تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

تونس الحقيقة والكرامة ... الكشف والعدالة

كاتب المقال محمد هنيد   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


انطلقت في تونس مؤخرا جلسات الاستماع العلنية لضحايا القمع والتعذيب الذي مارسه نظاما الوكيل الاستعماري الأول "بورقيبة" والوكيل الاستعماري الثاني "بن علي" خلال فترة الوكالة الممتدة بين الفترتين 1956 1987 و1987 2010. "هيئة الحقيقة والكرامة" هي الهيكل المكلف دستوريا برعاية مسار الكشف عن ضحايا سنوات القمع والتعذيب والتنكيل التي طالت كل مخالف لرأي "المجاهد الأكبر" وجماعته أو المعارض "لرجل التحول المبارك"، وهي جزء لا ينفصل عن مسار العدالة الانتقالية التونسية كما يحلو للعديد تسميتها.

واجهت الهيئة منذ تأسيسها كل خناجر الدولة البوليسية التي لا تزال تتحكم في مفاصل كثيرة من مفاصل المسار الانتقالي نفسه والدولة هذه جزء لا ينفصل عن الدولة العميقة التي ورثت الهيكل السياسي لإرث "بن علي".

واجهت رئيسة الهيئة ولا تزال تواجه كل أنواع التشويه سواء عبر العناصر التي تم زرعها داخل الهيئة أو عبر التشويه الإعلامي الذي يتفنن فيه "إعلام العار التونسي" الوريث الشرعي لإعلام نوفمبر وإعلام "صانع التغيير".

كان الهدف من كل الحملات التي طالت الهيئة هو منعها من أداء الوظيفة الأهم في المسار الثوري وهو كشف الطبيعة الحقيقية لنظام الوكالة الاستعماري لكل من بورقيبة وبن علي لأن تعرية السلوك المتوحش لهذه الأنظمة هو الكفيل وحده بقطع الإمداد الإعلامي عن شرعية الاستبداد. تعرية توحش الاستبداد في الأنظمة الأمنية الجمهورية هو المدخل الوحيد للوعي الثوري الناشئ القادر على منع تجدد شروط الاستبداد.

قصص التعذيب التي رواها ضحايا دولة القمع كانت صادمة للجميع ومروّعة للحضور لكنها لم تكن صادمة لمن خبر دولة البوليس ودولة زوّار الفجر وجلادي أقبية التعذيب في وزارة الداخلية وفي أقسام الحجز والايقاف حيث تداس كرامة الانسان وتنتزع آدمية البشر.

أمهات حضرن وهن يروين كيف دمّر نظام المجرم بورقيبة حياتهنّ وحياة فلذات أكبادهنّ بأن دفنهم أحياء في الصحراء فشرد عائلات بأكملها وحكم بالموت البطيء على المئات من الشبان والشابات. هذا بقطع النظر عن جرائمه الكبيرة في حق "اليوسفيين" وفي حق زعيمهم الوطني "صالح بن يوسف" وبقطع النظر عن تآمره في اغتيال الزعيم النقابي فرحات حشاد وتصفية كل رفاق النضال ليصفو له الجو وتخلو له الساحة فيستبد بالحكم وبالكرسي ويضع اللبنة الأولى لدولة الخراب والقحط.

أما المجرم "بن علي" فقد شارك بنفسه في التصفية الجسدية للمعتقلين. كما روى كثير من الشهود كيف أزهق بيديه أرواح بعض السجناء السياسيين في أقبية السجون والمعتقلات. والدة الشهيد "كمال المطماطي" روت بحرقة كيف تمت تصفية ابنها تحت التعذيب بمركز الأمن بقابس ثم اخفاء الجثة التي يؤكد كثيرون أنها صبّت في قالب اسمنتي بإحدى الجسور بتونس ثم حوصرت العائلة طوال سنوات طويلة وتم التنكيل بكل من يقترب من العائلة بشكل حطم أسرة بكاملها وحطم مستقبل أبنائها إلى الأبد.

روايات كثيرة مرعبة منها ما لا يستطيع الضحايا البوح به بسبب طبيعة المجتمع المحافظ كحالات الاغتصاب والاعتداء بالفاحشة ونقل الأمراض الجنسية المعدية والحقن بالجراثيم واغتصاب أفراد العائلة أمام السجين والإخصاء وكل أشكال التدمير المعنوي والجسدي التي تفنن نظام السابع من نوفمبر ونظام العميل بورقيبة في الإتيان به.

ما كان "بن علي" ولا "بورقيبة " ولا كل الطغاة العرب ليحكموا شعوبهم دون أن يكون التعذيب وانتهاك حرمة الذات البشرية سلوكا منهجيا لإرهاب الناس ولضمان عالم من الصمت يسمح للزعيم والقائد والبطل المجاهد والرئيس الخالد أن يجلس على كرسيه الوثير وعلى جماجم شعبه عقودا من الزمان. التعذيب والقمع والإرهاب هي الأدوات الوحيدة التي يمتلكها مغتصب السلطة حتي يستطيع الحكم وهو في ذلك لا يختلف عن أية قوة استعمارية أو عن جيوش الاحتلال مثلما أثبتت ذلك حرب العراق وزنازين "أبو غريب" الشهيرة.

التعذيب من جهة والاستبداد من جهة أخرى هما وجهان لعملة واحدة فلا يمكن لأحدهما أن يوجد دون وجود الآخر فخصائص كليهما تتماهى مع الآخر ولا يستقيم الأول إلا بالثاني. أما فضاء الحرية فإنه يتماهى مع احترام كرامة الإنسان ومع العدالة الاجتماعية لأن الأول لا يتحقق إلا بالثاني ولأن شرط وجود الأول مرتبط بوجود الآخر.

صحيح أن التنفيس عن الألم لن يعيد للضحايا شبابهم ولن يعوضهم عن سنوات العذاب ولا عن العمر الذي ضاع والمستقبل الذي تحطم لكنه يسمح من جهة أخرى بكشف بشاعة الاستبداد ويعري جرائم الجلادين الذين تحوّلوا إلى مجرمين في حق شعوبهم وأهلهم.

هذا الكشف والوعي المصاحب له هما الخطوة الأولى في طريق تحقيق دولة الكرامة والعدالة الاجتماعية ولو في حدّها الأدنى. بناء عليه فإن دولة العدالة الاجتماعية ودولة كرامة الإنسان لا يمكن أن تقوم إلا بتحقيق العدالة القادرة على محاكمة كل من أجرم في حق الذات البشرية والقصاص من الجلادين حتى يتم القضاء على كل إمكانيات تجدد الظاهرة وتكرر الجريمة.

إن العدالة العرجاء أو تبييض التعذيب وطمس الجريمة هو أن يفلت الجلادون والمجرمون من العقاب ومن القصاص العادل الذي هو الوحيد القادر على ترميم ما حطمته يد المجرمين من أنفس بشرية. إن العدالة الانتقالية التي تقتصر على التنفيس وعلى شهادة الشهود ليست في الحقيقة إلا طمسا للجريمة بل ومشاركة فيها وتفعيلا لها باسم الوئام الكاذب والمصالحة المغلوطة.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الثورة التونسية، هيئة الحقيقة والكرامة، جلسات الإستماع، سهام بن سدرين، المنظومة القديمة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 25-11-2016   المصدر: موقع عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
صلاح الحريري، د - محمد عباس المصرى، سلام الشماع، أحمد الغريب، محمود طرشوبي، عبد الغني مزوز، صلاح المختار، د. نهى قاطرجي ، مصطفي زهران، أحمد ملحم، محمود صافي ، منجي باكير، فاطمة عبد الرءوف، محمد تاج الدين الطيبي، د. جعفر شيخ إدريس ، صباح الموسوي ، عبد الله زيدان، صفاء العربي، رضا الدبّابي، محمد الطرابلسي، ابتسام سعد، د - مضاوي الرشيد، د- هاني ابوالفتوح، شيرين حامد فهمي ، د - شاكر الحوكي ، د - الضاوي خوالدية، د. خالد الطراولي ، يزيد بن الحسين، د. محمد مورو ، د- هاني السباعي، وائل بنجدو، الناصر الرقيق، حسن الطرابلسي، عدنان المنصر، سامر أبو رمان ، هناء سلامة، الشهيد سيد قطب، حمدى شفيق ، الهيثم زعفان، سوسن مسعود، معتز الجعبري، محمود فاروق سيد شعبان، إيمان القدوسي، د. محمد يحيى ، د - محمد سعد أبو العزم، د. صلاح عودة الله ، سيد السباعي، ماهر عدنان قنديل، د. نانسي أبو الفتوح، علي عبد العال، حاتم الصولي، تونسي، حسن عثمان، محرر "بوابتي"، طلال قسومي، خبَّاب بن مروان الحمد، د - غالب الفريجات، محمد أحمد عزوز، فتحـي قاره بيبـان، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د. عادل محمد عايش الأسطل، سعود السبعاني، جاسم الرصيف، د. كاظم عبد الحسين عباس ، عمر غازي، عبد الله الفقير، فتحي الزغل، عصام كرم الطوخى ، محمد الياسين، د- محمد رحال، د.محمد فتحي عبد العال، رمضان حينوني، د - المنجي الكعبي، د. محمد عمارة ، د - أبو يعرب المرزوقي، محمد شمام ، د. أحمد محمد سليمان، رحاب اسعد بيوض التميمي، أحمد النعيمي، حسن الحسن، فتحي العابد، جمال عرفة، سحر الصيدلي، خالد الجاف ، محمد عمر غرس الله، د. طارق عبد الحليم، رافع القارصي، د - صالح المازقي، إياد محمود حسين ، الهادي المثلوثي، سامح لطف الله، علي الكاش، مراد قميزة، كمال حبيب، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د.ليلى بيومي ، أحمد بن عبد المحسن العساف ، إيمى الأشقر، أنس الشابي، نادية سعد، أشرف إبراهيم حجاج، رشيد السيد أحمد، حسني إبراهيم عبد العظيم، فاطمة حافظ ، محمود سلطان، مجدى داود، أبو سمية، عواطف منصور، المولدي الفرجاني، بسمة منصور، د. أحمد بشير، د . قذلة بنت محمد القحطاني، محمد إبراهيم مبروك، كريم السليتي، كريم فارق، صفاء العراقي، أحمد بوادي، د- محمود علي عريقات، أ.د. مصطفى رجب، سيدة محمود محمد، د - احمد عبدالحميد غراب، سلوى المغربي، العادل السمعلي، فهمي شراب، د - محمد بن موسى الشريف ، حميدة الطيلوش، صالح النعامي ، عبد الرزاق قيراط ، أحمد الحباسي، رأفت صلاح الدين، يحيي البوليني، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د- جابر قميحة، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، فوزي مسعود ، محمد العيادي، عزيز العرباوي، إسراء أبو رمان، مصطفى منيغ، محمد اسعد بيوض التميمي، ياسين أحمد، د. الحسيني إسماعيل ، د - محمد بنيعيش، د. مصطفى يوسف اللداوي، د - مصطفى فهمي، د. عبد الآله المالكي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، فراس جعفر ابورمان، رافد العزاوي، سفيان عبد الكافي، منى محروس، عراق المطيري، د. الشاهد البوشيخي،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة