تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

الثورة المضادة في الداخل و الخارج

كاتب المقال محمد هنيد - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


"الثورة المضادة" فاعل مركزي في واقع العرب والمسلمين اليوم، فكل ما نراه حولنا من فوضى ومن خراب ومن موت منتشر في كل مكان إنما هو من فعل الثورة المضادة وأنيابها الدامية فقط.

في البدء كان الربيع، ربيع الأمة وربيع الجماهير الهادرة في الساحات والميادين عندما كان النظام الاستبدادي العربي يرتعش رعبا وخوفا من الإفاقة المفاجئة لمن حسبهم طويلا نوما حالمين، اليوم لم يعد مصطلح الربيع طاغيا بل استعيض عنه بمصطلح "الخريف" أو بالتحديد "الخريف الإسلامي".

في الحقيقة ورغم مكر المصطلح، فإن ما نرى هو ربيع جديد أي أن الربيع الأول هو ربيع الجماهير المسحوقة أو ربيع الثورة أما الثاني الذي أعقبه فهو ربيع الاستبداد العربي أي ربيع الثورة المضادة.

في تحقيق نادر نشرت الصحيفة الفرنسية الأشهر "لوموند" تقريرا عن واحد من أنياب الثورة المضادة الأشد تأثيرا وهو رجل الإمارات الفلسطيني "محمد دحلان".

يمثل المقال الذي كتبه الصحفي الاستقصائي ومراسل الصحيفة في بيروت "بنجمان بارت" وثيقة هامة في تعرية الخيوط الخفية للثورة المضادة التي تقودها دولة الإمارات العربية المتحدة بلا هوادة منذ فجر الثورات.

نجح دحلان كما يؤكد التقرير في نسج شبكة ممتدة بواسطة المال الإماراتي فقاد الثورة المضادة في مصر حتى أطاح بمحمد مرسي والانقلاب عليه، ثم في ليبيا مع الجنرال حفتر الذي يدعمه بالسلاح، وكذا في تونس عبر دعم فلول النظام القديم ومنصاته الإعلامية بالمال الوفير.

لكن نشاط خلايا الرجل لم تقتصر على شراء الأسلحة وعلى التمكين للانقلابات بل تعداها إلى مراكز البحوث والدراسات، حيث نجحت الإمارات في صناعة مراكز بحوث في روما وباريس وبروكسل وبريطانيا عبر مركز "أبحاث" الإماراتي من أجل استقطاب النخب الغربية والتأثير فيها.

ذكر المقال على سبيل المثال مركزا فرنسيا للدراسات يشرف عليه سفير بن علي السابق في "اليونيسكو" بما هو واحد من أظافر المخلب الإماراتي في عاصمة الأنوار باريس وهو الذي عُرف بعدائه الشديد لدولة قطر وللثورات العربية التي وصفها بأقذع النعوت.

ليس غرض الثورة المضادة البناءَ والتأسيس وتقديم البديل بقدر ما يتمثل غرضها الأساسي في الهدم ومنع التأسيس وضرب كل محاولة تسعى إلى تقديم بديل لمنظومة القمع العربية التي كانت سائدة قبل الانفجار التونسي الكبير في شتاء 2010.

ففي باريس بما هي واحدة من أهم العواصم العالمية تأثيرا في الخبر وفي الوعي الجمعي الدولي وفي صورة العرب والمسلمين بشكل عام تنشط الثورة المضادة مسلحة بالمال الخليجي الانقلابي وبشبكة من رجال المنظومات الاستبدادية العربية.

لا تقتصر الثورة المضادة هناك على شراء الأقلام والمقالات والتحقيقات الصحفية التي تتماشى مع الخطاب الثورة المضادة ومضامينها بل تتجاوزه إلى محاولة خلق الثقل السياسي في القرار وفي التوجه وذلك على أعلى المستويات.

تشهد أروقة اليونسكو مثلا صراعا محموما بين دول المنظومة الاستبدادية العربية بما فيها دول حصار قطر وحلفائها وبين الدول الداعمة لترشح قطر وهي الدولة المحسوبة على الثورة وعلى الخط الثوري عربيا.

تسعى دول الثورة المضادة جاهدة وبكل الوسائل إلى حرمان قطر من هذا المنصب الهام دوليا في عداء صارخ للقيم الحضارية للأمة وفي تنكر لا يخفى لكل روابط الانتماء للدين والوطن واللغة والتاريخ والأرض والمصير الواحد. إذ لا تمثل دولة قطر خطرا مباشرا على دول الثورة المضادة إلا بما هي رمز لرفض الانصياع لمنطق الوصاية وسلب السيادة والاعتراف بالانقلابات وبانتصار الثورة المضادة الحاسم.

إن توحش الثورة المضادة بكل خناجرها يكشف في الحقيقة معطيات كثيرة تساعد حتما في تبين المشهد العام الذي يغطي كامل المجال العربي اليوم.

أهم هذه المعطيات هي سذاجة الثورات وخاصة سذاجة النخب التي قادت هذه الثورات وهي نخب بان جليا أنها لا تملك حدا أدنى من الوعي السياسي الموضوعي بواقعها وهو ما سهل عودة النظام القديم.

الأخطر من ذلك والأدهى هو أن كثيرا من النخب السياسية المعارضة تحالفت مع الاستبداد وساعدت بشكل حاسم على عودته مثلما هو الحال في مصر وتونس مثلا.

كشف توحش الثورة المضادة تحالفا جليا بين قوى المنظومة القمعية العربية وبين القوى الخارجية المعادية للأمة ولكل محاولاتها للتحرر والنهوض، بل إن شراسة الثورة المضادة واستبسالها في محاولة حرق كل المجال الثوري ونسف منجزه الاجتماعي والسياسي تؤكد أنها أخطر بكثير من القوى الاستعمارية نفسها.

إن أدوات النظام الرسمي العربي في الخارج شاهد على أن قوى التسلط العالمية إنما تستمد طاقتها الرئيسية من الداخل الذي تمثله القوى المضادة والمعاكسة والمانعة لحركة التحرر والانعتاق. لقد كبدت قوى الداخل الأمة خسائر لم تكبدها إياها قوى الاستعمار الخارجي طوال تاريخها الضارب في النهب وسرقة الثروات ولنا في سوريا ومصر خير مثال.

لن تخرج الأمة من مأزقها ما لم تتحرر من أورام الداخل وما لم تتخلص من جذور الاستبداد وشبكاته، لأن كل صراع مع الخارج يتطلب حتما تحرير الداخل هذا إن لم نقل إن معركة الأمة هي في جوهرها معركة مع نفسها قبل أن تكون مع غيرها.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

الثورات العربية، الربيع العربي، الأحزاب، الخونة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 13-10-2017   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د - المنجي الكعبي، أحمد الحباسي، حسن عثمان، الشهيد سيد قطب، د.ليلى بيومي ، مصطفي زهران، كمال حبيب، سعود السبعاني، عراق المطيري، د - مصطفى فهمي، أحمد بوادي، صفاء العراقي، إيمان القدوسي، صالح النعامي ، يحيي البوليني، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، علي الكاش، إسراء أبو رمان، جمال عرفة، فوزي مسعود ، رشيد السيد أحمد، صلاح الحريري، د - الضاوي خوالدية، د. عبد الآله المالكي، ياسين أحمد، سلام الشماع، طلال قسومي، فاطمة عبد الرءوف، د. محمد يحيى ، سامر أبو رمان ، المولدي الفرجاني، منى محروس، د - محمد بنيعيش، محمد الطرابلسي، د. صلاح عودة الله ، ابتسام سعد، سوسن مسعود، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، محرر "بوابتي"، محمود فاروق سيد شعبان، الناصر الرقيق، سلوى المغربي، سيدة محمود محمد، محمود صافي ، د - مضاوي الرشيد، محمد إبراهيم مبروك، فاطمة حافظ ، محمود سلطان، أبو سمية، مجدى داود، سحر الصيدلي، خالد الجاف ، د- هاني ابوالفتوح، رمضان حينوني، د. طارق عبد الحليم، محمد اسعد بيوض التميمي، عبد الله زيدان، محمد الياسين، د - محمد بن موسى الشريف ، د. جعفر شيخ إدريس ، أحمد ملحم، د- هاني السباعي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د. عادل محمد عايش الأسطل، أ.د. مصطفى رجب، رضا الدبّابي، محمد تاج الدين الطيبي، د. محمد مورو ، فتحـي قاره بيبـان، يزيد بن الحسين، شيرين حامد فهمي ، حاتم الصولي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، صفاء العربي، د. خالد الطراولي ، حمدى شفيق ، سامح لطف الله، أشرف إبراهيم حجاج، إيمى الأشقر، رافع القارصي، د. الشاهد البوشيخي، عبد الرزاق قيراط ، خبَّاب بن مروان الحمد، حسني إبراهيم عبد العظيم، عصام كرم الطوخى ، عزيز العرباوي، كريم فارق، كريم السليتي، فراس جعفر ابورمان، فهمي شراب، د. أحمد محمد سليمان، د - احمد عبدالحميد غراب، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، بسمة منصور، إياد محمود حسين ، أحمد الغريب، محمد شمام ، أحمد النعيمي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د- محمود علي عريقات، مصطفى منيغ، محمد أحمد عزوز، الهيثم زعفان، أنس الشابي، سيد السباعي، مراد قميزة، د. الحسيني إسماعيل ، العادل السمعلي، صباح الموسوي ، هناء سلامة، د. كاظم عبد الحسين عباس ، محمد عمر غرس الله، محمد العيادي، د - محمد سعد أبو العزم، د. نانسي أبو الفتوح، د - صالح المازقي، عمر غازي، رافد العزاوي، منجي باكير، د- محمد رحال، د. ضرغام عبد الله الدباغ، د - شاكر الحوكي ، رحاب اسعد بيوض التميمي، عبد الله الفقير، ماهر عدنان قنديل، حميدة الطيلوش، معتز الجعبري، د.محمد فتحي عبد العال، د- جابر قميحة، تونسي، د. مصطفى يوسف اللداوي، حسن الحسن، عبد الغني مزوز، د - غالب الفريجات، سفيان عبد الكافي، صلاح المختار، د. أحمد بشير، علي عبد العال، د. نهى قاطرجي ، د - أبو يعرب المرزوقي، عواطف منصور، عدنان المنصر، الهادي المثلوثي، فتحي العابد، نادية سعد، وائل بنجدو، جاسم الرصيف، رأفت صلاح الدين، د. محمد عمارة ، حسن الطرابلسي، د - محمد عباس المصرى، فتحي الزغل، محمود طرشوبي،
أحدث الردود
انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة