعض الوجوه الحداثية حين اعترضت على أن تتولى امرأة رئاسة بلدية العاصمة للمرة الاولى في تاريخ تونس، رغم فوزها باعلى نسبة من اصوات الناخبين، مبررة ذلك الرفض إما بأسباب دينية، على اعتبار ان تونس دولة إسلامية ولا يجوز لامرأة أن تحضر حفلا دينيا بالمسجد لليلة السابع والعشرين من رمضان، مثلما قال المتحدث باسم حزب النداء، أو بأسباب جهوية مثلما فعل أحد المسرحيين الحداثيين حين اعتبر أن المرشحة النهضوية ليست بنت العاصمة.

لقد قاموا بالمختصر المفيد بانقلاب على الحداثة وجعلوها على رأي ماركس تمشي على رأسها. ولم يفهموا حتى الان ان تونس تتسع للجميع وانها لا تحتمل الفرز أو الإقصاء. ولم ينظروا و لوقليلا في المرآة ليروا جيدا زلاتهم وأخطاءهم ويفهموا بعيدا عن «الغول الاسلامي» كيف ضيعوا كل فرص النجاح التي توفرت لهم بتلك السهولة وذلك الغباء!


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الإنتخابات البلدية، بقايا فرنسا، العلمانيون بتونس،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 17-05-2018   المصدر: القدس العربي

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د. عبد الآله المالكي، محمد شمام ، محمود طرشوبي، أبو سمية، إسراء أبو رمان، د - المنجي الكعبي، صالح النعامي ، صباح الموسوي ، الهادي المثلوثي، د - أبو يعرب المرزوقي، د. نهى قاطرجي ، سوسن مسعود، د.محمد فتحي عبد العال، د - محمد بنيعيش، سلوى المغربي، محمد تاج الدين الطيبي، د. صلاح عودة الله ، د. الشاهد البوشيخي، د - صالح المازقي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، عراق المطيري، د. محمد يحيى ، فاطمة عبد الرءوف، أحمد بن عبد المحسن العساف ، حسن عثمان، عزيز العرباوي، رشيد السيد أحمد، عبد الله زيدان، سامر أبو رمان ، فوزي مسعود ، مجدى داود، خبَّاب بن مروان الحمد، د- هاني السباعي، رأفت صلاح الدين، د - محمد سعد أبو العزم، محمد اسعد بيوض التميمي، فهمي شراب، أحمد النعيمي، صفاء العراقي، يحيي البوليني، حاتم الصولي، إيمان القدوسي، علي الكاش، الشهيد سيد قطب، محمود فاروق سيد شعبان، رحاب اسعد بيوض التميمي، عواطف منصور، د. محمد مورو ، محمود صافي ، فتحـي قاره بيبـان، منى محروس، د. خالد الطراولي ، عبد الرزاق قيراط ، د - مصطفى فهمي، إيمى الأشقر، د- محمد رحال، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د - محمد بن موسى الشريف ، كريم السليتي، معتز الجعبري، بسمة منصور، رمضان حينوني، د - شاكر الحوكي ، د- محمود علي عريقات، أحمد ملحم، سيد السباعي، د. طارق عبد الحليم، فراس جعفر ابورمان، رافع القارصي، رافد العزاوي، د. أحمد محمد سليمان، ابتسام سعد، حميدة الطيلوش، د- هاني ابوالفتوح، د. جعفر شيخ إدريس ، محمد إبراهيم مبروك، د - محمد عباس المصرى، فتحي الزغل، د - مضاوي الرشيد، صفاء العربي، د - احمد عبدالحميد غراب، الهيثم زعفان، مصطفى منيغ، فتحي العابد، كريم فارق، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، فاطمة حافظ ، د. محمد عمارة ، منجي باكير، د - غالب الفريجات، تونسي، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د. ضرغام عبد الله الدباغ، رضا الدبّابي، صلاح المختار، مصطفي زهران، محمود سلطان، شيرين حامد فهمي ، صلاح الحريري، محرر "بوابتي"، العادل السمعلي، أحمد بوادي، سفيان عبد الكافي، جاسم الرصيف، سامح لطف الله، د. أحمد بشير، عمر غازي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، عبد الغني مزوز، أنس الشابي، د. مصطفى يوسف اللداوي، حسني إبراهيم عبد العظيم، وائل بنجدو، أحمد الحباسي، أشرف إبراهيم حجاج، د- جابر قميحة، د. الحسيني إسماعيل ، جمال عرفة، ماهر عدنان قنديل، أ.د. مصطفى رجب، حسن الحسن، سيدة محمود محمد، محمد عمر غرس الله، كمال حبيب، المولدي الفرجاني، حسن الطرابلسي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، هناء سلامة، سلام الشماع، الناصر الرقيق، سحر الصيدلي، عدنان المنصر، سعود السبعاني، يزيد بن الحسين، نادية سعد، أحمد الغريب، ياسين أحمد، محمد العيادي، محمد أحمد عزوز، مراد قميزة، علي عبد العال، د - الضاوي خوالدية، د.ليلى بيومي ، د. نانسي أبو الفتوح، محمد الياسين، حمدى شفيق ، عبد الله الفقير، طلال قسومي، إياد محمود حسين ، عصام كرم الطوخى ، محمد الطرابلسي، خالد الجاف ، د. عادل محمد عايش الأسطل،
أحدث الردود
انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة