تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

تونس: الشيخان غاضبان

كاتب المقال  صلاح الدين الجورشي   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


أصبح من المعلوم أن كلا من رئيس الدولة الباجي قايد السبسي ورئيس حركة النهضة يعيشان حالة ضيق شديد ومتصاعد من كل الذين انتقدوا مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية الذي أحالته رئاسة الجمهورية للمرة الثانية على البرلمان.

يعتقد الشيخان، وهي التسمية الرائجة في تونس، أن البلاد في أشد الحاجة إلى طي صفحة الماضي بكل مآسيها وروائحها الكريهة، وأن ذلك لن يتحقق إلا بنوع من التسوية تشمل كل من تورط في سوء تصرف في الملك العام من موظفي الدولة ورجال الأعمال، باستثناء من ثبت فسادهم ونهبهم لثروات البلاد. لكن هذا الاجتهاد الرئاسي لم يقبل به الكثيرون، ويقوم هؤلاء حاليا بتنظيم حملة واسعة النطاق من أجل إسقاط هذا المشروع، بحجة أنه "تطبيع مع الفساد والفاسدين". إنها معركة شرسة لم يتوقع الشيخان أنها ستكون بهذه الضراوة والعدائية.

عبر السبسي عن غضبه في آخر خطاب توجه به إلى التونسيين قبل أيام، واعتبر فيه أن المشروع الذي تقدم به إلى البرلمان هو الوسيلة التي ستخرج الاقتصاد التونسي من عنق الزجاجة وتوفر المناخ المشجع على عودة الاستثمار. أما الغنوشي فقد اعتبر في تصريح له أن حملة "مانيش مسامح" وتحشيد الشارع من بعض القوى المجتمعية والسياسية هي "حملة توظيف سياسي تنم عن عدم نضج في الديمقراطية لمغالطة الناس وربط صورة السلطة والأحزاب المكونة للائتلاف الحاكم بالفساد بغاية القيام بحملات انتخابية مبكرة".

ما يواجهه الشيخان لا يقف عند اعتراض هؤلاء الشباب على محاولتهما تحقيق المصالحة المالية على طريقتهما، وإنما تتسع درجات الاحتجاج لتصل إلى حد القول بأن التوافق بين الرجلين قد أصبح يشكل تهديدا للديمقراطية الناشئة، وذلك بحجة أنهما بسبب التحالف القائم بين حركتي النهضة ونداء تونس أصبحت اللعبة السياسية مغلقة، وأن التداول السلمي على السلطة يكاد يصبح مستحيلا لأن الأغلبية البرلمانية الناتجة عن الائتلاف الحاكم تسمح بتمرير كل القوانين والسياسات التي تعتبرها المعارضة خطيرة ومضرة بالمسار الانتقالي، أي أن الصورة التي تروج لها حاليا الأطراف المناهضة للائتلاف الحاكم تتمحور حول القول بأن الشيخين قد تحولا إلى عبء على البلاد وخطر على الديمقراطية بعد أن كانا يعتبران المفتاح الذي أنقذ تونس من سيناريو الاقتتال والفوضى.

يضاف إلى ذلك أن كلا منهما يواجه حاليا صعوبات في إدارة بيته الداخلي. فالباجي قايد السبسي لا يزال مشغولا بأوضاع الحزب الذي أسسه وجعل منه الحزب الأول في تونس خلال فترة وجيزة، لكنه سرعان ما دبت في صفوفه الخلافات، وتخالف قادته حول كيفية تقاسم غنائم السلطة، وهو ما أدى إلى الانقسام وتحول الحزب إلى عدد من الشقوق والأحزاب الفرعية. بل أصبح الحزب متهما بالتوريث في إشارة من خصومه إلى تولي نجل رئيس الدولة حافظ قايد السبسي قيادة الحزب.

أما الغنوشي، فهو أيضا يواجه معارضة من داخل حزبه، وتتمثل هذه المعارضة في كتلة قوية من الكوادر الذين أعلنوا عن تباينهم مع رئيس الحركة ومن يقف معه حول عدد من المسائل الحيوية، ومن أهمها أسلوب الغنوشي في إدارة علاقته وتحالفه مع رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي. وقد نتج عن ذلك بالخصوص رفض أغلبية أعضاء مجلس الشورى للصيغة الحالية لمشروع قانون المصالحة المالية. وهو ما مثل رسالة قوية موجهة للغنوشي من جهة وللسبسي وحزبه من جهة أخرى.

تؤكد هذه التطورات السياسية الهامة على أن وضعية الشيخين لم تعد قوية كما كانت من قبل. فحجم المعارضة لهما يكتسب حاليا نسقا تصاعديا سيجعلهما مضطرين إلى إدخال بعض التعديلات ليس فقط على موقفهما من مسألة المصالحة، وإنما أيضا هما مطالبان بمراجعة استراتيجيتهما للحد من درجات التشكيك في مصداقيتهما التي أصبحت محل جدل واسع في الأوساط السياسية وحتى الشعبية.

لكن مع ذلك، لن من السهل تجاوز الرجلين في هذه المرحلة الدقيقة من المسار الانتقالي. ولا يفسر ذلك فقط بنفوذهما الواسع، كل في موقعه، لكن أيضا بحكم غياب قادة سياسيين يمكنهم تغيير موازين القوى في اتجاه مغاير. إن الطبيعة تكره الفراغ، وبناء على هذا القانون سيبقى الشيخان يديران شؤون البلاد التونسية على حين تتغير موازين القوى، وتفرز الأوضاع كفاءات قيادية تكون أكبر حجما وأوسع تأثيرا وأكثر قدرة على بناء أحزاب كبرى وفاعلة.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، قانون المصالحة الإقتصادية، الفساد المالي، راشد الغنوشي، الباجي قائد السبسي،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 23-05-2017   موقع: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د. عبد الآله المالكي، د - المنجي الكعبي، المولدي الفرجاني، صلاح المختار، د. خالد الطراولي ، سعود السبعاني، أحمد ملحم، أحمد الحباسي، الناصر الرقيق، كمال حبيب، صلاح الحريري، هناء سلامة، الشهيد سيد قطب، محمد إبراهيم مبروك، سيدة محمود محمد، سامر أبو رمان ، د- جابر قميحة، سيد السباعي، عزيز العرباوي، د - شاكر الحوكي ، أبو سمية، فتحي العابد، د. أحمد محمد سليمان، إياد محمود حسين ، د. طارق عبد الحليم، محمد عمر غرس الله، عمر غازي، محمد الياسين، د.محمد فتحي عبد العال، بسمة منصور، منى محروس، وائل بنجدو، فهمي شراب، العادل السمعلي، محمد شمام ، مراد قميزة، فتحـي قاره بيبـان، د.ليلى بيومي ، عبد الله الفقير، محمود صافي ، إيمان القدوسي، ابتسام سعد، محمد تاج الدين الطيبي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، عواطف منصور، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د- محمد رحال، ماهر عدنان قنديل، محمود سلطان، عبد الغني مزوز، د. نهى قاطرجي ، تونسي، أحمد الغريب، د - محمد بنيعيش، د - محمد سعد أبو العزم، عبد الرزاق قيراط ، أ.د. مصطفى رجب، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د. أحمد بشير، حميدة الطيلوش، محمد الطرابلسي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، سحر الصيدلي، سفيان عبد الكافي، محمد اسعد بيوض التميمي، حسن عثمان، يحيي البوليني، د- هاني السباعي، عراق المطيري، طلال قسومي، حسن الحسن، د- هاني ابوالفتوح، محمد العيادي، إيمى الأشقر، الهادي المثلوثي، معتز الجعبري، فتحي الزغل، مصطفى منيغ، خبَّاب بن مروان الحمد، كريم السليتي، د - مضاوي الرشيد، حاتم الصولي، د- محمود علي عريقات، د. محمد مورو ، مجدى داود، نادية سعد، رافع القارصي، محمد أحمد عزوز، الهيثم زعفان، صفاء العراقي، د - احمد عبدالحميد غراب، محمود طرشوبي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، خالد الجاف ، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د - غالب الفريجات، د - الضاوي خوالدية، أحمد بن عبد المحسن العساف ، رافد العزاوي، حسن الطرابلسي، جمال عرفة، د. محمد يحيى ، عبد الله زيدان، صالح النعامي ، علي الكاش، رضا الدبّابي، سامح لطف الله، شيرين حامد فهمي ، رحاب اسعد بيوض التميمي، صفاء العربي، يزيد بن الحسين، حمدى شفيق ، صباح الموسوي ، د - أبو يعرب المرزوقي، أحمد بوادي، عدنان المنصر، أنس الشابي، د. عادل محمد عايش الأسطل، د - محمد بن موسى الشريف ، د. الحسيني إسماعيل ، د - مصطفى فهمي، سلوى المغربي، سوسن مسعود، د. الشاهد البوشيخي، فراس جعفر ابورمان، رمضان حينوني، د. محمد عمارة ، منجي باكير، أحمد النعيمي، د. نانسي أبو الفتوح، جاسم الرصيف، د. جعفر شيخ إدريس ، إسراء أبو رمان، فاطمة حافظ ، عصام كرم الطوخى ، رأفت صلاح الدين، د. مصطفى يوسف اللداوي، محرر "بوابتي"، كريم فارق، فاطمة عبد الرءوف، علي عبد العال، فوزي مسعود ، أشرف إبراهيم حجاج، د - صالح المازقي، مصطفي زهران، ياسين أحمد، د - محمد عباس المصرى، سلام الشماع، د. صلاح عودة الله ، حسني إبراهيم عبد العظيم، رشيد السيد أحمد، محمود فاروق سيد شعبان، د . قذلة بنت محمد القحطاني،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة