تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

الثورة التونسية المهدورة

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


التونسيون أهدروا ثورتهم.. هذه حقيقة ماثلة، ولن يخفف منها أنهم لم يحملوا السلاح ويقتتلوا. إنهم يقتتلون بلا دم، والثورة هي الضحية؛ لأن حجم المكاسب من الثورة ودماء الشهداء ضنين، والقادم أقل إبداعا مما مضى في السنوات السبع، ولا داعي لكتابة جمل تعد بما هو أفضل في قادم الأيام، فمن رائحة الطبخة نعرف مذاقها. لقد عاد النظام القديم إلى الحكم، وهو يسخر من الثورة ويفتت مكاسبها القليلة. أكتب هذا بعد هيجان كثير من الشباب وتهديدهم بالعودة إلى الشارع، بعد أن تكشف فصل آخر من عبث المنظومة القديمة المتحكمة فعلا في مكتسبات الثورة، ومنها هيئة الحقيقة والكرامة، ومحاولة حلها قبل استيفاء أعمالها. لم يعد يمكن العودة إلى الشارع؛ لأن المستفيدين من وضع الانتقال الديمقراطي بالحد الأدنى يقفون ضد الشارع أكثر من أنصار المنظومة القديمة نفسها.

المطلبية ميعت الثورة

أغلب الشباب الذين يدعون الآن إلى العودة إلى الشارع كانوا شهودا على تحول الثورة منذ ساعاتها الأولى إلى مطلبية مادية بحتة، بل كان الكثير منهم وقود النضال المطلبي، فاختصروا عملية القضاء على المنظومة وانصرفوا إلى تحسين أوضاعهم المادية.

سيقول الكثير منهم هنا إن العيب كان في القيادات السياسية التي سارعت إلى احتلال مواقع في قيادة المرحلة مضحية بأهداف الثورة التأسيسية، وإن الثورة كانت بلا قيادة ثورية.. وهذا صحيح، لكنه لا يبرَر بعد انكشاف النوايا والأساليب مواصلة المطلبية التي أجهزت على كل احتمال تصفية المنظومة وإبعادها عن مواقع التأثير، بل سأكتب دوما أن المنظومة عادت إلى الحكم بالنضال المطلبي قبل أن تعود بقوتها الذاتية المنهارة.

هل كان تأجيل المطلبية ممكنا؟ أقول إنه كان ضروريا، وكان ذلك يقتضي إعادة النظر في المكانة المدعاة للنقابة التي ستتولى باسم الثورة تحويل الثورة إلى زيادة في الرواتب. فالنقابة التي تدربت على توظيف النقابي في العمل السياسي؛ تملكت زمام المطلبية في كل قطاع منذ سنة 2011، في وقت كانت حاجة الثورة ملحة إلى تفكيك المنظومة بكل أسلوب ثوري متاح، وليس بالضرورة بالدم أو بالسحل في الشوارع.

وأفحشت النقابة في المطلبية بعد أول حكومة منتخبة، وانساق معها الشباب الذي يحلم الآن بالشارع، دون وعي بأن المطلبية كانت عملا سياسيا موجها ضد طرف سياسي وصل للحكم بالانتخابات. كانت المطلبية المغرية بأجور ومنح وتشغيل تخفي أجندة سياسية يقودها الخاسرون في انتخابات 2011، ومنها قطاع واسع من كوادر حزب التجمع وشبابه الذين تحولوا فجأة من الشعب المهنية إلى نقابات قاعدية تغلق أبواب الإدارة وتفرض مطالب تضع من يحكم أمام خيارين أحلاهما مر: انهيار المسار السياسي المتفق عليه أو الاستجابة للمطالب التي لا تنتهي. وكان هذا الوضع هو الذي جعل أبناء الثورة يغفلون عن عودة المنظومة بالتدريج، حتى استفاقوا عليها تحكم بعد 2014. لقد عادت المنظومة على كتفي النقابة الثورية التي زعمت أنها أسقطتها، بما يجعل النقابة جزءا من المنظومة الفاسدة التي لا يراها الشباب المتحمس بعد.

هل يمكن للقائلين الآن بالعودة إلى الشارع؛ الانتباه إلى الدور التخريبي الذي قامت به النقابة ومن يتخفى داخلها؟ أجزم بأن الجواب: لا، فالنقابة تعرف كيف تجعل نفسها خارج النقد، بل كيف تحظى بقدسية، وما لم يبدأ الشباب من تحجيم النقابة وإعادتها إلى حجمها النقابي، فإن أي حديث عن الشارع هو لغو وأمنيات لم تتعلم شيئا من سبع سنوات من هدر الثورة باسم الثورة.

الطبقة السياسية مصابة بجرثومة السلطة

كل الطيف الذي مارس السياسة منذ الثورة مصاب بجرثومة الحكم، ويريد الحصول على قسط منه. وكانت النقابة تعرف ذلك، فهي تحمل نفس الجرثومة، غير أنها تتحرك من خارج الحكم، فملكت زمام المطلبية، فأغرت الجميع. وكانت بقية المكونات التي عارضت حكومة الترويكا ترى انهيارها تحت ضربات النقابة، وتشارك مستمتعة ومنتظرة الحلول محلها.

لقد ثبت بكل الأدلة أن الطبقة السياسية تخاف من النقابة، وتتجنب مواجهتها حتى باللوم الخفيف. جميعهم في المجالس الخاصة يقولون إن النقابة خربت الثورة وخربت البلد، ولكنهم يصدرون بيانات مساندة لكل تحركاتها، بما في ذلك تخريب المدرسة باسم إصلاحها.

إن ضعف الطبقة السياسية أمام النقابة متأت أساسا من رؤيتهم السياسية القاصرة، فالسياسة الناجحة عندهم هي التي تؤدي مكسب شخصي، ومواجهة النقابة تعني سقوطهم. والمنظومة القديمة تعرف نقطة الضعف هذه، فلا تردع النقابة، بل تحرضها بمزيد من الانسحاب أمامها، بل بإشراكها من موقع متقدم في القرار السياسي، ولذلك تدعوها للإمضاء على وثيقة قرطاج مثلا، لتمكنها من مزيد من القوة، ثم لا تعقد أمرا حتى تنظر فيها النقابة وتوافق.

في بلد تعين فيه النقابة الوزراء وتسقط الحكومات؛ لا تخسر المنظومة القديمة، بل تخسر الثورة؛ لأن مكونات المنظومة لا تخسر شيئا في المطلبية المجحفة. فطبقة رجال الأعمال الفاسدين (وهم عماد المنظومة وممولوها) لم يشهدوا إضرابا واحدا في مؤسساتهم ولا أزعجت النقابة حضراتهم، بل اشتغلت النقابة كآلية تعطيل للإدارة والمؤسسات العمومية بالأساس، وهو أمر لا يعني رجال المال الذين يدفعون الوضع لمزيد من التعفن. فكل تعفن سياسي يشغل الناس عن مطلب المحاسبة التي ترعبهم.

الهيئة آخر أوراق الثورة المهدورة

ليس للشباب خطة غير ما ترسمه أحزابهم، والباقون خارج الأحزاب قلوب كبيرة وأياد قصيرة. يرون أمامهم أن هيئة الحقيقة والكرامة هي آخر يتيم على مأدبة لئام، ويرون أنه قد تم إفراغ الدستور من مضامينه الثورية، رغم ما يبشرنا به المتفائلون الغفل من إنجاز الانتخابات البلدية. وأفرغت بقية الهيئات من دورها، فهي تخدم الآن مصلحة المنظومة رغم الخطاب الثوري الكاذب. ويجري الآن رفض التمديد لعمل الهيئة، رغم وضوح النص القانون الذي يحكم وجودها وعملها. ملفات الفساد جاهزة، وتمريرها إلى القضاء يعني بدء المحاسبة، وهذا لن يمر. فهو نهاية المنظومة، بما فيها النقابة ورجالاتها الوالغون في فساد كبير.

الثورة في قلة من أهلها وتحتاج لتوليد أمل من الصلد الشديد

وقفة مساندة للهيئة أمام البرلمان لم تتجاوز المئة شخص، وأصوات إنقاذ الهيئة من داخل المجلس تضيع في جعجعة أعدائها الوقحين، والخروج من الأزمة سيكون بثمن من العدالة الانتقالية. ولا ندري أين تجري مفاوضات الصفقة على مستقبل الهيئة، لكن المأزق أكبر من أن يحل ديمقراطيا (طبقا لقواعد العمل البرلماني).

من سيولد الأمل؟ وأين؟ وبماذا في غياب شارع يراقب ولا يتدخل، فإذا تدخل لم يتجاوز فيسبوك التونسي الكسول عن الشارع؟ أيام عسيرة تمر بها تونس وتمر بها الثورة، وتمر بها آخر مؤسسة من مؤسساتها. نراقب هدر الثورة وهدر فرصة النجاة بتونس من الدكتاتورية، ونرى مشوار صعود الربوة من جديد، ونقيس الشقاء القادم وثمن الألم والدم.

يمكننا أن نحوقل، ولكن كل كلام دون شارع جهير يتلاطم هو هدر آخر. لقد تخلى الفقراء عن ثورتهم.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الثورة التونسية، الثورة المضادة، بقايا فرنسا،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 28-03-2018   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
إيمان القدوسي، عبد الله زيدان، علي عبد العال، عمر غازي، كمال حبيب، د - المنجي الكعبي، صلاح الحريري، عدنان المنصر، عبد الغني مزوز، سفيان عبد الكافي، المولدي الفرجاني، فاطمة عبد الرءوف، د- محمود علي عريقات، طلال قسومي، د. عادل محمد عايش الأسطل، الهادي المثلوثي، د. محمد مورو ، د - محمد بن موسى الشريف ، د - محمد بنيعيش، محمود طرشوبي، فتحـي قاره بيبـان، شيرين حامد فهمي ، يحيي البوليني، د. الحسيني إسماعيل ، نادية سعد، د. مصطفى يوسف اللداوي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، مراد قميزة، إيمى الأشقر، محمد تاج الدين الطيبي، معتز الجعبري، سلوى المغربي، يزيد بن الحسين، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د - غالب الفريجات، تونسي، د - محمد عباس المصرى، ابتسام سعد، محمد اسعد بيوض التميمي، إسراء أبو رمان، أحمد بوادي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د.محمد فتحي عبد العال، د - مصطفى فهمي، د- محمد رحال، رافع القارصي، د. أحمد بشير، د. خالد الطراولي ، حاتم الصولي، د.ليلى بيومي ، محمود صافي ، سعود السبعاني، جمال عرفة، حسن الطرابلسي، د - مضاوي الرشيد، الناصر الرقيق، د- هاني السباعي، أحمد الغريب، رشيد السيد أحمد، د. الشاهد البوشيخي، د. محمد عمارة ، عواطف منصور، حسني إبراهيم عبد العظيم، محمد أحمد عزوز، سامر أبو رمان ، أبو سمية، الهيثم زعفان، خالد الجاف ، كريم فارق، فوزي مسعود ، د. أحمد محمد سليمان، سيدة محمود محمد، سحر الصيدلي، إياد محمود حسين ، رحاب اسعد بيوض التميمي، محمد إبراهيم مبروك، فاطمة حافظ ، فتحي العابد، منجي باكير، عبد الله الفقير، د - احمد عبدالحميد غراب، د. طارق عبد الحليم، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د - صالح المازقي، حميدة الطيلوش، محمود سلطان، جاسم الرصيف، د. ضرغام عبد الله الدباغ، مصطفى منيغ، سلام الشماع، صباح الموسوي ، فتحي الزغل، د. محمد يحيى ، رضا الدبّابي، د - شاكر الحوكي ، د- جابر قميحة، كريم السليتي، ياسين أحمد، د - أبو يعرب المرزوقي، محمد شمام ، عصام كرم الطوخى ، صالح النعامي ، سامح لطف الله، فهمي شراب، رأفت صلاح الدين، صفاء العربي، ماهر عدنان قنديل، سيد السباعي، أحمد النعيمي، د. صلاح عودة الله ، حمدى شفيق ، د- هاني ابوالفتوح، العادل السمعلي، محمود فاروق سيد شعبان، الشهيد سيد قطب، محمد عمر غرس الله، أحمد الحباسي، بسمة منصور، محمد العيادي، أ.د. مصطفى رجب، أشرف إبراهيم حجاج، صفاء العراقي، فراس جعفر ابورمان، محمد الياسين، د. عبد الآله المالكي، عبد الرزاق قيراط ، علي الكاش، حسن الحسن، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، صلاح المختار، رافد العزاوي، عزيز العرباوي، محمد الطرابلسي، د. نانسي أبو الفتوح، د. كاظم عبد الحسين عباس ، وائل بنجدو، د. نهى قاطرجي ، هناء سلامة، رمضان حينوني، سوسن مسعود، محرر "بوابتي"، مصطفي زهران، عراق المطيري، مجدى داود، أنس الشابي، أحمد ملحم، د - الضاوي خوالدية، حسن عثمان، خبَّاب بن مروان الحمد، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، منى محروس، د. جعفر شيخ إدريس ، د - محمد سعد أبو العزم،
أحدث الردود
هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

نتيجة ما تعانيه بناتنا في الاتجاة نحو طريقا لانحبذة ولانرضه لكل فتاة أي كانت غنية اوفقيرة ولكن مشكلتنا في الدول العربية الفقر ولذاعلي المنظمات الاجتما...>>

من صدق مجتمع رايح فيها انا متزوج مغربيه بس مو عايشين هنا ولا ابغى ارجع المغرب رحتها يوم زواجي وماعدتها بلد دعاره بامتياز حتى الاسره المغربيه منحله الب...>>

أعيش في مصر جاءت احدي الفتيات المغربيات للعمل في نفس الفندق الذي اعمل به وبدأت باكثير من الاهتمام والإغراء والحركات التي تقوم بها كل امرأه من هذه النو...>>

Assalamo alaykom
Yes, you can buy it at the Shamoun bookshop in Tunis or any other; 4 ex: Maktabat al-kitab in the main street of capital....>>


Assalamo alaykom. I World like to Buy this new tafseer. Is it acai available in in the market? Irgendwie how i can get it? Thanks. Salam...>>

المغاربة المصدومين المغربيات تمارس الدعارة في مصر و لبنان و الخليج باكلمه و تونس و تركيا و البرازيل و اندونيسيا و بانكوك و بلجيكا و هولندا ...>>

- لا تجوز المقارنة علميًا بين ذكر وأنثى مختلفين في درجة القرابة.
- لا تجوز المقارنة بين ذكر وأنثى: أحدهما يستقبل الحياة والآخر يستدبرها.
...>>


الى هشام المغربى اللى بيقول مصر ام الدعارة ؟ انا بعد ما روحت عندكم المغرب ثلاث مرات لو مصر ام الدعارة اذا انتم ابوها و اخوها و خالتها و اختها و عمتها ...>>

الأخ أحمد أشكرك وأثمّن مساندتك...>>

الاخ فوزى ...ربما نختلف بالطول و العرض و نقف على طرفى نقيض و لكل واحد منا اسبابه و مسبباته ..لكن و كما سجلنا موقفنا فى حينه و كتبنا مقالا فى الغرض ند...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة