تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

عودة إلى موضوع التنصير

كاتب المقال د. محمد يحيى   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


لاحظت في مقال سابق أن هناك عودة إلى ما يمكن أن يسمى الكنيسة الأرثوذكسية، تمثلت في ما ذكر عن تزايد أعداد المتنصرين في الفترة الأخيرة، وبروزهم إلى مجال الصدارة الإعلامية، بجانب عودة أعداد كبيرة ممن قيل أنهم كانوا اعتنقوا الإسلام لأسباب تتعلق بموضوع الأحوال الأسرية في المسيحية أو غير ذلك من الأسباب، والذين أرادوا الآن العودة إلى أحضان الكنيسة وسط دعاية إعلامية كبيرة أيضًا.

ولقد ظهر هذا الاتجاه في الأشهر الأخيرة، وكان السبب الأساسي فيه كما يرى الجميع هو بروز قوة الكنيسة الأرثوذكسية القبطية في مصر بروزًا كبيرًا في الأعوام الأخيرة، بفضل ما أصبح لها من حضور قوي على الساحة الدولية، وبالذات في البلاد المؤثرة مثل أمريكا وبعض بلدان أوروبا الغربية، وكذلك بفضل ما أصبح لها من حضور على الساحة الداخلية بفضل وجود أعداد كبيرة من رجال الأعمال الأغنياء الذين يمدونها بالدعم، وبفضل تحولها من كنيسة إلى ما أشبه بحزب سياسي يضم في عضويته بضع ملايين من الأفراد، ألقوا إليه هدية سهلة من جانب الدولة التي دعمت وباركت تحول الكنيسة إلى الممثل الوحيد والناطق الوحيد باسم أقباط مصر، على اختلاف ميولهم وتوجهاتهم، وكأنهم جميعًا أصبحوا مجرد أعضاء مطيعين خاضعين في حزب سياسي مهيمن.

إلا أن قوة الكنيسة الأرثوذكسية ترجع أيضًا إلى عوامل أخرى، وهي هذه القوة التي أدت بها إلى أن تصبح مصدر جذب لمن كانوا تركوها، أو مصدر جذب حتى لبعض أفراد المسلمين مذبذبي العقيدة والهوية.

ولعل أهم مصادر قوة الكنيسة في الفترة الراهنة هي الإضعاف والهدم المتعمد الذي صُبَّ من جانب أجهزة مختلفة، ومن جانب تيارات مختلفة على الوسط الإسلامي العام، حيث ضُربت المؤسسة الدينية بلا رحمة، كما ضربت أيضًا الجماعات والتشكيلات والتنظيمات الإسلامية المختلفة، بحيث لم يبق في الساحة الإسلامية الآن من يقوموا بالدعوة إلا أفراد قلائل عليهم علامات استفهام ضخمة، لا سيما من حيث الأفكار التي يروجون لها، وهي أفكار تصب في خانة التجهيل أو حتى في خانة التنفير من الإسلام في نهاية المطاف.

إن تحول الكنيسة إلى القوة الاجتماعية الوحيدة في مصر، بل المؤسسة الوحيدة المنظمة والقوية في مصر بفضل قواعدها الاقتصادية والجماهيرية وعلاقاتها الخارجية، كل هذا أغرى وأدى إلى عودة من كانوا تركوها، كما أدى أيضًا إلى اجتذاب أعداد من المسلمين ضعاف الإيمان إليها، وهي أعداد أخشى أن أقول أنها سوف تتزايد في الفترة القادمة، مع شعور الكنيسة بالقوة، ومع تحركها بحرية في مجال التنصير، مستخدمة الأموال، ومستخدمة أيضًا القنوات التليفزيونية العديدة التي فُتحت لها، وسُمح لها بالبث من خلال القمر الصناعي المصري، وهو الأكثر مشاهدة في البلاد.

إلا أنه يجب أن يُذكر لوجه الحق أن قوة الكنيسة وحدها، وهي القوة التي أوصلتها إلى أن تتفاوض معها الدولة بشأن تأييد مشاريع الخلافة، ومستقبل الحكم في مصر ـ أقول أن هذه القوة وحدها ليست هي السبب الوحيد أو الكافي لتفسير ظاهرة العودة إلى النصرانية على مستويات عدة، أو ظاهرة شراسة حركة التنصير في الفترة الأخيرة، فلا بد أن يُشار في هذا الصدد وبكل صراحة ووضوح إلى المسئولية التي يتحملها في هذا المجال فريق من الأشخاص الذين يعملون الآن في مجال الخطاب الإسلامي، والذين أعطيت لهم فجأة وبدون سابق إنذار بل وبدون مبررات واضحة، مساحة من الحرية لا تتوفر الآن لأحد في مصر، بل أقول لا تتوفر حتى لأنصار النظام القائم أنفسهم أو بعضهم. لقد شهدنا في الفترة الأخيرة قنوات تليفزيونية تفتح للبعض، وهي القنوات التي لم تفتح ولا يمكن أن تفتح لتيارات أخرى، سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية، كما شهدنا تسليمًا لمنابر العديد من المساجد إلى هذا الفريق من الناس، وهي المنابر التي لا تسلم لأحد إلا بموافقات طويلة ومضنية من جهات الأمن وغيرها من الجهات، بل هي المنابر التي تُنزع الآن من جانب الجميع، وحتى تنزع من جانب علماء الأزهر أنفسهم.

وفي نفس الوقت فقد مُنح أعضاء هذا الفريق العامل داخل الخطاب الإسلامي أهمية ووزنًا ومكانة تفوق أضعافًا مضاعفة وزنهم الحقيقي، الذي لم يكن أحد يشعر به قبل أشهر قليلة من الآن، حتى تحولوا بفضل هذه الدعاية إلى نجوم في عالم الخطابة الإسلامية أو عالم الإفتاء أو عالم الفكر الإسلامي، وهم لم يكونوا شيئًا مذكورًا قبل سنوات قليلة، وقد تمتعوا بهذا كله بفضل تلك الدعاية التي أعطيت لهم، مع إبعاد الآخرين ممن هم أجدر بالصدارة عنهم، ولاسيما من علماء الأزهر، أو من أبناء بعض الجماعات والمؤسسات الإسلامية العريقة والعاملة في مجال الدعوة. والمشكلة الأساسية في هذا الفريق وبعيدًا عن أي اعتبارات أخرى، هي أن المادة التي يقدمونها أو نوعية الخطاب الذي يقدمونه هو خطاب يصب في نهاية الأمر في مجال تنفير الناس من الإسلام، وذلك بفضل أجواء من السطحية أو الانشغال بقضايا فرعية لا تهم أحدًا، أو الذهول عن عالم المعاصرة، أو ـ وهو الأهم ـ التملق للحكام الموجودين أو للسياسات القائمة مهما كانت درجة عدائها وتنافرها مع الإسلام.

وإني أعتقد اعتقادًا جازمًا أن هذه المساحة التي أُعطيت لذلك التيار ما أعطيت له إلا ليكون حربًا في نهاية الأمر، وأنه حربًا مستترة على الخطاب الإسلامي المعتدل والمستنير والواضح، وهو بذلك يُعد أحد أسباب ظاهرة العودة إلى المسيحية عند البعض، أو بروز ظاهرة التنصر عند البعض الآخر، ولا يخامرني شك في أننا سوف نشهد في الفترات القادمة تزايدًا في أعداد الذاهبين للكنيسة، ليس فقط بفضل قوة الكنيسة وإغراءاتها المادية لضعاف الإيمان من المسلمين، وإنما أكثر للساخطين على هذا الفرع من الخطاب الإسلامي، الذي أُعطي احتكارًا للساحة، وهو غير جدير به، وغير جدير لكي يكون خطابًا إسلاميًّا على الإطلاق.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تنصير، تبشير، مسيحية،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 24-09-2009   shareah.com / موقع الشريعة

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د - أبو يعرب المرزوقي، محرر "بوابتي"، محمد اسعد بيوض التميمي، د - شاكر الحوكي ، عبد الله زيدان، صباح الموسوي ، بسمة منصور، إياد محمود حسين ، فراس جعفر ابورمان، سفيان عبد الكافي، محمد شمام ، د. خالد الطراولي ، عصام كرم الطوخى ، فوزي مسعود ، الهادي المثلوثي، د - صالح المازقي، رافد العزاوي، أحمد الغريب، عمر غازي، د- هاني السباعي، كريم السليتي، رضا الدبّابي، د - محمد سعد أبو العزم، د - محمد بنيعيش، د. الحسيني إسماعيل ، محمد الطرابلسي، محمود طرشوبي، د. محمد مورو ، د. أحمد بشير، تونسي، د - محمد عباس المصرى، د. طارق عبد الحليم، د - محمد بن موسى الشريف ، أحمد النعيمي، د- محمد رحال، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، حسن الطرابلسي، د. مصطفى يوسف اللداوي، د.محمد فتحي عبد العال، محمد تاج الدين الطيبي، سامح لطف الله، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، رشيد السيد أحمد، منجي باكير، سلام الشماع، يزيد بن الحسين، د - المنجي الكعبي، محمد العيادي، ياسين أحمد، د- محمود علي عريقات، ابتسام سعد، فتحي الزغل، الهيثم زعفان، مجدى داود، كمال حبيب، حاتم الصولي، د - مصطفى فهمي، شيرين حامد فهمي ، فاطمة عبد الرءوف، د. محمد عمارة ، سيد السباعي، ماهر عدنان قنديل، د. الشاهد البوشيخي، يحيي البوليني، د . قذلة بنت محمد القحطاني، فتحـي قاره بيبـان، إيمى الأشقر، عدنان المنصر، جاسم الرصيف، إسراء أبو رمان، محمد إبراهيم مبروك، طلال قسومي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، أبو سمية، عراق المطيري، أحمد بن عبد المحسن العساف ، محمود فاروق سيد شعبان، صلاح المختار، د. عبد الآله المالكي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، جمال عرفة، عواطف منصور، هناء سلامة، رحاب اسعد بيوض التميمي، معتز الجعبري، سعود السبعاني، محمد عمر غرس الله، فتحي العابد، الشهيد سيد قطب، صفاء العربي، د - احمد عبدالحميد غراب، علي عبد العال، عبد الرزاق قيراط ، صفاء العراقي، مراد قميزة، د- جابر قميحة، صالح النعامي ، سوسن مسعود، د.ليلى بيومي ، محمد الياسين، حميدة الطيلوش، حسني إبراهيم عبد العظيم، عبد الله الفقير، محمود صافي ، أنس الشابي، رافع القارصي، رمضان حينوني، سحر الصيدلي، حسن عثمان، د- هاني ابوالفتوح، د. أحمد محمد سليمان، أشرف إبراهيم حجاج، نادية سعد، وائل بنجدو، حسن الحسن، عبد الغني مزوز، فهمي شراب، سامر أبو رمان ، د - الضاوي خوالدية، محمد أحمد عزوز، حمدى شفيق ، كريم فارق، د. نانسي أبو الفتوح، د. محمد يحيى ، رأفت صلاح الدين، سلوى المغربي، سيدة محمود محمد، د - غالب الفريجات، صلاح الحريري، الناصر الرقيق، محمود سلطان، د. صلاح عودة الله ، إيمان القدوسي، منى محروس، أحمد بوادي، عزيز العرباوي، أحمد الحباسي، فاطمة حافظ ، د. نهى قاطرجي ، أ.د. مصطفى رجب، العادل السمعلي، المولدي الفرجاني، مصطفي زهران، خبَّاب بن مروان الحمد، خالد الجاف ، أحمد ملحم، مصطفى منيغ، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د. جعفر شيخ إدريس ، د. ضرغام عبد الله الدباغ، علي الكاش، د - مضاوي الرشيد، د. عادل محمد عايش الأسطل،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة