تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

تونس.. حكومة برائحة الانقلاب

كاتب المقال محمد هنيد - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


لا يختلف أهل تونس اليوم في وصف التحوير الوزاري الأخير الذي طرأ على الحكومة القديمة، حيث يجمع الأحرار على وصف التغيير بأنه يحمل طعم الانقلاب الذي لا يخفى على ملاحظ. لكن من المبالغة القول بأن الأمر انقلاب على الثورة لأن الانقلاب بدأ مبكرا ومنذ السنوات الأولى لثورة 17 ديسمبر حيث نجح جلادو بن علي ورجاله في امتصاص الصدمة الثورية الأولى وحيث فشل الثوريون والنخب التابعة لهم في اجتثاث ورم النظام القديم.

المسألة هي بتعبير أكثر دقة "تقدّم على طريق استكمال الانقلاب" بمعنى أن التحوير الأخير هو مرحلة من جملة مجموعة من المراحل التي تصب نحو هدف واحد وهو استعادة المجال الذي كان للنظام الاستبدادي قبل تاريخ 17 ديسمبر.

التشكيلة الحكومية الجديدة هي الأكثر وقاحة واستفزازا للمشاعر الثورية ولقوافل الشهداء الذين سقطوا خلال ثورة الحرية من أجل أن يعيش أبناؤهم وأهلهم بشرف وكرامة ومن أجل أن تسقط "عصابة السرّاق".

التشكيلة الوزارية تحمل رؤوسا من رؤوس الثورة المضادة وتحمل أعلاما من أعلام نظام الهارب بن علي بل إن من بين وزراء اليوم مَن كانوا وزراء عنده عندما كان يمارس على شعب تونس أشرس أنواع القمع والتعذيب والاضطهاد والتنكيل والقتل. من وزراء اليوم من يحمل شبهات فساد كبيرة بل إن منهم من ترتبط به ملفات خطيرة في صناعة الجماعات الإرهابية وفي اختراقها وتوجيهها وفي ضرب الأمن القومي للبلاد.

تحمل الحكومة الجديدة طبعا وجوها رخوة محسوبة على حركة النهضة الإسلامية وهي وجوه تنتمي دائما إلى نفس المناطق التي احتكرت السلطة والنفوذ والثروة منذ الوكالة الاستعمارية لبورقيبة وصولا إلى الوكيل الثاني بن علي.

لقد قام بورقيبة وبن علي بتفضيل أبناء مدنهم من الساحل أو من العاصمة على بقية المناطق الأخرى للبلاد والتي لا تزال تعاني التهميش والفقر والاحتقار بل دفع الرجلان وهما من أبناء منطقة واحدة بأصدقائهم في أرقى المناصب في الدولة وفي مفاصل الحكومة واستبعدوا كل المناطق الأخرى في جهوية مقيتة لا تزال آثارها بادية حتى على البنية التحتية وفي الخدمات والمرافق بين ساحل وشمال شرقي مترف وبين باقي البلاد الغارق في الفقر والحاجة والخصاصة.

بل إن رئيس الجمهورية الذي كان يوما يشرف على زنازين تعذيب المجاهدين في سجن "صباط ـ حذاء ـ الظلام" ذائع الصيت صرّح بالأمس أن إخوان تونس رفضوا دخول قلعة المدنية التي يدعي حمايتها وحافظوا على صبغتهم الدينية السياسية. وهو ما يؤشر ـ بقطع النظر عن صبغة التصريح الانتخابية ـ إلى أن حزب نداء تونس بما هو الواجهة الجديدة لحزب التجمع الدستوري الدموي لن يتردد في الانقضاض على شركائه في الحكم متى سنحت له الفرصة ومتى أشّر عليه عرّابو الانقلاب في الخارج بذلك.

جهود الخارج في دعم الانقلاب على الثورة التونسية لا تخفى بل إن الدولة الخليجية الراعية للانقلابات في المنطقة هي التي تقود منذ مدة جهود الانقلاب الناعم على الثورة التونسية مثلما فعلت مع الثورة المصرية ومثلما لا تزال تفعل مع الثورة الليبية. بل إن من الملاحظين في تونس من يرى أن هذه الدولة التي تمرح على طول الوطن العربي من أجل إجهاض التجارب السياسية الناشئة هي التي قامت بالتحوير الوزاري الأخير في تونس خاصة فيما يتعلق بالوزارات السيادية مثل الدفاع والعدل والداخلية والمالية.

صحيح أن التجربة التونسية لا يمكن أن تخرج عن سياقها العربي أي أنه لا يمكن فصل مسار الثورة التونسية عن مسار بقية الثورات العربية لكن لا يجب أن ننسى أن تونس استثناء تاريخي يفسر أساسا باندلاع الثورة منها أولا.

إن قوى الثورات المضادة تعرف اليوم أوج انتصاراتها وهو ما أغرى كثيرين في المنطقة وخارجها بالتعجيل لتصفية المكسب الثوري التونسي وذبح الثورة العربية في مهدها كما يقول الكثيرون.

رغم كل المحاولات اليائسة للانقضاض على المكسب الثوري، ورغم كل الأموال التي أنفقت على الإرهاب وعلى الاغتيالات السياسية وعلى الاعتصامات وعلى منابر إعلام العار ورغم كل ذلك؛ لا تزال الثورة التونسية صامدة أمام التيارات الانقلابية التي لم تفهم الدرس بعد.

لقد طلّق الشعب التونسي الخوف دون رجعة وانتهت قبضة الجلاد التي كان يخافها وإن كل محاولة لإعادة استنساخ النظام القديم لن تكون غير تسريع للموجة الثورية الثانية التي لن تكون كسابقتها ولن ترتكب أخطاءها بل ستعجل باستئصال منظومة الفساد من جذورها ولو كلفها ذلك ما كلفها.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الثورة المضادة، بقايا فرنسا، الباجي قائد السبيسي، السبسي، حركة النهضة، الغنوشي،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 8-09-2017   موقع: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
جاسم الرصيف، فوزي مسعود ، علي الكاش، سيدة محمود محمد، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، بسمة منصور، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، محمد تاج الدين الطيبي، صفاء العراقي، د. محمد مورو ، فتحي الزغل، هناء سلامة، د- هاني السباعي، د. محمد يحيى ، نادية سعد، خالد الجاف ، سعود السبعاني، إيمان القدوسي، فاطمة حافظ ، د. ضرغام عبد الله الدباغ، عبد الرزاق قيراط ، يحيي البوليني، فاطمة عبد الرءوف، د. كاظم عبد الحسين عباس ، سيد السباعي، عبد الله الفقير، د. الحسيني إسماعيل ، أحمد الحباسي، تونسي، يزيد بن الحسين، رحاب اسعد بيوض التميمي، فراس جعفر ابورمان، عبد الله زيدان، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د. عادل محمد عايش الأسطل، د- محمود علي عريقات، محمود صافي ، محرر "بوابتي"، أحمد بن عبد المحسن العساف ، محمود فاروق سيد شعبان، الشهيد سيد قطب، أنس الشابي، رافع القارصي، رافد العزاوي، د.ليلى بيومي ، سحر الصيدلي، محمد إبراهيم مبروك، رضا الدبّابي، د - الضاوي خوالدية، سفيان عبد الكافي، إيمى الأشقر، أبو سمية، د. خالد الطراولي ، محمد شمام ، د - المنجي الكعبي، د - محمد بن موسى الشريف ، شيرين حامد فهمي ، حسن الطرابلسي، الناصر الرقيق، سوسن مسعود، أحمد ملحم، حميدة الطيلوش، د. نانسي أبو الفتوح، محمود طرشوبي، عصام كرم الطوخى ، عبد الغني مزوز، د- محمد رحال، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د - محمد بنيعيش، محمد العيادي، عواطف منصور، د. أحمد بشير، علي عبد العال، مصطفي زهران، د - أبو يعرب المرزوقي، محمد أحمد عزوز، معتز الجعبري، رمضان حينوني، د. محمد عمارة ، د- هاني ابوالفتوح، د. مصطفى يوسف اللداوي، كريم السليتي، وائل بنجدو، أحمد بوادي، حاتم الصولي، ابتسام سعد، إسراء أبو رمان، عزيز العرباوي، محمود سلطان، كمال حبيب، د - مصطفى فهمي، د. صلاح عودة الله ، صباح الموسوي ، د - غالب الفريجات، حسن الحسن، مصطفى منيغ، أشرف إبراهيم حجاج، صفاء العربي، فتحي العابد، فهمي شراب، د. طارق عبد الحليم، سامر أبو رمان ، محمد عمر غرس الله، د. نهى قاطرجي ، د. عبد الآله المالكي، د.محمد فتحي عبد العال، ماهر عدنان قنديل، أحمد النعيمي، كريم فارق، د. أحمد محمد سليمان، طلال قسومي، أحمد الغريب، د. الشاهد البوشيخي، محمد الطرابلسي، حسني إبراهيم عبد العظيم، العادل السمعلي، مراد قميزة، حسن عثمان، فتحـي قاره بيبـان، رأفت صلاح الدين، الهادي المثلوثي، مجدى داود، د - احمد عبدالحميد غراب، منى محروس، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د - شاكر الحوكي ، د - محمد سعد أبو العزم، د- جابر قميحة، ياسين أحمد، منجي باكير، محمد اسعد بيوض التميمي، المولدي الفرجاني، عدنان المنصر، حمدى شفيق ، د. جعفر شيخ إدريس ، أ.د. مصطفى رجب، إياد محمود حسين ، الهيثم زعفان، سلوى المغربي، جمال عرفة، صالح النعامي ، سامح لطف الله، صلاح الحريري، عراق المطيري، عمر غازي، صلاح المختار، د - صالح المازقي، محمد الياسين، د - محمد عباس المصرى، رشيد السيد أحمد، د - مضاوي الرشيد، خبَّاب بن مروان الحمد، سلام الشماع،
أحدث الردود
... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

نتيجة ما تعانيه بناتنا في الاتجاة نحو طريقا لانحبذة ولانرضه لكل فتاة أي كانت غنية اوفقيرة ولكن مشكلتنا في الدول العربية الفقر ولذاعلي المنظمات الاجتما...>>

من صدق مجتمع رايح فيها انا متزوج مغربيه بس مو عايشين هنا ولا ابغى ارجع المغرب رحتها يوم زواجي وماعدتها بلد دعاره بامتياز حتى الاسره المغربيه منحله الب...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة