تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

الأبعاد الثقافية والفكرية لظاهرة الهجوم على الحجاب

كاتب المقال د . ليلى بيومي   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


المورد الذي غذى ظاهرة الهجوم على الحجاب في عالمنا العربي والإسلامي ليس موردًا مستقلاً خاصًا بذاته، وإنما كان هذا المورد هو العلمانية والإطار العلماني العام الذي تم إحلاله تدريجيًا، وعلى مراحل في بلادنا العربية والإسلامية إبان فترة الاستعمار الغربي وما بعدها محل الشريعة الإسلامية التي تحكم حركة التصورات والأفكار في المجتمع.

ومن هذا المنطلق كان الاستعمار حريصًا على تغيير مناهج التعليم في البلاد التي احتلها؛ وذلك من أجل إعادة صياغة العقول الناشئة على المرجعية الأوروبية المادية وغير الدينية.
فقد كان "دانلوب" هو أهم خبير ومستشار بريطاني في مصر، في فترة الاحتلال، من أجل هذا الغرض تحديدًا.

ولعلّ المثال الواضح على تركيز الغرب على المناهج في بلاد المسلمين هو ما يوضحه الموقفان الغربيان الآتيان:

الموقف الأول: بعد أحداث 11 سبتمبر2001 في الولايات المتحدة، شنت الإدارة الأمريكية حملة شرسة ضد مناهج التعليم في السعودية ومصر وباكستان، وغيرها من الدول العربية والإسلامية، ومارست ضغوطًا شديدة على حكومات تلك الدول من أجل تغيير المناهج الدينية، حتى في المعاهد والجامعات العريقة المعروفة بالاعتدال، مثل جامعة الأزهر والجامعة الإسلامية في السعودية وباكستان.

الموقف الثاني: بمجرد سقوط نظام الرئيس العراقي السابق "صدام حسين"، ودخول القوات الأمريكية بغداد، كان أول ما فعلته إدارة الحاكم الأمريكي(بريمر) هو البدء في تغيير مناهج التعليم العراقية؛ من أجل تطويع العقلية العراقية الناشئة وفق الصياغة الأمريكية المرتجاة.

كما مثلت ظاهرة ابتعاث الطلاب العرب والمسلمين إلى البلاد الأوروبية بعد فترة الاستقلال رافدًا أساسيًا في تغذية وتثبيت العلمانية في العالم العربي والإسلامي، فقد قامت الفكرة العلمانية في بلادنا على أيدي هؤلاء العائدين من الغرب المنهزمين أمام ثقافته.

وهكذا وصلنا إلى بداية القرن التاسع عشر وظهور ما أطلق عليهم الفكر العلماني العربي "رواد التنوير" أمثال قاسم أمين، وأحمد لطفي السيد، وسلامة موسى، وطه حسين، بالإضافة إلى مدرسة الشام التي مثلها علمانيون مثل: فرح أنطون، وشبلي شميل، وجورجي زيدان... الخ.

وكانت الرسالة الأساسية لهؤلاء هي الطعن في الإسلام والثقافة الإسلامية، ووصفها بالتخلف وعدم القدرة على بعث العرب والمسلمين من تخلفهم ورقادهم لدخول واقتحام آفاق النهضة والتنمية والتطور، والادعاء بأن الحل الوحيد أمامنا هو الاعتراف بالثقافة الغربية وجعلها هي المرجعية.


وعلى يد هؤلاء الرواد العلمانيين بدأت الحركة النسائية العربية العلمانية، التي جعلت معركتها الأساسية هي الهجوم على الحجاب، ووصفه بكل صفات السوء، وكان رواد هذه المدرسة: هدى شعراوي، وسيزا نبرواي، ودرية شفيق، وأمينة السعيد وما تبعهن.

لكن رغم الضغط السياسي العلماني المتواصل ضد الحجاب، والذي يوظف ما في أيدي العلمانيين من مراكز سياسية، ومن مؤسسات ثقافية وفكرية، ومن وسائل إعلامية، ظل الحجاب - والنقاب- منتشراً في مجتمعات المسلمين حتى العشرينيات من القرن العشرين عندما بدأت حركة السفور تظهر في تركيا الكمالية ثم في مصر -على اختلاف درجة الحدة- قبل أن تنتشر إلى بلدان عديدة، ومع ذلك فقد ظلت مجتمعات إسلامية ملتزمة بالحجاب والنقاب على الطريقة القديمة حتى زمن عودة الحجاب.

ويشهد ارتداء الحجاب انتشارًا واسعا يكاد يشمل غالبية الفتيات في البلاد العربية والإسلامية وبعض المسلمين في الغرب يصل حدا في بعض الجامعات الإسلامية والعربية أن يكون جميع فتيات الفصل الدراسي أو قاعة المحاضرات ممن يرتدين الحجاب، وأصبح منظرا مألوفا وغالبا على لباس الفتيات في شوارع هذه البلاد ومدنه ومؤسسات العمل فيه.

والحجاب، على سبيل المثال، جعلته 80 % من النساء المصريات زيا لهن كما تقول إحدى إحصائيات مركز المعلومات التابع لمجلس الوزراء. وليس خافيا عن الأنظار أن ظاهرة انتشار الحجاب بين المصريات في السنوات العشرين الأخيرة جعلته القاعدة في الزي لا الاستثناء، خاصة في الأقاليم المصرية التي يصبح فيها الحجاب شيئا طبيعيا مع بلوغ الفتاة سن الثانية عشرة على أكثر تقدير ومن دون إجبار من الأسرة. ولا يختلف الحال كثيرا في العاصمة المصرية القاهرة خاصة في الأحياء الشعبية التي تزيد فيها نسبة الحجاب وذلك لأسباب عدة من بينها ارتباط الحجاب بالعادات الاجتماعية وما يتردد عن ضرورة ستر الفتاة لجسدها.

وفي الجامعات المصرية الآن تستطيع أن ترصد انتشار ظاهرة المحجبات في مدرجاتها التي يتلقى بها الطلاب دروسهم، فالرؤوس التي يغطيها الحجاب باتت أكثر من نظيرتها غير المحجبة إلى الحد الذي يدفع ببعض الطلاب إلى القول إن الفتاة غير المحجبة غالبا ما تكون مسيحية وليست مسلمة وان القاعدة العامة باتت للحجاب في الجامعات.

وقد انعكست ظاهرة الحجاب في الشارع المصري حتى وصلت إلى شواطئ الاصطياف، فشكل وطبيعة الشواطئ المصرية الآن تغير تمامًا عن ذي قبل، فاختفى المايوه، والفتيات والسيدات إما لا ينزلن البحر مطلقًا أو ينزلنه بكامل لباسهن، وأصبحت هناك شواطئ مغلقة لا يدخلها إلا العائلات. ولا يسمح بوجود الرجال والنساء على الشاطئ في نفس الوقت، ولكن هناك ساعات للرجال وأخرى للنساء، أما الشباب فأصبح ستر العورة وارتداء الشورت الطويل أو البنطلون الكامل منظرًا لا تخطؤه عين.

وما يحدث في مصر يحدث في العديد من الدول العربية، بفعل انتشار الصحوة الإسلامية، وظهور وسائل إعلام تنشر الثقافة الإسلامية، وتهتم بالقضايا الإسلامية، وتدعم بالتالي الحجاب.


 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 07-08-2008   shareah.com

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  الغزو الروسي وفضيحة القوميين العرب
  تساؤلات عن المراكز الثقافية الأجنبية في العالم العربي
  الشريعة تخوض آخر معارك إزاحتها في مصر
  محطات في حركة تحرير المرأة 200 عاما من التغريب
  الذين يريدون تفريغ الجهاد من مضمونه
  لماذا يرفض العلمانيون العرب الحجاب؟
  الحركات النسوية العربية ومعاداة الحجاب
  الأبعاد الثقافية والفكرية لظاهرة الهجوم على الحجاب
  الأبعاد التاريخية والسياسية للهجوم على الحجاب
  هل تقبل شهادة الفنان؟
  تركيا والحجاب.. مزيد من التناقض والحساسية
  "الحجاب المودرن": المرأة المسلمة وضغوط عالم الموضة
  خفايا حرب المصطلحات ضد العرب والمسلمين
  نموذج التميز بين التربية الإسلامية و الغربية
  المرأة الرسالية التي نريدها
  عودة الحجاب.. وانهيار العلمانية في تركيا
  كيف نحصن أبناءنا ضد التنصير ؟

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
محمود سلطان، محمد تاج الدين الطيبي، د - محمد سعد أبو العزم، فتحي الزغل، د. محمد مورو ، د - مصطفى فهمي، فاطمة عبد الرءوف، حسن الحسن، د - صالح المازقي، حميدة الطيلوش، د. نهى قاطرجي ، رضا الدبّابي، د - محمد بنيعيش، سعود السبعاني، حسن الطرابلسي، شيرين حامد فهمي ، محمود صافي ، د - أبو يعرب المرزوقي، محمد الطرابلسي، رمضان حينوني، الهيثم زعفان، سيدة محمود محمد، محمد شمام ، بسمة منصور، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، علي الكاش، صفاء العربي، صلاح الحريري، عبد الله الفقير، د. طارق عبد الحليم، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د- جابر قميحة، صباح الموسوي ، إسراء أبو رمان، د - المنجي الكعبي، د. محمد يحيى ، د. خالد الطراولي ، محمد العيادي، العادل السمعلي، د. عبد الآله المالكي، فراس جعفر ابورمان، حمدى شفيق ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د. ضرغام عبد الله الدباغ، سيد السباعي، عبد الغني مزوز، المولدي الفرجاني، تونسي، مصطفى منيغ، د- محمود علي عريقات، فاطمة حافظ ، فتحـي قاره بيبـان، د. الحسيني إسماعيل ، الناصر الرقيق، د - احمد عبدالحميد غراب، سامر أبو رمان ، عدنان المنصر، فوزي مسعود ، نادية سعد، د. محمد عمارة ، خبَّاب بن مروان الحمد، رشيد السيد أحمد، ياسين أحمد، أنس الشابي، كريم فارق، د. عادل محمد عايش الأسطل، أحمد الغريب، محمود طرشوبي، يحيي البوليني، ماهر عدنان قنديل، رأفت صلاح الدين، جمال عرفة، د. صلاح عودة الله ، عصام كرم الطوخى ، أحمد بن عبد المحسن العساف ، محمد أحمد عزوز، أحمد الحباسي، د. أحمد محمد سليمان، د. جعفر شيخ إدريس ، مراد قميزة، سامح لطف الله، يزيد بن الحسين، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، أحمد ملحم، إيمان القدوسي، د - محمد عباس المصرى، محرر "بوابتي"، د. الشاهد البوشيخي، أ.د. مصطفى رجب، منى محروس، كمال حبيب، د - غالب الفريجات، أحمد بوادي، أبو سمية، طلال قسومي، د.محمد فتحي عبد العال، ابتسام سعد، د- هاني ابوالفتوح، د- محمد رحال، رافد العزاوي، أشرف إبراهيم حجاج، إيمى الأشقر، عبد الرزاق قيراط ، جاسم الرصيف، سحر الصيدلي، محمد عمر غرس الله، د. أحمد بشير، حسن عثمان، محمود فاروق سيد شعبان، خالد الجاف ، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د. نانسي أبو الفتوح، فتحي العابد، صفاء العراقي، د. مصطفى يوسف اللداوي، الهادي المثلوثي، مجدى داود، الشهيد سيد قطب، محمد الياسين، مصطفي زهران، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، محمد إبراهيم مبروك، معتز الجعبري، عمر غازي، عبد الله زيدان، وائل بنجدو، رافع القارصي، محمد اسعد بيوض التميمي، إياد محمود حسين ، رحاب اسعد بيوض التميمي، صلاح المختار، د - شاكر الحوكي ، سلوى المغربي، صالح النعامي ، عزيز العرباوي، حسني إبراهيم عبد العظيم، كريم السليتي، عواطف منصور، هناء سلامة، د - مضاوي الرشيد، عراق المطيري، د- هاني السباعي، د.ليلى بيومي ، سوسن مسعود، د - الضاوي خوالدية، أحمد النعيمي، سفيان عبد الكافي، منجي باكير، حاتم الصولي، علي عبد العال، د - محمد بن موسى الشريف ، سلام الشماع، فهمي شراب،
أحدث الردود
ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة