تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

أيهما أقرب لتونس.. أنقرة أم باريس؟

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


حالة من الفرح الرسمي السائد هذه الأيام بزيارة الرئيس الفرنسي إلى تونس، وفي المقابل، كانت حالة من الحزن العام الذي ساد البلد حين زيارة الرئيس التركي في شهر ديسمبر من السنة المنقضية، في حين كان يمكن لدولة مثل تونس أن تستفيد كل الاستفادة من الزيارتين دون أن تبذل ماء الوجه لواحد وتعرض عن آخر كما لو أنها تختار بين فحلين لتنجب مستقبلها.

إن الانقسام السياسي بين النخب الموالية لهذا الطرف أو ذاك يؤدي بالبلد إلى التهلكة السياسية ويحرم اقتصادًا في حالة إفلاس من فرص فتح المنافسة وجذب الآخرين إلى مربع العطاء الأقصى بالنظر إلى أن الرساميل لا وطن لها في زمن معولم عبر تحريض التنافس، ولكن يبدو أن الخيال السياسي لهذه النخب يأبى التطور في اتجاه يخدم البلد، بل يحرص على البقاء في مربع التبعية للقطب الواحد والسلعة الواحدة فيضيّق على نفسه عامدًا.

الخيال الاستثماري الضيق الأفق

ورثنا علاقة قوية مع فرنسا الدولة الاستعمارية، وكان الارتباط معها في أول الاستقلال مقبولاً ومبررًا بالنظر إلى أن الإدارة كانت بين يدي الفرنسيين وكان تحريرها منهم دفعة واحدة مكلفًا ومؤذنًا بعطالة كاملة، فالتونسيون كانوا في الأعم الأغلب أميين (التعليم الديني كان مستبعدًا من الإدارة إلا في التعليم الابتدائي) ولم يكن لدى الدولة كادر إداري كافٍ (يتقن الفرنسية) لبناء دولة حديثة.

عملت المدرسة التونسية على توفير هذا الكادر الإداري بسرعة وقد أفلحت من حيث العدد، ففي ظرف عشريتين كانت كل الإدارة تدار من تونسيين ولكن فشلت من حيث المضمون؛ فالكادر التونسي تحول إلى نسخة من الكادر الفرنسي وظلت الإدارة تفكر بالفرنسية لا في مستوى اللغة المستعملة (نطقًا وكتابة) فحسب، بل في الحفاظ على قدسية العلاقة مع الدولة الفرنسية في مجال الاقتصاد والثقافة ونمط التفكير عامة، فكأن الاستعمار الفرنسي صنع له تُبَّعًا وأورثهم إدارة البلد لخدمته لا لخدمة بلدهم، (توجد في هذا التعميم استثناءات قليلة لكنها استثناءات تؤكد قاعدة).

بعد ستين سنة ونيف ما زلت الإدارة (السيستم) تفكر بالفرنسية ولا يتسع خيالها لاحتمالات التخلص من التبعية لقطب واحد والانفتاح على أقطاب متعددة تطرق أبواب الاقتصاد التونسي بحثًا عن فرص لها قد يكون فيها فائدة كبيرة للبلد، من هذه الزاوية نقرأ الاستبشار بزيارة الرئيس الفرنسي لتونس نهاية الشهر وبها قرأنا الاشمئزاز من زيارة الرئيس التركي.

مظاهر استمرار الهيمنة الفرنسية على تونس

يمكننا أن نورد أمثلة للدلالة ولكن لا يمكننا الإحاطة بكل مظاهر هذه الهيمنة، ونذكّر بحرص فرنسا حتى الساعات الأخيرة على بقاء ابن علي في السلطة بعد ربع قرن من الدعم المباشر لحكمه، ثم تدخلها المباشر في تشكيل الحكومات التي أعقبت الثورة وخاصة حكومتي محمد الغنوشي التي رفدتها بنخبة تونسية لا تفكر إلا في مصلحة فرنسا ولا يزال بعضها يشكل ركائز في المشهد السياسي الحاليّ.

لكن هذه الهيمنة أوسع من التدخل المباشر، فلقد أعربت فرنسا عن غضبها من الاحتجاجات الشعبية تحت يافطة "وين البترول"، لقد كانت الاحتجاجات تتجه إلى مراجعة العقود المبرمة وكشف حيثياتها، إذ تبين أن صفقات الطاقة والمناجم بما في ذلك الملح دبرت بليل، فلما طالب التونسيون بكشفها ضغطت فرنسا فختم على الملف وميعت الاحتجاجات.

كشف الرئيس الفرنسي الأسبق فرنسوا هولاند أمر مهم جدًا وهو أنه أعطى أوامر مباشرة بتنفيذ اغتيالات في بلد إفريقي، وطبعًا لم تتفاعل الإدارة التونسية بدءًا بالرئيس وتثنية بالحكومة وتثليثًا بالأحزاب الحاكمة والمعارضة مع هذه التصريحات لاختبار علاقتها بالاغتيالات في تونس وهي الاغتيالات التي كسرت ظهر الثورة وأجبرت الحكومات المنتخبة على التخلي (طبعًا تحت ضغط أنصار فرنسا في الداخل).

فضلاً عن التدخل السياسي المباشر والتأثير القوي على العملية الاقتصادية، تتمتع فرنسا بجالية تونسية تخدمها هنا وليس فقط في باريس، ففي تونس من يطالب بإلغاء تدريس العربية مثلاً وفرنسة المدرسة بشكل كلي، كما هناك من يدعو إلى إعادة الفرنسية كلغة رسمية للإدارة، وفي الأثناء تموّل فرنسا عبر مؤسسات الفرانكفونية أغلب الأعمال الثقافية في تونس التي تضع في مقدمة مشاغلها مسائل تتعلق بحرية المثلية الجنسية وحقوق الحيوان واصطناع فرقة بين العرب والأمازيغ وغيرها من المسائل التي تفرض على النقاش العام لتمنع القضايا الحقيقة من الدخول في جدول أعمال التونسيين وتفكيرهم مثل مصير المواد الطاقية والمنجمية واستصلاح الأراضي وتثوير الزراعة وبناء ثقافة وطنية مستقلة عن هوامش التفكير الفرنسي.

تتجمع كل هذه المؤشرات وهي غيض من فيض، لتجعل الرئيس الفرنسي يزور حديقته الخاصة وله للطرافة سفير يدخل بيوت التونسيين ويشرب معهم الشاي في مطابخهم ويتقبل منهم باقات الورد عندما تصيب فرنسا مصيبة، ورغم ذلك نسأل: هل الرئيس التركي أفضل من الرئيس الفرنسي؟

ماذا نريد من الآخرين؟

لدينا مئات الحجج على أن الرئيس التركي كان أقرب إلينا من الفرنسي بعد الثورة خاصة أنه مد يد المساعدة للثورة وللبلد في قمة الأزمة الاقتصادية والأمنية التي أعقبتها، ولكن رغم ذلك يظل من حقنا أن نجري المقارنة للخروج من وضع الاستبضاع السياسي لأي كان مهما أظهر لنا من المودة، فليس هناك كما يقول التونسيون قط يصطاد لوجه الله.

هنا والآن يحتاج البلد إلى خيال خصب لبناء وضع جديد يكرس الاستقلال والسيادة الوطنية على الثروات خاصة وعلى مصير البلد عامة، فالعالم مفتوح ولا شيء يجبر بلدًا مستقلاً (شكلاً على الأقل) أن يربط نفسه في وتد واحد ويظل يطوف حوله حتى ينكسر، لكن أين النخبة السياسية التي يمكنها أن تقوم بذلك؟ إنني لا أراها رغم المتابع اللصيقة.

طرح الاستقلال مقابل طرح التبعية

هذا كان أحد مطالب الثورة وقد رفع الشارع شعارات ضد فرنسا بالتخصيص، ولا يزال كثير من الشباب يرى في مقر السفير الفرنسي بشارع الثورة (وهو نفس مقر المقيم العام الفرنسي الاستعماري) عدوانًا صارخًا على البلد المستقل، لكن هذا الخيال يحتاج اتفاقًا وطنيًا صلبًا لا تفاوض فيه الأحزاب على المبادئ المؤسسة للجمهورية ولا أن تستبدل سيدًا بآخر.

عندما يصل الرئيس الفرنسي إلى تونس سيفتح له البرلمان ليلقي خطابًا، وسيفرح أنصاره في تونس بأنهم فرضوا ذلك بعد أن فرضوا منع الرئيس التركي من إلقاء خطاب مماثل.

نحن إذًا نحلم بنخبة متفقة على استقلال القرار الوطني، ولكن نعاين استبضاعًا رخيصًا للرئيس الفرنسي من أجل استدامة مصالح فرنسا في تونس ونضطر للمقارنة الموجعة، النخبة التي تحسن عرض مفاتن البلد على الرئيس الفرنسي اختارت بدورها السهولة والذلة على الشرف ومعاناة كلفة السيادة النابعة من رؤية للعالم تكون فيها كرامة الأوطان رصيدًا لا يحسب بالدنانير.



 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، فرنسا، تركيا،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 28-01-2018   المصدر: نون بوست

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
كمال حبيب، كريم فارق، ياسين أحمد، العادل السمعلي، منى محروس، د - المنجي الكعبي، محرر "بوابتي"، مراد قميزة، عمر غازي، د - أبو يعرب المرزوقي، د. محمد عمارة ، أحمد النعيمي، ابتسام سعد، محمد اسعد بيوض التميمي، سحر الصيدلي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، صالح النعامي ، د. نهى قاطرجي ، رمضان حينوني، مصطفى منيغ، الهادي المثلوثي، رافع القارصي، د. محمد مورو ، سوسن مسعود، د. الشاهد البوشيخي، مجدى داود، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د - غالب الفريجات، بسمة منصور، سيدة محمود محمد، فتحـي قاره بيبـان، سيد السباعي، فوزي مسعود ، د- محمود علي عريقات، إياد محمود حسين ، عبد الغني مزوز، جاسم الرصيف، شيرين حامد فهمي ، حسني إبراهيم عبد العظيم، رحاب اسعد بيوض التميمي، د. طارق عبد الحليم، محمد الطرابلسي، مصطفي زهران، الهيثم زعفان، عبد الله الفقير، د - صالح المازقي، أحمد بوادي، رضا الدبّابي، د. أحمد محمد سليمان، عبد الله زيدان، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، عراق المطيري، إيمى الأشقر، حسن عثمان، معتز الجعبري، صفاء العربي، إسراء أبو رمان، د- جابر قميحة، رافد العزاوي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، عزيز العرباوي، ماهر عدنان قنديل، محمد أحمد عزوز، أحمد الغريب، رأفت صلاح الدين، د. جعفر شيخ إدريس ، حسن الحسن، عصام كرم الطوخى ، صلاح المختار، صفاء العراقي، حمدى شفيق ، د - مضاوي الرشيد، عبد الرزاق قيراط ، د- هاني السباعي، إيمان القدوسي، د - الضاوي خوالدية، د. خالد الطراولي ، د. أحمد بشير، سعود السبعاني، د - محمد بنيعيش، نادية سعد، هناء سلامة، حسن الطرابلسي، حميدة الطيلوش، د.ليلى بيومي ، أ.د. مصطفى رجب، سامر أبو رمان ، يزيد بن الحسين، محمد شمام ، د - احمد عبدالحميد غراب، د. محمد يحيى ، علي عبد العال، محمد عمر غرس الله، أبو سمية، د - محمد عباس المصرى، فراس جعفر ابورمان، د. عادل محمد عايش الأسطل، خبَّاب بن مروان الحمد، د- هاني ابوالفتوح، علي الكاش، عواطف منصور، د. ضرغام عبد الله الدباغ، كريم السليتي، أحمد الحباسي، حاتم الصولي، د- محمد رحال، د. عبد الآله المالكي، منجي باكير، د. صلاح عودة الله ، تونسي، رشيد السيد أحمد، محمد تاج الدين الطيبي، طلال قسومي، سفيان عبد الكافي، سلوى المغربي، د. الحسيني إسماعيل ، خالد الجاف ، د - محمد بن موسى الشريف ، فهمي شراب، د - مصطفى فهمي، فتحي العابد، فاطمة حافظ ، محمود صافي ، محمود سلطان، صلاح الحريري، الشهيد سيد قطب، عدنان المنصر، محمد إبراهيم مبروك، أحمد ملحم، فتحي الزغل، د. كاظم عبد الحسين عباس ، المولدي الفرجاني، جمال عرفة، د. مصطفى يوسف اللداوي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، سلام الشماع، د.محمد فتحي عبد العال، د - محمد سعد أبو العزم، أنس الشابي، وائل بنجدو، الناصر الرقيق، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، محمد العيادي، صباح الموسوي ، د - شاكر الحوكي ، فاطمة عبد الرءوف، محمود فاروق سيد شعبان، يحيي البوليني، أشرف إبراهيم حجاج، سامح لطف الله، محمد الياسين، د. نانسي أبو الفتوح، محمود طرشوبي،
أحدث الردود
هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

نتيجة ما تعانيه بناتنا في الاتجاة نحو طريقا لانحبذة ولانرضه لكل فتاة أي كانت غنية اوفقيرة ولكن مشكلتنا في الدول العربية الفقر ولذاعلي المنظمات الاجتما...>>

من صدق مجتمع رايح فيها انا متزوج مغربيه بس مو عايشين هنا ولا ابغى ارجع المغرب رحتها يوم زواجي وماعدتها بلد دعاره بامتياز حتى الاسره المغربيه منحله الب...>>

أعيش في مصر جاءت احدي الفتيات المغربيات للعمل في نفس الفندق الذي اعمل به وبدأت باكثير من الاهتمام والإغراء والحركات التي تقوم بها كل امرأه من هذه النو...>>

Assalamo alaykom
Yes, you can buy it at the Shamoun bookshop in Tunis or any other; 4 ex: Maktabat al-kitab in the main street of capital....>>


Assalamo alaykom. I World like to Buy this new tafseer. Is it acai available in in the market? Irgendwie how i can get it? Thanks. Salam...>>

المغاربة المصدومين المغربيات تمارس الدعارة في مصر و لبنان و الخليج باكلمه و تونس و تركيا و البرازيل و اندونيسيا و بانكوك و بلجيكا و هولندا ...>>

- لا تجوز المقارنة علميًا بين ذكر وأنثى مختلفين في درجة القرابة.
- لا تجوز المقارنة بين ذكر وأنثى: أحدهما يستقبل الحياة والآخر يستدبرها.
...>>


الى هشام المغربى اللى بيقول مصر ام الدعارة ؟ انا بعد ما روحت عندكم المغرب ثلاث مرات لو مصر ام الدعارة اذا انتم ابوها و اخوها و خالتها و اختها و عمتها ...>>

الأخ أحمد أشكرك وأثمّن مساندتك...>>

الاخ فوزى ...ربما نختلف بالطول و العرض و نقف على طرفى نقيض و لكل واحد منا اسبابه و مسبباته ..لكن و كما سجلنا موقفنا فى حينه و كتبنا مقالا فى الغرض ند...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة