تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

المبادرة المصرية .. الواقعية المرفوضة

كاتب المقال د. نانسي أبو الفتوح   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


الهجوم الشديد ومتعدد المستويات، الذي شنته جماهير الأمة العربية والإسلامية على الموقف المصري الرسمي تجاه أحداث غزة، والذي ظهر من خلال المظاهرات التي عمت العالم العربي والإسلامي بل والعالم كله، والتي أعلنت استياءها من إغلاق مصر لمعبر رفح وعدم سماحها بدخول الإمدادات الغذائية والطبية لقطاع غزة، هذا الهجوم لم يكن هجومًا مخططًا له ضد مصر كما يقول النظام ولم يكن مؤامرة، بل كان رد فعل شعبي منطقي تجاه موقف مصر الرسمي المنسق مع اليهود والأمريكان والكاره لحماس والراغب في إسقاطها.

هذا الهجوم الشعبي أيده الغالبية العظمى للخبراء العسكريين وخبراء القانون الدولي والسياسيون، فهؤلاء جميعًا، من أرضية التخصص والخبرة، استهجنوا وأدانوا الموقف المصري لأنه يستحق الإدانة لافتقاده الأسس المنطقية والأخلاقية.
ما نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية مؤخرًا وقالت فيه إن الرئيس حسني مبارك قال خلال لقاء مغلق مع وفد "الترويكا" الأوروبي بشرم الشيخ برئاسة وزير خارجية التشيك كاريل شوترزنبرج، الذي تترأس بلاده الاتحاد الأوروبي في دورته الحالية: إنه لا ينبغي السماح لـحماس بكسب الحرب الدائرة بينها وبين إسرائيل، ويجب ألا تخرج من هذه الحرب وهي صاحبة اليد العليا.
هذا الذي نشرته الصحيفة الإسرائيلية والذي لم ينفه الرئيس مبارك، يؤكد أن ما قاله جماهير الأمة في مظاهراتهم، وما قاله الخبراء والمختصون عن الموقف المصري لم يكن تجنيًا عليه، وإنما هو حق.

المبادرة التي أعلنت عنها مصر لوقف إطلاق النار، تؤكد من منظور آخر هذه الاتهامات التي تطال صانعي القرار المصريين، فهي توفر الغطاء السياسي للموقفين الأمريكي والإسرائيلي، وتغطي أيضًا الموقف العسكري الصهيوني.
المبادرة المصرية واضح أنها جاءت بإيحاءات أمريكية وإسرائيلية، ولذلك رحيب ها الطرفان وقبلاها وأيداها.

المبادرة جاءت لإعطاء الضوء الأخضر للعدو الصهيوني لتكثيف الغارات الجوية على الحدود المصرية الفلسطينية (محور صلاح الدين) لفرض واقع على الأرض يُحْكم السيطرة الإسرائيلية على طول هذه الحدود، حتى لو حدثت تهدئة واتفاق يكون هناك واقعًا جديدًا.

المبادرة المصرية تمت دون أي تنسيق مع حركة حماس وفصائل المقاومة الأخرى في القطاع، فهي أعلنت وكان وفد حماس مازال يجري المباحثات مع رئيس المخابرات عمر سليمان. هذا عيب خطير في المبادرة لأنها راعت وجهات النظر الأمريكية والإسرائيلية ولم تلتفت إلى مطالب حماس.

المبادرة المصرية، بالتعاون مع أمريكا وإسرائيل، أرادت أن تلتف حول الصمود الفلسطيني والانتصار الميداني الذي حققته حماس على الأرض والذي استمر لاثني عشر يومًا أحرج خلالها إسرائيل وحلفاءها في الغرب، وحشد الرأي العام العالمي في معظمه ضدهم، وفضح كل الادعاءات الكاذبة حول الديمقراطية الغربية، ومبادئ حقوق الإنسان، وهم يرون صور الأطفال القتلى وصور المدارس المدمرة وصور العائلات التي أبيدت بالكامل، المبادرة إذًا تقدم طوق نجاة لإنقاذ إسرائيل من مأزقها العسكري والسياسي والإعلامي.

الموقف الرسمي المصري استحق كل هذا النقد، وكانت المكالمة الهاتفية من الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن مهنئا بمواقفه المتميزة والمقدرة تجاه العدوان الإسرائيلي الحالي على قطاع غزة، كانت هذه المكالمة وهذا الشكر وهذا الإعجاب دليل إدانة جديد، لأنها جاءت من عدو الأمة الأول الذي دمر العراق وأفغانستان والذي دعم مشروع شارون الصهيوني دعمًا غير مسبوق.

جاءت المبادرة المصرية لتمنع وتلتف حول منع انعقاد أية قمة عربي، لأن انعقادها سيوفر الدعم لأهل غزة وسيطالب بفتح المعبر، وهذا ما لا ترضاه مصر.

توقيت المبادرة المصرية يثير الشبهات، فقد جاءت بعد نجاح المقاومة في غزة في امتصاص حالة الصدمة الأولى، ثم ردها المذهل على العدوان البري ومنعه من الاختراق ونجاحها في إيقاع الخسائر به، وهذه كله التفاف على المقاومة وعلى جهد حماس.

توقيت المبادرة المصرية يثير الشبهات أيضًا، حيث أرادت أن تلتف على المبادرة التركية، التي جاءت بنكهة تركية، والتي تعرض شروطًا أفضل تحفظ مصالح المقاومة والشعب الفلسطيني.
أسوأ ما في المبادرة المصرية أنها تعرض وقف إطلاق النار وفق الشروط والرؤية والأهداف الإسرائيلية، على الرغم مما تحمله الصهاينة من خسائر، وهذا يعتبر في نفس الوقت التفافًا على نجاحات حماس، ورغبة في إزاحتها.
ثم إن لمصر هدف آخر، تلتقي فيه مع الرؤية الإسرائيلية، وهو إبعاد حماس عن أن تكون طرفًا في أية تسوية قادمة، وتسعى مصر ليكون صديقها محمود عباس هو الطرف الرئيسي في هذه التسوية المرتقبة.
وهكذا فإن الموقف المصري تعبير عن حالة العجز التي وصل إليها النظام العربي الرسميَّ، الذي فشل في إدارة الصراع مع عدونا الصهيوني، لأن مصر، منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد، نجحت في أن تقود ما يسمى "محور الاعتدال" والذي ينطلق من تبعية للموقف الأمريكي الإسرائيلي، وشيئًا فشيئًا أصبح هذا المحور هو الأوسع والأكبر في العالم العربي، بينما أصبح محور "المقاومة" صغيرًا محدودًا.

وإذا كانت مصر كامب ديفيد قد أشاعت ثقافة التفاوض والاستسلام والتفريط، فإن انتصار المقاومة في غزة إنما هو تأسيس لثقافة جديدة وروح جديدة ستسري إن شاء الله في الأمة وهي ثقافة وروح المقاومة والمواجهة والاستشهاد.

المقاومة التي تقودها حماس في غزة أكدت أن رجال العقيدة الذين يحرصون على الموت كما يحرص غيرهم على الحياة، هم الأجدر بقيادة وإدارة الصراع مع عدو عقائدي، ينطلق من أسس توراتية، وأنه آن الأوان لتيار كامب ديفيد وتيار أوسلو أن يختفيا ويتواريا عن الأنظار.
لكن تياري كامب دافيد وأوسلو لن يختفيا بسهولة، فهما يحظيان بدعم هائل من أمريكا وإسرائيل والاتحاد الأوروبي ومن النظام الرسمي العربي، لكننا نراهن على حركة الوعي واليقظة التي دبت في الأمة نتيجة أحداث غزة، ونأمل أن تكون هذه اليقظة وهذا الخروج الجماهيري للشارع هو أسلوبنا في فرض إرادة الأمة حتى يقودها تيار المقاومة والجهاد من أرضية الإسلام الحنيف.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

مصر، غزة، اسرائيل، خونة، حكام خونة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 9-01-2009   shareah.com

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
أ.د. مصطفى رجب، د - احمد عبدالحميد غراب، جاسم الرصيف، د.محمد فتحي عبد العال، خبَّاب بن مروان الحمد، شيرين حامد فهمي ، د- هاني ابوالفتوح، سوسن مسعود، أحمد الحباسي، محمد عمر غرس الله، د - محمد بن موسى الشريف ، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، محمد الياسين، رشيد السيد أحمد، هناء سلامة، سحر الصيدلي، صفاء العراقي، رحاب اسعد بيوض التميمي، مصطفى منيغ، طلال قسومي، فاطمة حافظ ، د. محمد عمارة ، د. أحمد محمد سليمان، د - أبو يعرب المرزوقي، مراد قميزة، محمد الطرابلسي، د. أحمد بشير، رأفت صلاح الدين، د. مصطفى يوسف اللداوي، د - شاكر الحوكي ، حمدى شفيق ، ياسين أحمد، حسن الحسن، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د. نانسي أبو الفتوح، د. خالد الطراولي ، معتز الجعبري، إيمان القدوسي، د - صالح المازقي، د. عبد الآله المالكي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، المولدي الفرجاني، عواطف منصور، محمد تاج الدين الطيبي، فراس جعفر ابورمان، د. عادل محمد عايش الأسطل، حسن الطرابلسي، د - غالب الفريجات، صباح الموسوي ، أحمد ملحم، أحمد بوادي، د- جابر قميحة، حميدة الطيلوش، د. الشاهد البوشيخي، منجي باكير، صلاح المختار، د. نهى قاطرجي ، الناصر الرقيق، عدنان المنصر، وائل بنجدو، عصام كرم الطوخى ، الهيثم زعفان، ماهر عدنان قنديل، سامح لطف الله، عمر غازي، عبد الرزاق قيراط ، ابتسام سعد، محمود فاروق سيد شعبان، سيد السباعي، محمد أحمد عزوز، د - المنجي الكعبي، د - محمد سعد أبو العزم، د - محمد عباس المصرى، كريم السليتي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د. كاظم عبد الحسين عباس ، سفيان عبد الكافي، محمود طرشوبي، عبد الله زيدان، منى محروس، نادية سعد، أشرف إبراهيم حجاج، د- محمد رحال، صفاء العربي، فتحي العابد، د. جعفر شيخ إدريس ، سلام الشماع، أحمد النعيمي، سامر أبو رمان ، صلاح الحريري، رافد العزاوي، حسن عثمان، الهادي المثلوثي، د - محمد بنيعيش، مصطفي زهران، رمضان حينوني، إيمى الأشقر، د- هاني السباعي، محمد إبراهيم مبروك، محرر "بوابتي"، عراق المطيري، د. الحسيني إسماعيل ، فوزي مسعود ، حاتم الصولي، محمد العيادي، فهمي شراب، د - الضاوي خوالدية، عبد الغني مزوز، يحيي البوليني، د.ليلى بيومي ، محمود صافي ، محمود سلطان، صالح النعامي ، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، عبد الله الفقير، د. محمد مورو ، بسمة منصور، د - مضاوي الرشيد، د - مصطفى فهمي، د. طارق عبد الحليم، رافع القارصي، كريم فارق، علي الكاش، أبو سمية، أحمد بن عبد المحسن العساف ، عزيز العرباوي، أحمد الغريب، رضا الدبّابي، حسني إبراهيم عبد العظيم، فاطمة عبد الرءوف، سيدة محمود محمد، د. محمد يحيى ، الشهيد سيد قطب، كمال حبيب، د. صلاح عودة الله ، خالد الجاف ، أنس الشابي، د- محمود علي عريقات، العادل السمعلي، إسراء أبو رمان، مجدى داود، جمال عرفة، علي عبد العال، سلوى المغربي، سعود السبعاني، فتحي الزغل، محمد شمام ، إياد محمود حسين ، تونسي، محمد اسعد بيوض التميمي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، فتحـي قاره بيبـان، يزيد بن الحسين،
أحدث الردود
ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة