تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

أتوبة أم عفو

كاتب المقال أنس الشابي - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


بعد أن ظهرت تباشير التغيير على أرض الواقع بانهيار جحافل المرتزقة في سوريا وتمكن النظام من القضاء عليهم أثارت وسائل الإعلام وبعض الساسة لدينا بإلحاح مسألة عودة التونسيين الذين سفروا في عهد الترويكا إلى المحرقة السورية وتورّطوا في قتل وذبح الأبرياء، ولأننا نعيش فترة ضاعت فيها التخوم والحدود بين مصطلحاتها والتبست المعاني والمفاهيم واختلط الحابل بالناب واشتبهت النفقة بالحضانة طلع علينا الذين تصدروا العمل السياسي بعد أحداث 14 جانفي بمصطلح التوبة ويقصدون بذلك اعتذار الإرهابي عن ماضيه و"طاح الكاف على ظله" كما جاء في المثل.

التوبة مصطلح يحيل إلى المنظومة الدينية ويعني الرجوع عن المعصية والإقلاع عن ارتكاب الذنوب والتعهد بعدم إتيانها مستقبلا لذا كانت ملتصقة دائما وأبدا بحقوق الله لدى المؤمنين فإن توقفوا عن إتيان المحرمات كالامتناع عن صوم رمضان أو أداء الصلاة وغيرهما وكانت توبتهم نصوحا غفر الله لهم ما تقدم من ذنبهم، أما إذا كانت هذه المعاصي ملتبسة بحقوق مادية لله كأن تكون زكاة أو كفارة مثلا فإن التوبة لا تصح إلا بعد الوفاء بما لهم من دين تجاهه تعالى، ذاك هو معنى التوبة ومضمونها وهو معنى لا علاقة له بالحالة التي نحن بصددها وذلك من أوجه متعددة بيانها كالتالي:

1) التوبة أو طلب العفو تصرّف فردي شخصي يتناول جريمة معيّنة في وقت محدّد ارتكبت وفاعلها شعر فيما بعد بتأنيب الضمير فأراد أن يبرّئ ذمته ويكفر عن الجرم الذي أتاه بالاعتراف وطلب الصفح من المُعتدَى عليه، أما في حالتنا هذه فالمسألة تتعلق بالآلاف الذين ارتكبوا جرائم شتى في أوقات متتالية اعتُدي فيها على الناس دون موجب أو سبب شبيهة بجرائم الإبادة العرقية كتلك المجازر التي حصلت للأرمن من طرف الأتراك وهي لهذا السبب لا تكون مشمولة بما يسعى إليه البعض فيما سمَّوه التوبة.

2) الجهة التي من حقها أن تعفو وتسقط حقها هي الجهة التي اعتدي عليها وتضرّرت من جرائم الوافدين وهي الدولة السورية التي تعرّض شعبها وأرضها إلى مجازر وتهجير وتخريب من طرف شذاذ الآفاق من المرتزقة الذين جمعهم التنظيم الدولي للإخوان المسلمين ووفرت لهم بعض الأنظمة المدد المالي، لتصبح سوريا رهينة صراع إقليمي دار على أرضها بين قوى مختلفة تحملت هي نتيجته، ويقتضي الإنصاف أن تكون هي صاحبة الحق في محاسبة المتورطين الذين أسروا على أراضيها.

3) في إطار التمهيد لعودة هؤلاء المجرمين إلى الوطن ذهب البعض إلى القول بأن الدستور يمنع تغريب التونسي أو حجب الجنسية عنه، هذا التعليل فاسد في المبدأ وفي المنتهى فالجنسية وإن كانت حقا فإن الإبقاء عليها مشروط بالمحافظة عليها من كل ما يشين هذا من ناحية ومن ناحية أخرى لا تمنح الجنسية حصانة لحاملها سواء ارتكب جرائم داخل البلاد أو خارجها، أما الاستناد إلى فصول الدستور فلا حجية له في موضوعنا لأن الدستور لا يعدو أن يكون وثيقة كأي وثيقة أخرى قابلة للمراجعة تخضع للقواعد التي اتفقت عليها الإنسانية ومن بين أهمّها المحافظة على الحياة البشرية وردع كل من يحاول المساس بها بصرف النظر عن دينه أو لغته أو عرقه، إن الدعوة إلى فتح أبواب الوطن على مصاريعها لهؤلاء القتلة بحجة جنسيتهم التونسية فليس في حقيقته إلا مساعدة رسمية على تهريبهم ومنع محاكمتهم على الجرائم التي أتوها.

4) حتى يقتنع من لم يقتنع بضرورة هذا النوع من التوبة يُذكّر البعض بالتجربة الجزائرية في بدايات حكم بوتفليقة ونزول المسلحين من الجبال، والحال أن الحالة التونسية تختلف عن الحالة الجزائرية ولا وجه للمقارنة بينهما لِما يلي:

ـ الإرهاب الذي اكتوت بناره الجزائر بقي محصورا داخل الوطن ولم ينتقل الجزائريون إلى الخارج لممارسة إرهابهم ضد غيرهم فالملف داخلي بحت لذا عولج بما تقتضي مصلحة الوطن وسماحة العفو عن أبنائه خصوصا وأن أهالي الضحايا ساندوا مشروع المصالحة.

ـ أما في تونس فالوضع مختلف لأن الذين سُفِّروا إبان حكم الترويكا انتقلوا إلى سوريا عبر البوابة التركية بهدف القتل والتدمير والذبح فنكلوا بالشعب السوري ودمّروا مدنا بأكملها وأشاعوا الرعب والخوف، فالضحايا ليسوا تونسيين بل هم شعب شقيق عانى الويلات منهم، فهل من المعقول أن يعود هؤلاء إلى تونس قبل أن يحاسبهم الشعب السوري على ما أجرموا في حقه؟ وهل من الإنسانية أن نشارك أو نساعد في تهريب الإرهابيين الذين ولغوا في دماء الأبرياء؟.

5) إن الإصرار على إعادة هؤلاء الإرهابيين إلى تونس يستهدف بالأساس التغطية على من حثهم وساعدهم على السفر إلى المحرقة السورية لأن الأعداد الكثيفة منهم التي انتقلت إلى سوريا تمت في فترة حكم الترويكا وبمساعدة من جمعيات أسست لأغراض وأدت مهام أخرى.
والذي نخلص إليه أن العفو عن المخطئ من أبناء الوطن ممكن ومحبّذ وجائز وضروري ويجب أن يشمل الكل باستثناء أولائك الذين صنعوا من تونس الدولة الأولى عالميا في تصدير الإرهابيين وجعلوا من شبابنا قتلة وذباحين، وهاهم اليوم بعد انتصار النظام السوري يفتشون لهم عن مخرج من الورطة التي أوقعوا أنفسهم فيها بالترويج للتوبة وإظهار بعض القتلة في التلافيز بعد حلق اللحى واستعمال معجون الأسنان بدل السواك.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

سوريا، الحرب الأهلية بسوريا، النظام السوري، الجهاديون، تونس، المجاهدون التونسيون،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 9-12-2016  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  دفاعا عن الزيتونة
  عن مدنيّة حزب حركة النهضة وتونسته
  الفصل الثاني من الحرب على فضيلة الشيخ المفتي
  تعقيبا على بيان الجامعة الزيتونية حول الإرث...
  زواج المسلمة من غير المسلم جائز شرعا
  عن الـ vote utile مجدّدا بنفس الأدوات
  التوازن في المشهد السياسي !!!!!
  عن تزوير الانتخابات
  الحاج الحبيب اللمسي في ذمّة الله
  فضح الإرجاف بحشر الأسلاف في خصومات الأخلاف
  تجفيف الينابيع أو سياسة التوافق بأثر رجعي
  البيعة وتجفيف الينابيع في شهادة لطفي زيتون
  برهان بن علي وبسيّس قائد السّبسي
  عفّة الخصيان
  عن النهضة والانتخابات والتحالف
  فقه العامة
  مأساة الثقافة في تونس
  عن الإسلام الديمقراطي مجدّدا
  التوازن في المشهد السياسي!!!!
  الإسلام الديمقراطي!!!!
  ردًّا على محمد الغرياني آخر أمين عام للتجمع الدستوري الديموقراطي
  الاعتذار
   هل كتب محمد القروي مجلة الأحوال الشخصية فعلا؟
  عن اليسار والإسلام السياسي في تونس (حمّة الهمامي أنموذجا)
  غضب ابن علي من أنس فعزل البلاجي
  أتوبة أم عفو
  حَوَلٌ في البصر وعمًى في البصيرة
  بعد جمنة نواب يتاجرون بالقضية الفلسطينية
  ردًّا على القيل والقال
  عن الزيتونيين وجماعة الإخوان المسلمين مجدّدا

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
مراد قميزة، محمد اسعد بيوض التميمي، د - محمد سعد أبو العزم، رحاب اسعد بيوض التميمي، عمر غازي، د. أحمد محمد سليمان، فاطمة عبد الرءوف، إيمى الأشقر، سيدة محمود محمد، معتز الجعبري، د. عادل محمد عايش الأسطل، سامر أبو رمان ، مجدى داود، سلام الشماع، مصطفي زهران، رضا الدبّابي، سلوى المغربي، د - الضاوي خوالدية، حسني إبراهيم عبد العظيم، حسن الطرابلسي، د.ليلى بيومي ، أ.د. مصطفى رجب، د - أبو يعرب المرزوقي، رافد العزاوي، سفيان عبد الكافي، يحيي البوليني، د- محمد رحال، د- هاني السباعي، عصام كرم الطوخى ، د - شاكر الحوكي ، بسمة منصور، أنس الشابي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د. خالد الطراولي ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، صلاح المختار، د. محمد عمارة ، محمود فاروق سيد شعبان، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، محرر "بوابتي"، د. مصطفى يوسف اللداوي، منى محروس، إيمان القدوسي، فهمي شراب، رمضان حينوني، صفاء العراقي، د. عبد الآله المالكي، حاتم الصولي، د - صالح المازقي، فتحي الزغل، أحمد النعيمي، أحمد الحباسي، أحمد ملحم، د - محمد بن موسى الشريف ، العادل السمعلي، حسن الحسن، د. أحمد بشير، عبد الغني مزوز، فاطمة حافظ ، محمد أحمد عزوز، حسن عثمان، نادية سعد، محمد شمام ، عبد الله الفقير، حميدة الطيلوش، د - غالب الفريجات، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د.محمد فتحي عبد العال، د. محمد يحيى ، خالد الجاف ، المولدي الفرجاني، خبَّاب بن مروان الحمد، منجي باكير، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د. الشاهد البوشيخي، د - محمد بنيعيش، الشهيد سيد قطب، عدنان المنصر، ماهر عدنان قنديل، محمد إبراهيم مبروك، د- محمود علي عريقات، د - احمد عبدالحميد غراب، إسراء أبو رمان، سيد السباعي، جمال عرفة، كريم فارق، أحمد بوادي، عبد الرزاق قيراط ، هناء سلامة، صفاء العربي، د. نهى قاطرجي ، ابتسام سعد، طلال قسومي، أشرف إبراهيم حجاج، د. محمد مورو ، الهيثم زعفان، د. صلاح عودة الله ، د - محمد عباس المصرى، فتحـي قاره بيبـان، عزيز العرباوي، سوسن مسعود، علي عبد العال، حمدى شفيق ، رشيد السيد أحمد، د- هاني ابوالفتوح، محمود طرشوبي، محمد العيادي، جاسم الرصيف، فوزي مسعود ، فتحي العابد، محمود صافي ، رافع القارصي، ياسين أحمد، رأفت صلاح الدين، تونسي، الهادي المثلوثي، د. طارق عبد الحليم، محمد تاج الدين الطيبي، د. نانسي أبو الفتوح، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د- جابر قميحة، أحمد بن عبد المحسن العساف ، محمد الياسين، صباح الموسوي ، يزيد بن الحسين، سحر الصيدلي، د. جعفر شيخ إدريس ، سعود السبعاني، كريم السليتي، صلاح الحريري، د - مصطفى فهمي، عواطف منصور، محمد عمر غرس الله، د - المنجي الكعبي، كمال حبيب، مصطفى منيغ، د - مضاوي الرشيد، د. الحسيني إسماعيل ، فراس جعفر ابورمان، عراق المطيري، محمود سلطان، وائل بنجدو، سامح لطف الله، د. ضرغام عبد الله الدباغ، عبد الله زيدان، علي الكاش، شيرين حامد فهمي ، أبو سمية، الناصر الرقيق، محمد الطرابلسي، صالح النعامي ، أحمد الغريب، إياد محمود حسين ،
أحدث الردود
أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

نتيجة ما تعانيه بناتنا في الاتجاة نحو طريقا لانحبذة ولانرضه لكل فتاة أي كانت غنية اوفقيرة ولكن مشكلتنا في الدول العربية الفقر ولذاعلي المنظمات الاجتما...>>

من صدق مجتمع رايح فيها انا متزوج مغربيه بس مو عايشين هنا ولا ابغى ارجع المغرب رحتها يوم زواجي وماعدتها بلد دعاره بامتياز حتى الاسره المغربيه منحله الب...>>

أعيش في مصر جاءت احدي الفتيات المغربيات للعمل في نفس الفندق الذي اعمل به وبدأت باكثير من الاهتمام والإغراء والحركات التي تقوم بها كل امرأه من هذه النو...>>

Assalamo alaykom
Yes, you can buy it at the Shamoun bookshop in Tunis or any other; 4 ex: Maktabat al-kitab in the main street of capital....>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة