تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

التفاؤل أم خداع الوعي؟

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


هذ المقال ثمرة حوار دار بيني وبين صديق عراقي عزيز رأى في ما أكتب نبرة تشاؤمية لا تكشف الوجه المضيء لتجربة تونس السياسية ولما تعيشه تونس عامة من استقرار ينبئ عن احتمالات تقدم لا شك فيها. وكان يقرأ ما أكتب وهو بالموصل التي يقتل الناس فيها بالمئات لا بالعشرات. ولا يرى أفقا لإنقاذ المدينة العظيمة من العدم. ولقد عذرته وهو يجري المقارنة ويحسب القتلى هناك وقد يكون اختلط عليه الأمر فلم يعرف الشهيد من القتيل. فالوضع في العراق جنوني. بينما ينظر من بعيد إلى الحالة التونسية باعتبارها حالة مثالية لا ينقص التونسيون فيها إلا قليل من الكماليات لتكون تجربة خالية من كل عيب.

زاوية نظره غير زاويتي ولذلك سأبرر له هنا بعض أسباب تشاؤمي بخصوص بلدي الذي أعرف أو أزعم معرفة تفاصيل يومه الدامي بلا مذابح وعسى أن يقاسمني بعض مخاوفي فالقتل درجات لكنه يظل قتلا بشعا رغم اختلاف الأعداد.

آخر القتلى الشهداء

انتهى الأسبوع الأول من شهر رمضان بفاجعة أليمة في تونس. جهة مجهولة اختطفت شابا وذبحته في جبل مغيلة بوسط البلاد. اتفق الجميع على أن الجهة إرهابية مجرمة لكن الموجع في الحادثة أن هذا الشاب الذبيح ليس إلا شقيق طفل آخر تم اختطافه منذ سنة ونصف بنفس الطريقة وفصل رأسه عن جسده وهو في سن السادسة عشر وأرسل الرأس إلى أم الولد في حاوية بلاستيكية فاضطرت إلى وضعه في ثلاجة بيت الجيران حتى يتم جمع طرفي جثته ودفنه. قبل أن يبرد حزنها عن الطفل الأول (مبروك) أرسلت لها جثة الولد الثاني (خليفة).

كان رئيس الدولة وفي إطار تغطية أعوار دولة لا تحمي مواطنيها رغم قواتها المجندة لمحاربة الإرهاب قد استقبل الأخ (القتيل الثاني) ووعده بالحماية له ولأسرته لكن الفتى ذبح قبل أن تصبح وعود الرئيس حقيقة. وإمعانا في القتل بررت الرئاسة فعلها بإصدار قائمة في الأعطيات المادية التي قدمت للأسرة بين الحادثتين على أن ذلك مكارم سلطانية كافية لنسيان الألم.

هذا قتيل واحد بينما كان صديقي العراقي يحسب في نفس اليوم 400 قتيل أطلق عليهم الرصاص وهم يهربون من أمام قوات داعش في الموصل. نظريا يجوز لي التفاؤل فبين الواحد و الأربع مائة فرق عددي كبير لكن لا فرق بين موت الدولتين. الدولة مصدر الأمن وضامنته وهي في الحالتين غائبة ومتخلية والمواطن (البشر ما قبل المواطنة) لا يزال نهبا للقتل المنهجي وسخرية الإعلام. وإذا ماتت الدولة كان التشاؤم على نفس القدر. فنفس واحدة كالناس جميعا وعجز الدولة يدمر الأمل في المستقبل.

فرادة الحالة التونسية عربيا

ربما يكون لأصدقائي العرب ولفرط الألم الذي يكابدون في بلدانهم رغبة في النظر إلى تونس التي يسودها سلام ظاهر على أنها نموذج ناجح في إدارة اختلافاتها السياسية وهم يرونها تتقدم -ولو ببطء- نحو إنضاج حالة ديمقراطية عربية وحيدة في خريطة يسودها القتل والتدمير والاختراق الصهيوني والرجعي العربي والإرهاب المنظم.

هذا التفاؤل في تقديري يبالغ في حسن الظن بتونس وتجربتها، أما مصدر تشاؤمي مقابل تفاؤلهم أو ظنهم الحسن بالتجربة أني أرى التجربة من داخلها وهي أبعد ما تكون عن حالة سلم دائمة أو تمهد لديمقراطية مستقرة، بل هي حالة من تأجيل الاقتتال الداخلي إلى أجل نحن بالغوه في وقت قريب. وسأعود إلى مثال أم القتيلين.

عندما أقارن تدخل الدولة لصالح أم القتيلين أجد أن إعلام الدولة الخاص والعام (والموجه من النظام السياسي) لا يتكرم على الطفلين الذبيحين حتى بلقب الشهادة. فهما القتيلان لا الشهيدان بينما منحت نفس الأدوات لقب الشهادة لأحد أبناء البرجوازية الذي قضى في عملية إرهابية وهو يتمتع بفترة نزهة في ملهى ليلي في إسطنبول (برأس السنة الميلادية) فنظمت له جنازة رسمية وعزى الرئيس ورئيس الحكومة أسرته في مشاهد مهيبة بينما لم يكلف أحد خاطره بجبر خاطر أم الشهيدين في جبل مغيلة.

وعندما أقارن تدخل الدولة بكل طاقمها السياسي والحزبي الحاكم والمعارض لصالح مستثمرة سياحية تعرضت مؤسستها إلى عملية إرهابية فلم يصبها إلا أذى مادي تكفلت الدولة بتعويضه بأموال طائلة. بينما منت على أم الشهيدين الثكلى ببعض المعونة الغذائية. أعرف أن التجربة مطعونة في الصميم وأن ما يجري الآن من تمويه بالسلم الأهلي ما هو إلا تغطية لحيف سياسي لصالح فئات اجتماعية على حساب أخرى. هذا الحيف مؤذن بخراب العمران السياسي والاقتصادي.

هذه الدولة قامت ولا تزال على تأبيد هذا الحيف والاستثمار فيه. وهي مستمرة به لأنه يضمن لها ولاء طبقة غنية قادرة على تمويل طاقمها السياسي وإغراقه بالرشى السياسية والمادية وتطوير سبل الفساد المالي والسياسي. إنها دولة فاسدة في منشئها و ي أسباب بقائها، ولذلك فهي دولة تؤجل الحرب ولا تنفي أسبابها بل هي تقودنا الآن بسرعة كبيرة نحو حالة من الاقتتال قد تكون أفظع من حالة الموصل التي تبكي صديقي العراقي.

العودة إلى أصل الحكاية

نغرق في تمجيد الحالة التونسية الديمقراطية وتسويقها للعرب وللعالم ولكن قلة من يصدق فرادة الحالة التونسية. خطاب تمجيد الذات هذا كان وسيلة الدعاية المفضلة لإعلام بن علي المخلوع ذات شتاء ساخن. تحت ذلك الغطاء الدعائي السمج اكتشفنا زيفا فاحشا. كان هو السبب الحقيقي للثورة فالفوارق الجهوية الاجتماعية كانت فضيحة بأتم معنى الكلمة. شعبان في دولة واحدة. لم يكن النظام السياسي إلا وسيلة لخدمة فئات من الفاسدين تضيف باستمرار وتنشر الفقر والجهل والمرض في بقية القطر المسكين الذي يكافح من اجل البقاء. الانفجار الاجتماعي الذي سار كالنار في الهشيم طلب العدالة أولا وإنهاء حالة الحيف لتأسيس دولة لجميع مواطنيها. لكن بعد سنوات ست عاد الحيف أكثر شناعة وبوسائل منحطة، عبر الترويج لسياسات تخير الشعب بين القبول بالحيف أو الخضوع للإرهاب. إرهاب مشبوه يظهر عند الأزمات لينفس الضغط الاجتماعي عن النظام.

الدولة التي مالت إلى زهرة إدريس صاحبة النزل (خمس نجوم) فعوضت خسائرها وأرسلت كرتونة من المأكل الرخيص لزعرة السلطاني لا تساوي ثمن كرسي هزاز بالنزل المصنف ليست دولة لجميع مواطنيها؛ إنها دولة الطبقة الظالمة. ولذلك يغلبني تشاؤمي وأرى الحرب قادمة فإن لم تكن الحرب فسيكون الظلم الأبدي. الذي لا يسمع لمثلي بالتفاؤل إلا أن يكون متخشب القلب والروح ومتبلد الذهن غبيا.

الناس في الموصل وفي ريف دمشق يموتون بالمئات بقنابل فسفورية أو بزخات رصاص داعش المشبوه الولاء بينما في تونس يموتون بالقهر والظلم. هناك تقتل الأجساد وهنا تقتل الأرواح هناك موت سريع و(ربما موت مريح حاسم) بينما هنا موت بطيء يتفنن في تذويب الإنسان في الغريزي البشع.

من الخارج يرى أصدقائي السلام الظاهر ومن الداخل أرى دبيب الخراب... لذلك يعجزني التفاؤل فأكتب بسوداوية مميتة. إني لا أكفر بالنعمة ولكني لا أخدع أحدا عن نفسه وهذا هو الحد الأدنى للتفاؤل.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، السلطاني، الإرهاب، الفساد بتونس، الفساد المالي،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 6-06-2017   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
فتحي العابد، محمد أحمد عزوز، د. عبد الآله المالكي، جمال عرفة، عزيز العرباوي، د. الحسيني إسماعيل ، محمد شمام ، ابتسام سعد، منى محروس، محمد تاج الدين الطيبي، يزيد بن الحسين، رمضان حينوني، علي عبد العال، حسن الطرابلسي، سفيان عبد الكافي، أ.د. مصطفى رجب، د - محمد عباس المصرى، د - محمد بن موسى الشريف ، عمر غازي، د- جابر قميحة، د. أحمد محمد سليمان، ياسين أحمد، حسن عثمان، صلاح المختار، أحمد بوادي، كريم فارق، صفاء العربي، د- هاني ابوالفتوح، محمود فاروق سيد شعبان، محرر "بوابتي"، سامح لطف الله، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د- محمد رحال، أبو سمية، الهيثم زعفان، د - محمد بنيعيش، محمود طرشوبي، سحر الصيدلي، د- هاني السباعي، فهمي شراب، د. جعفر شيخ إدريس ، د. الشاهد البوشيخي، سعود السبعاني، حاتم الصولي، سلام الشماع، د. عادل محمد عايش الأسطل، د - المنجي الكعبي، طلال قسومي، د - احمد عبدالحميد غراب، معتز الجعبري، د. أحمد بشير، صلاح الحريري، فتحـي قاره بيبـان، د - الضاوي خوالدية، عبد الله الفقير، د. خالد الطراولي ، إيمان القدوسي، رأفت صلاح الدين، كمال حبيب، سامر أبو رمان ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، مجدى داود، عبد الرزاق قيراط ، د. طارق عبد الحليم، د. نهى قاطرجي ، رافع القارصي، منجي باكير، إسراء أبو رمان، حسن الحسن، مصطفى منيغ، أحمد الحباسي، جاسم الرصيف، فتحي الزغل، أنس الشابي، د. محمد عمارة ، علي الكاش، حميدة الطيلوش، د. مصطفى يوسف اللداوي، فراس جعفر ابورمان، حمدى شفيق ، فاطمة حافظ ، محمد عمر غرس الله، د.ليلى بيومي ، د - شاكر الحوكي ، حسني إبراهيم عبد العظيم، فاطمة عبد الرءوف، عراق المطيري، بسمة منصور، رضا الدبّابي، صباح الموسوي ، محمد العيادي، د. محمد مورو ، عبد الغني مزوز، المولدي الفرجاني، مراد قميزة، الشهيد سيد قطب، خالد الجاف ، محمود سلطان، عدنان المنصر، أحمد الغريب، فوزي مسعود ، أشرف إبراهيم حجاج، د - غالب الفريجات، أحمد ملحم، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، سلوى المغربي، إيمى الأشقر، عبد الله زيدان، إياد محمود حسين ، د - صالح المازقي، سيد السباعي، كريم السليتي، وائل بنجدو، عصام كرم الطوخى ، تونسي، محمود صافي ، ماهر عدنان قنديل، صفاء العراقي، د.محمد فتحي عبد العال، يحيي البوليني، د - محمد سعد أبو العزم، د- محمود علي عريقات، د. محمد يحيى ، عواطف منصور، د. نانسي أبو الفتوح، د - مصطفى فهمي، رشيد السيد أحمد، العادل السمعلي، الهادي المثلوثي، د - مضاوي الرشيد، محمد اسعد بيوض التميمي، نادية سعد، رافد العزاوي، شيرين حامد فهمي ، مصطفي زهران، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، محمد الطرابلسي، خبَّاب بن مروان الحمد، رحاب اسعد بيوض التميمي، الناصر الرقيق، د. صلاح عودة الله ، سيدة محمود محمد، د - أبو يعرب المرزوقي، صالح النعامي ، د. كاظم عبد الحسين عباس ، سوسن مسعود، هناء سلامة، محمد إبراهيم مبروك، أحمد النعيمي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، محمد الياسين، د. ضرغام عبد الله الدباغ،
أحدث الردود
هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

نتيجة ما تعانيه بناتنا في الاتجاة نحو طريقا لانحبذة ولانرضه لكل فتاة أي كانت غنية اوفقيرة ولكن مشكلتنا في الدول العربية الفقر ولذاعلي المنظمات الاجتما...>>

من صدق مجتمع رايح فيها انا متزوج مغربيه بس مو عايشين هنا ولا ابغى ارجع المغرب رحتها يوم زواجي وماعدتها بلد دعاره بامتياز حتى الاسره المغربيه منحله الب...>>

أعيش في مصر جاءت احدي الفتيات المغربيات للعمل في نفس الفندق الذي اعمل به وبدأت باكثير من الاهتمام والإغراء والحركات التي تقوم بها كل امرأه من هذه النو...>>

Assalamo alaykom
Yes, you can buy it at the Shamoun bookshop in Tunis or any other; 4 ex: Maktabat al-kitab in the main street of capital....>>


Assalamo alaykom. I World like to Buy this new tafseer. Is it acai available in in the market? Irgendwie how i can get it? Thanks. Salam...>>

المغاربة المصدومين المغربيات تمارس الدعارة في مصر و لبنان و الخليج باكلمه و تونس و تركيا و البرازيل و اندونيسيا و بانكوك و بلجيكا و هولندا ...>>

- لا تجوز المقارنة علميًا بين ذكر وأنثى مختلفين في درجة القرابة.
- لا تجوز المقارنة بين ذكر وأنثى: أحدهما يستقبل الحياة والآخر يستدبرها.
...>>


الى هشام المغربى اللى بيقول مصر ام الدعارة ؟ انا بعد ما روحت عندكم المغرب ثلاث مرات لو مصر ام الدعارة اذا انتم ابوها و اخوها و خالتها و اختها و عمتها ...>>

الأخ أحمد أشكرك وأثمّن مساندتك...>>

الاخ فوزى ...ربما نختلف بالطول و العرض و نقف على طرفى نقيض و لكل واحد منا اسبابه و مسبباته ..لكن و كما سجلنا موقفنا فى حينه و كتبنا مقالا فى الغرض ند...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة