تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

نداء تونس والفساد.. خطان متلازمان

كاتب المقال عائد عميرة - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


بين الحين والأخر تطل علينا شخصيات نافذة في حزب نداء تونس الذي يقود الائتلاف الحاكم في البلاد، بتصريحات تؤكّد سيطرة الفساد والفاسدين على هذا الحزب وهياكله بالكامل، وتحوّله من حزب سياسي يدّعي الوطنية والشفافية إلى واجهة للفساد تمنح الوافدين إليها والداخلين إلى بين طاعتها صكّ الغفران والحصانة، ليخون بذلك الثقة التي منحها له طيف كبير من شعب تونس في انتخابات 2014، حتى أن البعض أصبح يعتبر "نداء تونس" والفساد كالخطان المتلاحمان لا ينفصل الواحد عن الثاني.

زمرة من الانتهازيين

في بداية تأسيسه، صيف سنة 2012، قال مؤسسو الحزب إن حزبهم يستند إلى الفكر الإصلاحي التونسي وإلى التراث الإنساني العالمي وقيم الحرية والعدالة الاجتماعية، وإنه يرنو إلى تكريس المواطنة وهيبة الدولة وحماية تونس من أيدي العابثين والحاقدين والطامعين فيها من الخارج والداخل، لكن بعد قرابة الست سنوات من التأسيس حصل العكس، فقد أصبح الحزب بمثابة "دكان لتبيض الفاسد".

من بين أسباب ذلك، أن أغلب الفاسدين احتمى بالحزب حتى قبل الإعلان عن تأسيسه، فقد جمع الباجي قائد السبسي الرئيس الحالي لتونس ومؤسس النداء في بداية تأسيس حزبه، يساريين ودستوريين وتجمعيين ورجال أعمال ونقابيين ومستقلين، القاسم المشترك بينهم "الفساد" و"الانتهازية".

انتخبهم الشعب، ومنحهم ثقته ليصلوا قبّة برلمان باردو، إلا أنهم غيّروا وجهتم وقبلتهم نحو جمع المال وكسب السلطة عوض وضع برامج لتنمية البلاد واخراجها من أزماتها المتكررة التي ضربت جلّ القطاعات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

فبوصولهم إلى البرلمان وتصدّر المشهد السياسي في البلاد، خانوا الأمانة وباعوا لمن يعطي أكثر، فقد شكّل نواب الحزب لوبيات مصالح داخل أروقة البرلمان، همّهم الوحيد جمع المال، أما إيصال صوت من انتخبهم والدفاع عن حقوقهم، فذلك شعار انتخابي ذهاب زمانه إلى حين محطة انتخابية أخرى قرب موعدها.

المصالحة مع الفاسدين

لم يكتفي النداء ونوابه وقياداته حتى أنصاره في المدن والقرى بتصدّر واجهة الفساد بعد الثورة فقط، بل عملوا على المصالحة مع الفاسدين قبل الثورة أيضا، فالقسم الأكبر من هؤلاء احتمى بالنداء ليشتري صكّ الغفران والتوبة ويتمتّع بالحصانة التي تحميه من المساءلة القضائية والأخلاقية.

ففي الوقت الذي كان فيه شعب تونس ينتظر من البرلمان الجديد اصدار قوانين استثنائية تردع الفساد، عكف "النداء" ورئيسه الأول "الباجي قائد السبسي" على صياغة مشروع قانون يتعلّق بالمصالحة مع هذه الأفة التي أربكت الاقتصاد التونسي وأثرت سلبًا على المجتمع، رغم معارضة العديد من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وطيف كبير من الشعب التونسي.

لم يعملوا على صياغته فحسب، بل حابوا الجميع للمصادقة عليه وتمريره ليعطوا انطباعا بتواصل منظومة الفساد التي كانت تحكم البلاد وخياراتها السياسية والاقتصادية الفاشلة، ومحاولة الالتفاف على المحاسبة كحلقة رئيسية ضمن مسار العدالة الانتقالية وتشريع الإفلات من المحاسبة والتطبيع مع الفاسدين.

فمثّل هذا القانون الذي تمّ المصادقة عليه، خرقًا واضحا للدستور وقانون العدالة الانتقالية ومنظومة كشف الحقيقة التي تقتضي فضح منظومة الفساد والاستبداد والتفريط في مصالح البلاد، وكشف خيوطها كاملة ومحاسبة المتورطين فيها بهدف منع تكرارها ومنع أي محاولة للإفلات من العقاب وتأسيسًا للمنظومة الديمقراطية المنشودة التي تقتضي المحاسبة والاعتذار قبل المصالحة والتجاوز.

حماية الفاسدين

فضلا عن المصالحة معهم، عمل "النداء" على حماية الفاسدين لحماية مصالحه، فالاثنين يشتركان في نفس المصلحة ونفس الهدف "السلطة" و"التحكم في أجهزة الحكم". فخلال فترة حكمه، فضّل "نداء تونس" أن يضمّ في حكومته وزراء تتعلّق بهم ملفات فساد حتى يتمكّن من التحكّم فيهم وابتزازهم ويكونوا أداة طيّعة لتنفيذ برنامجه.

فحتى المنشقين عن الحزب وعددهم أكثر من الباقين صلبه، والمؤسسين لدكاكين حزبية جديدة، كان السبب الأول لانسحابهم من "النداء" عدم تمكنهم من السرقة أكثر وتغلّب أخرين عليهم، ففضلوا الاستقالة حتى لا ينافسهم أحد في الفساد.

هذا الوضع جعل الفاسدين يتحكّموا في البلاد والعباد، حتى أنّ منظمة "مجموعة الأزمات الدولية" قالت في أحدث تقرير لها عن تونس، إنّ نحو 300 "رجل ظل" يتحكمون في أجهزة الدولة بتونس ويعرقلون الإصلاحات، وبعضهم يعطل تنفيذ مشاريع تنموية بالمناطق الداخلية ويحرك الاحتجاجات الاجتماعية فيها.

وحذرت المنظمة في تقريرها الذي حمل عنوان "الانتقال المعطَّل: فساد وجهوية في تونس" من أن مظاهر الإثراء من المناصب السياسية والإدارية والمحسوبية والسمسرة أصبحت تنخر الإدارة والطبقة السياسية العليا في تونس (الأحزاب، البرلمان..)، وعموم المواطنين أصبحوا يعتبرون أجهزة الدولة أجهزة "مافيوزية."

ووفقًا للتقرير فإن الفاعلين الاقتصاديين الذين مولوا الحملة الانتخابية لبعض الأحزاب السياسية التي وصلت إلى الحكم بعد انتخابات 2014، في إشارة إلى "النداء"، أصبحوا يؤثّرون مباشرة في تعيين الوزراء وكتاب الدولة وكوادر الإدارة المركزية والجهوية والمحلية بما في ذلك الديوانة وقوات الأمن الداخلي.

مسرحية سيئة الإخراج

أمام اشتداد الحملة على الحزب بعد اكتشاف خوره، أراد بعض القائمين على نداء تونس وهم قلّة قليلة أن يراوغوا الشعب ويقوم ببعض العمليات التمويهية على غرار ما أعلن عنه رئيس الحكومة يوسف الشاهد، من فتح "حرب على الفساد"، ينتصر فيها لتونس على الفساد والفاسدين.

غير أنه سرعان ما انكشف الأمر، فقد كانت مسرحية سيئة الإخراج، فكيف لحزب وصل إلى السلطة عبر دعم رجال أعمال فاسدين له، ويضم في صفوفه مئات المتورطين في قضايا فساد موضوعة أمام القضاء التونسي، أن يقود حملة مكافحة فساد.

والجميع يتذكر التقارير الإعلامية التي أكدت أن وصول يوسف الشاهد لمنصب رئاسة الحكومة تم بعد ضغط كبير مورس من قبل رجال أعمال، بعضهم موضوع تحت الإقامة الجبرية الآن، على رئيس الحكومة الأسبق الحبيب الصيد لتقديم استقالته بعد أن أعرب عن نيته مكافحة الفساد.

فلم تكن هذه الحملة غير إرادة شقّ في "النداء" يسعى لإعادة بسط نفوذه في البلاد وإحكام قبضته عليها بعد أن ضعفت وكادت تذهب لغيره، فالشاهد لم يبدأ هذه "الحرب"، حسب وصفه، إراديًا بل كان مأمورًا يتلقى الأوامر ممن أعلى منه مكانًا وممن أوصله لما هو فيه اليوم من منصب، فرئيس الحكومة التونسية لا يمتلك الرغبة ولا القدرة ولا الإمكانية لمحاربة الفساد، وإنما له إمكانية السمع والطاعة فقط.

الفساد يطيح بالشاهد أيضًا

بعد أن قاد الحرب الانتقائية على الفساد لأيام، ها قد قربت الإطاحة برئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي بدأ سماع صوته وتداول اسمه ورؤية صورته تقلق بعض المتنفّذين في حزب "النداء"، الذي لا يريدون لأحد أن ينافسهم أو يفوقهم جاها ومكانة على رأسهم نجل الرئيس حافظ قائد السبسي.

فهذه الحملة وإن كان لا ناقة له فيها ولا جمال قد مكّنته من تصدّر نوايا التصويت في حال اجراء انتخابات رئاسية، وهي أيضا من ستكون سببا في خروجه من قصر الحكومة بالقصبة كسلفه الحبيب الصيد.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، نداء تونس، الثورة المضادة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 26-01-2018   المصدر: نون بوست

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
أشرف إبراهيم حجاج، د.محمد فتحي عبد العال، د. عبد الآله المالكي، سعود السبعاني، مراد قميزة، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، سامر أبو رمان ، حميدة الطيلوش، المولدي الفرجاني، د. ضرغام عبد الله الدباغ، يزيد بن الحسين، صالح النعامي ، مصطفى منيغ، عدنان المنصر، د . قذلة بنت محمد القحطاني، العادل السمعلي، فوزي مسعود ، رافع القارصي، محمد اسعد بيوض التميمي، عمر غازي، د.ليلى بيومي ، محمد الطرابلسي، د - محمد بنيعيش، منجي باكير، سيد السباعي، د - محمد بن موسى الشريف ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، خالد الجاف ، صلاح المختار، فاطمة حافظ ، د - مضاوي الرشيد، د. كاظم عبد الحسين عباس ، خبَّاب بن مروان الحمد، إيمى الأشقر، د- جابر قميحة، د. محمد يحيى ، عزيز العرباوي، محمود فاروق سيد شعبان، محمد الياسين، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، حسن الطرابلسي، د - محمد عباس المصرى، طلال قسومي، د - الضاوي خوالدية، سيدة محمود محمد، كمال حبيب، صلاح الحريري، منى محروس، د - شاكر الحوكي ، محمود سلطان، صفاء العربي، الهيثم زعفان، رافد العزاوي، د. عادل محمد عايش الأسطل، محمد إبراهيم مبروك، حسن الحسن، شيرين حامد فهمي ، سلوى المغربي، معتز الجعبري، نادية سعد، عبد الرزاق قيراط ، د. الحسيني إسماعيل ، ابتسام سعد، فاطمة عبد الرءوف، حسني إبراهيم عبد العظيم، أحمد الغريب، الناصر الرقيق، محمد تاج الدين الطيبي، عراق المطيري، محمد العيادي، د. نانسي أبو الفتوح، رأفت صلاح الدين، د- محمد رحال، عبد الله زيدان، وائل بنجدو، تونسي، كريم فارق، كريم السليتي، يحيي البوليني، د- هاني ابوالفتوح، د- هاني السباعي، أحمد النعيمي، محرر "بوابتي"، فهمي شراب، بسمة منصور، مجدى داود، صباح الموسوي ، د. جعفر شيخ إدريس ، د. طارق عبد الحليم، د. محمد مورو ، عواطف منصور، هناء سلامة، مصطفي زهران، د. صلاح عودة الله ، إسراء أبو رمان، إياد محمود حسين ، د - غالب الفريجات، د - مصطفى فهمي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د. أحمد محمد سليمان، رضا الدبّابي، د - المنجي الكعبي، الهادي المثلوثي، سفيان عبد الكافي، رحاب اسعد بيوض التميمي، محمود صافي ، أبو سمية، الشهيد سيد قطب، رمضان حينوني، ياسين أحمد، د - احمد عبدالحميد غراب، حسن عثمان، ماهر عدنان قنديل، أحمد الحباسي، د. محمد عمارة ، علي عبد العال، إيمان القدوسي، د- محمود علي عريقات، د. الشاهد البوشيخي، سلام الشماع، جمال عرفة، أحمد بن عبد المحسن العساف ، محمد عمر غرس الله، أحمد بوادي، فراس جعفر ابورمان، سوسن مسعود، د. نهى قاطرجي ، عبد الله الفقير، جاسم الرصيف، رشيد السيد أحمد، حمدى شفيق ، سحر الصيدلي، د - أبو يعرب المرزوقي، فتحي العابد، د - صالح المازقي، محمد أحمد عزوز، حاتم الصولي، د. مصطفى يوسف اللداوي، فتحي الزغل، أ.د. مصطفى رجب، فتحـي قاره بيبـان، د. خالد الطراولي ، أحمد ملحم، علي الكاش، عبد الغني مزوز، صفاء العراقي، د - محمد سعد أبو العزم، محمود طرشوبي، أنس الشابي، سامح لطف الله، د. أحمد بشير، عصام كرم الطوخى ، محمد شمام ،
أحدث الردود
أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة