تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

مقالات منسية : الجامعة العربية وسياسة الارتجال

كاتب المقال عباس محمود العقاد   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


قبل بضع سنوات كانت بريطانيا العظمى شديدة الرغبة في تعزيز الجامعة العربية، حتى زعم الصهيونيون وأبواقهم في الولايات المتحدة أن الجامعة كلها مشروع من مشروعات دوننج ستريت

وبعد انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين واشتباك القتال بين العرب والصهيونيين كان موقف بريطانيا العظمى محفوفًا بالغموض تارة والتردد تارة أخرى؛ لأنها كانت تريد أن تملي على العرب سياستها وتريد من الجهة الأخرى أن توافق الولايات المتحدة ولا تجهر بمخالفتها، فكانت خطتها كلها في المسائل العربية تنم على الحذر والمغالطة والحرص على أخذ «العصا من النصف» كما يقولون.

واليوم يقال إنها قد عادت إلى الرغبة في إبقاء الجامعة العربية وتعزيز مكانتها، ولكن برعايتها وأَعْيُنِها وعلى شريطة أن تكون حكومات العرب جميعًا موالية لها «متفاهمة معها»

وقد ذهب بعضهم في تأييد هذه الرغبة البريطانية مذهبًا واسعًا يتناول تفسير الحوادث الأخيرة في الشرق العربي كله، ويربط بين هذه الحوادث وبين المؤتمرات والزيارات التي تنعقد وتتوالى منذ أسابيع في العاصمة الإنجليزية.

لا، بل توسع أصحاب هذا الرأي في تفسيرهم وربطهم بين الحوادث والدعوات حتى اعتقدوا أن بريطانيا العظمى ترمي إلى مشروع أكبر من مشروع الكتلة العربية وهو مشروع الكتلة الإسلامية أو الكتلة الشرقية، وأن ظهور الدعوة إلى هذا المشروع أول الأمر على لسان العرب «المتنجلزين» يُسوِّغ الاعتقاد بأن بريطانيا العظمى تُرحِّب على الأقل بالكتلة الإسلامية أو الكتلة الشرقية وترجو أن تستعين بهذه الكتلة في سياستها الآسيوية أوقات السلم وفي خططها العسكرية إذا نشب القتال بين المعسكرين وتحوَّلت مناورات السياسة والحرب جميعًا إلى تلك الرقعة التي تشغلها الأمم الإسلامية من أواسط آسيا إلى شمال أفريقية.

ونحن الشرقيين — على فرض صحة هذه الأقاويل — نفهم واجبنا نحو أنفسنا ونحو العالم الذي لا ننفصل عنه، ولا نريد أن ننفصل عنه بسياستنا. وواجبنا هو اتخاذ الخطة الصالحة لنا وللعالم بأجمعه، كائنًا ما كان موقف الدولة البريطانية من جامعات الأمم العربية أو الإسلامية أو الإنسانية، ولا علينا متى عرفنا الخطة الصالحة لسلامة بلادنا ولتقرير السلام في العالم كله أن تكون هذه الخطة موافقة لما تُدبِّره بريطانيا العظمى أو محبطة لذلك التدبير؛ فإن السياسة البريطانية تستطيع أن تسلك مسلك الارتجال والتردد في مشروعاتها الشرقية التي لا خطر منها على كيانها، ولكننا نحن لا نستطيع أن نسلك مسلك الارتجال في مشروع يمس كيان هذا البلد أو يمس كيان البلاد التي يؤازرها وتؤازره ويتجه معها إلى جهة واحدة.

***
على أننا نخشى أن نقول إن سياسة الارتجال والتردد عدوى سريعة الانتقال وأن من أعاجيب هذه العدوى أنها تنتقل من دوننج ستريت إلى أماكن خاصة في بلاد الشرق الأدنى.
فلماذا هذه الرحلات وهذه الحركات المفاجئة وهذه الأقاويل التي تحيط بها في وقت واحد؟

ينادي منادٍ مِنْ قِبَلِ ذلك القُطْر لِيُعْلِنَ مطامعه «التقليدية» ويستسلم لنوبات الصراحة التي تعتريه حينًا بعد حين

وينادي في الوقت نفسه منادٍ مِنْ قِبَلِ العراق باستنكار كل إشاعة تتهم العراق بالطمع في قُطْر من الأقطار العربية، ويُسمِّي تلك الإشاعات بهتانًا وتلفيقًا من «الانتهازيين».

وتأتي الأنباء باجتماع الساسة من هنا وهناك في بقعة من البقاع الشرقية للتشاور على ما يُقال في تنفيذ المطامع التي تجهر بها الصراحة تارة وتنكرها السياسة والكياسة تارة أخرى.
أهي سياسة مرتجلة تتخبط وتتردَّد كلما عنت لها فرصة أو عرضت لها مناسبة؟ أم هي سياسة مرسومة يظهر عليها الارتجال والتخبط لأنها مرسومة في الخفاء يطَّلِع عليها فريق ويجهلها فريق آخر، ولا يطَّلِع عليها المطلعون إلا في فترات تنقطع أو تتصل على حسب المفاجآت؟
إنَّ مصر — على أية حال — لا تحب أن تذهب ضحية لنوبات الارتجال، ولا تحب في الوقت نفسه أن تجهل ما يدور حولها من هذه النوبات والنزوات.

وهناك تخبط ظاهر لا حاجة بنا إلى مجاراة أحد فيه؛ لأن حدود كل تخبط عندنا هي سلامة بلادنا وضمان حقوقنا، واجتناب المأساة التي تُعرِّضنا للخذلان كلما عولنا على من لا يصلحون للتعويل عليهم في مآزق الخطر والشدة.
وفي وسعنا أن نمر بكثير من تلك النوبات والنزوات وتلك المفاجآت والمناورات ونحن نقول: «لا يعنينا … واللهم حوالينا ولا علينا.»
ونحن قادرون على أن نقولها دائمًا ما دُمْنا نعمل العمل الذي لا نُلام عليه ثم لا نبالي ما عداه.

والعمل الذي لا نُلام عليه هو صيانة بلادنا، والوقوف عند حدِّنا، واجتناب كل ما تلزمنا فيه شبهة التقصير على سُنَّة واحدة لا تمييز فيها بين أمة وأمة من العاملين على الوحدة العربية أو الوحدة الشرقية، فليس من حقنا ولا من حق أحد أن يديننا بما لا يُدان به سوانا، وكفانا ما جربناه من تلك الواجبات والفروض التي لا مشاركة فيها ولا شكر عليها.

-----------
جريدة الأساس
٢٩ أغسطس ١٩٤٩


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

الأدب السياسي، تاريخ الأدب، عباس محمود العقاد، جامعة الدول العربية،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 18-03-2016  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
أحمد الحباسي، أبو سمية، محمد أحمد عزوز، سامح لطف الله، سحر الصيدلي، وائل بنجدو، علي الكاش، رافد العزاوي، سوسن مسعود، د. أحمد محمد سليمان، د - شاكر الحوكي ، سلوى المغربي، د. مصطفى يوسف اللداوي، رمضان حينوني، د- هاني السباعي، صفاء العراقي، عبد الغني مزوز، د. أحمد بشير، شيرين حامد فهمي ، علي عبد العال، د. ضرغام عبد الله الدباغ، د - محمد بن موسى الشريف ، د. نانسي أبو الفتوح، المولدي الفرجاني، د. نهى قاطرجي ، منى محروس، د. عادل محمد عايش الأسطل، عراق المطيري، د - محمد بنيعيش، سامر أبو رمان ، د- جابر قميحة، يحيي البوليني، حسن الحسن، إسراء أبو رمان، د - غالب الفريجات، صفاء العربي، الشهيد سيد قطب، محمد الطرابلسي، د- محمود علي عريقات، عزيز العرباوي، إيمان القدوسي، سلام الشماع، إيمى الأشقر، فاطمة حافظ ، أشرف إبراهيم حجاج، محمد الياسين، د. محمد يحيى ، عصام كرم الطوخى ، أحمد ملحم، صباح الموسوي ، حمدى شفيق ، منجي باكير، محمد تاج الدين الطيبي، مجدى داود، بسمة منصور، خالد الجاف ، ياسين أحمد، د - عادل رضا، الهادي المثلوثي، محمد العيادي، صالح النعامي ، د. عبد الآله المالكي، عبد الرزاق قيراط ، الناصر الرقيق، د.ليلى بيومي ، محمود طرشوبي، سيدة محمود محمد، رضا الدبّابي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، العادل السمعلي، فتحي العابد، أحمد الغريب، د.محمد فتحي عبد العال، تونسي، د - صالح المازقي، جمال عرفة، رشيد السيد أحمد، محرر "بوابتي"، رافع القارصي، د. الحسيني إسماعيل ، صلاح المختار، د - احمد عبدالحميد غراب، محمود سلطان، حسني إبراهيم عبد العظيم، د- محمد رحال، فتحي الزغل، عدنان المنصر، رحاب اسعد بيوض التميمي، د. كاظم عبد الحسين عباس ، أنس الشابي، د - مضاوي الرشيد، حاتم الصولي، د - مصطفى فهمي، د. طارق عبد الحليم، أحمد بوادي، محمود صافي ، هناء سلامة، د - أبو يعرب المرزوقي، كريم السليتي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، معتز الجعبري، د. محمد عمارة ، سيد السباعي، أ.د. مصطفى رجب، يزيد بن الحسين، سفيان عبد الكافي، عبد الله زيدان، محمود فاروق سيد شعبان، فاطمة عبد الرءوف، د- هاني ابوالفتوح، فراس جعفر ابورمان، طلال قسومي، الهيثم زعفان، د. محمد مورو ، د. صلاح عودة الله ، جاسم الرصيف، إياد محمود حسين ، أحمد بن عبد المحسن العساف ، حسن عثمان، محمد عمر غرس الله، صلاح الحريري، كريم فارق، سعود السبعاني، فتحـي قاره بيبـان، د. خالد الطراولي ، عبد الله الفقير، د. جعفر شيخ إدريس ، ابتسام سعد، مصطفى منيغ، نادية سعد، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د - المنجي الكعبي، محمد اسعد بيوض التميمي، ماهر عدنان قنديل، محمد شمام ، أحمد النعيمي، حسن الطرابلسي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، فوزي مسعود ، محمد إبراهيم مبروك، د. الشاهد البوشيخي، مراد قميزة، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، حميدة الطيلوش، مصطفي زهران، د - الضاوي خوالدية، رأفت صلاح الدين، خبَّاب بن مروان الحمد، عواطف منصور، د - محمد سعد أبو العزم، د - محمد عباس المصرى، كمال حبيب، عمر غازي، فهمي شراب،
أحدث الردود
جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


أعلم أن تعليقك مر عليه سنين، كان عليك بزيارة طبيب نفسي فتعليقك يدل على أنك مريض ، ويحمل تناقضات تقول أنها عاهرة و جاءت لتعمل في الفندق ؟؟؟ عاهرة وأجبر...>>

تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة